حماقة الإنسان .. وإهدار الرصيد … بقلم : جمال عمر

عزيزي الإنسان المعاصر ، مرحبا بك في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين ، وما أدراك ما هو العقد الثاني من هذا القرن الرهيب ، والذي تسارع فيه كل شيء ، فانتقلنا فيه في سنوات قليلة ، من عصر التليفون المانوفيلا والقرص إلى محمول القمر الصناعي في ساعة اليد ، أو بشريحة تحت الجلد في أحدث تكنولوجيا إنسانية ، ومن خطاب ترسله بعلم الوصول لضمان وصوله بعد أيام أو أسابيع أحيانا ، إلى مكالمات الفيديو ، إلى الهلوجرام ، ومن البندقية للنووي ، ثم للهارب والكيمتريل والأسلحة فائقة القدرة ، ومن حدود الكفاية بالضروريات إلى مرتع الرفاهية بلا حدود ، ومن السبع طوبات والتريكو والحجلة وعسكر وحرامية إلى البلاي ستايشن وألعاب التاب والمحمول بلا حدود ، ومن فرافيرو وبقلظ وكرنبة إلى سبونش بوب وأخواته من ديزني ، ومن نشرة أخبار الراديو إلى نوافذ التواصل الاجتماعي والتيك توك واليوتيوب وما خفي كان أعظم ، ومن لمة العيلة وسمر رمضان ، ومنافسات القرآن بين الصغار والفوازير المسموعة إلى مسلسلات الأسطورة ومقالب منجوسة وبرامج الفضائح الرمضانية (دون حياء من الله) ، ومن الشعرواي والشيخ شلتوت ومحمد رفعت إلى دعاة المخابرات البريطانية عمرو خالد وورثته معز مسعود ومصطفى حسني وشحاتة ، وغدا سوف يتحفوننا بالشيخ توتو والحاج كوهين روكفيلر .

نعم .. تغير وتسارع كل شيء ، ففقد الإنسان المعنى والمفهوم لكل شيء حوله ، ويكفيك أن ترى العائلة مجتمعة ولو صدفة ، لتجد كل منهم وقد حشرت رأسه في المحمول أو التابلت ، وغاب عن الوعي الجمعي للمكان والحاضرين ، حتى الأسرة الواحدة ، لو دخلت عليهم فستجد الأبناء غارقين على البلاي ستايشن ، لو لم يكونوا غارقين في الواتس والتيك توك واليوتيوب مثل والديهم ، ولا تسألني متى سيتعلمون القيم ، أو ممن سيتعلمون ، ولنسألهم جميعا ما هي النتيجة ، والنتيجة الحتمية هي فقدان القيم والمعان لكل شيء ، فالأب لا يعرف عن بيته وأولاده إلا عندما تحدث مشكلة أو كارثة ، ويصبحون مضطرين لإعلامه بها ، والأم غارقة في بيتها والآولاد والمذاكرة والملخصات ومواعيد الدروس وبرامج الطبخ والتمارين والشئون البيتية ، هذا إن لم تكن سيدة صالون أو باحثة عن ذاتها عبر صفحات التواصل ، ونشر صورها ومشاعرها في كل مناسبة أو بدون ، كفراشة النار من نار إلى نار .

ولا داع للتورط في المشكلات الأسرية والشخصية العويصة ، ولا في حالات الاختلال النفسي التي بدأت في الانتشار بين الشباب وفي مختلف مستويات المعيشة دون استثناء ، ولكننا سوف نتوقف عند مشكلة واحدة وهي زواج البنات ، وبداية لا يستطيع إنسان عاقل أن ينكر أن الهدف من الحياة هو الاستخلاف على الأرض ، وأن كل أنثى تولد في الدنيا ، لديها هدف أساسي فطري لا تستطيع التغافل عنه ، مهما حصلت على مكاسب مادية وأدبية من الدنيا ، وهي أن تصبح زوجة ثم أم وربة أسرة ، فهي فطرة الخالق العظيم التي فطر عليها البشر ، والتي لقد لتعي قدرها كصير من البنات إلا بعد فوات الآوان ، وهنا تظهر مشكلة تأخر الزواج والعنوسة ، لتطل برأسها القبيح على المجتمع وتهدد أمانه واستقراره ، فالأنثى والشاب دون زواج خاصة لو فقدوا الأمل ، فمن المنطق أن يتفشى بينهم شتى ألوان الانحرافات والعلاقات الغير شرعية ، فنحن بشر وتؤثر فينا غرائزنا وشهواتنا ، ولذلك شرع الله لنا الزواج كوسيلة ربانية لتنفيس شهواتنا فيما خلقنا الله من أجله .

ولكن .. عندما يتم تشويه الفكر الإنساني ، فنقوم بوضع العراقيل والمصاعب في طريق الشباب للزواج ، في ظل الهلع الجنسي والتحريض عليه إعلاميا ليل نهار ، فماذا ننتظر من البشر ، في ظل والإثارة المتصاعدة لملابس النساء والبنات في الطرقات ، وبرامج ومسلسلات الغرام والحب الممنوع والخيانة المشروعة ، وإعلانات الفضائيات المحرضة على إشباع الغريزة والشهوات ، خاصة في ظل نوافذ التواصل الاجتماعي ، والتي جعلت ابنك وابنتك يمارسون شتى ألوان الحب والغرام ، ومع أي طرف في أقصى حدود الأرض صوتا وصورة ، ولن نتطرق للتطرف وكوارث التواصل ، ولكننا سنكتفي بما تفشى بين الشباب والشابات ، وهو العلاقات البريئة بحثا عن الزوج أو الزوجة المناسبة ، وهي ظاهرة بدأت على استحياء عندما كانت الأجيال تعرف الحرام ، ولا تستحل إقامة علاقة على النت خوفا من عقاب الله ، ولكن تدريجيا سقط الحياء ، وأصبحت إقامة العلاقات مباحة ثم مشروعة ، إلى أن أصبحت حقا مكتسبا ، من الصعب أن تقنع شابا أو فناة أن هذا محرم شرعا ، وأن له عواقب وخيمة على النفوس والعفة والمستقبل .

وهنا يجب نتوقف قليلا لنسر في أذن بناتنا الساذجات أو الجاهلات بعض الحقائق عن تركيبة نفس الشاب أو الرجل ، والتي ربما غابت عن إدراك كثير من البنات والنساء ، وكذلك حقائق عن الأنثى غابت عن كل شاب في مقتبل العمر ، وكلاهما يظن أنه يعلم كل شيء ومسيطرا على مفاهيم حياته ، ويرى أنه كفاه أنه يستطيع أن يفعل ما يشاء ولذلك يجب أن تعلم كل أنثى ، أن الرجل أو الشاب لديه الاستعداد أن يستمتع بالحب والعشق ويمارس الغرام مع أي أنثى ، أيا كانت ومهما كانت ظروفها ومكانتها وقدراتها ، ولكنه عندما يريد أن يتزوج ، فلن يتزوج أنثى عرفها صدفة ، خاصة عن طريق التوصل الاجتماعي ، وكفى أنها قبلت أن يكون لها به علاقة دون ارتباط رسمي معلن ، حتى ولو كانت العلاقة مؤدبة ولها حدود واضحة ، مثلما تقول بعض الفتيات ، فالرجل أو الشاب لديه قناعة فطرية ، بأن الفتاة أو الأنثى التي سمحت لنفسها أن تقيم علاقة مع شخص لا تعرفه تحت أي مسمى ، وتتبادل معه أخبارها وآرائها على سبيل التعارف ، هي أنثى غير مؤتمنة وغير جديرة أن تؤتمن على بيت وأسرته وأولاده ، لأنها ببساطة .. لو وجدت يوما علاقة أفضل على صفحات التواصل ، فسوف تكررها وتضحي ببيتها وزوجها وأولادها ، خاصة عندما تتراكم عليها مشاكل الحياة .

تلك هي الفكرة لدى الغالبية العظمى من الشباب والرجال ، مهما ادعوا التفتح والتفهم والتطور ، لأن تلك هي الفطرة الإنسانية ، فمن لم تحترم شرف أسرتها وكرامتهم ، وتعرفت وتبادلت الأحاديث ، بحجة التعارف ، وتعاطفت ومارست الإعجاب ثم الحب والغرام مع شخص لا تعرفه ، ولا تربطها به أية روابط سوى البحث عن زوج ، فهي من المؤكد لن تحترم كرامة أو شرف زوجها بعد الزواج ، ومن المؤكد لن يكون زوجها أعز لديها ولا أفضل من والديها وعائلتها ، وتلك هي الحقيقة العارية ، أما عن الأنثى .. كيف تأمنين لشاب تعرفتي عليه على صفحات التواصل وتطورت بينكما العلاقة لإعجاب ثم حب وغرام ووصلت للزواج ، كيف تطمئنين أنه لن يكررها خاصة بعد تزايد أعباء الحياة وانشغالك عنه بالبيت والأولاد ، أم تظنين أنه قد توفاه الله نفسيا وعاطفيا من بعد زواجك به ، أم هو قد تاب إلى الله بعدما حصل عليكي بانحرافه النفسي ، واستقام على يديك ، ولن يعود لما اعتاد عليه مرارا وتكرار ، ولذلك فزيجات عصرنا الحالي مهترئة ، ومعدلات الانفصال والطلاق والصراعات الأسرية في تزايد ، ولا شك أن شبابنا وفتياتنا لديهم الكثير من الجدال حول هذا الموضوع ، ولا ألومهم فقيم التنشئة تتحكم في فكر ومعتقدات البشر ، ولا يمكن أن تلوم ربيب سبونشي بوب والتواصل الاجتماعي على جهله بقواعد علم النفس الاجتماعي أو بأصول شرع الله وقيمه ، في تحريم اتصال الأنثى بالرجل إلا علنا ، وفي إطار شرع الله وما لا يخدش الحياء .

ونصل للأهم في ناموس الله في حركة حياة البشر ، وهو ما نسميه بالرصيد ، وهو أحد أهم قوانين ناموس الخالق في خلقه والتي يجهلها كثير من الناس في الدنيا ، وهي ببساطة ما نسميه (أرصدة الإنسان) التي يولد بها ، فسبحانه وحده مقدر الأرزاق ، فكل إنسان يولد وقد قدر الله أنواع وأشكال رزقه ووضع توقيتاتها بدقة وذلك هو (الرصيد) ، فكل منا لديه رصيد مقدر من الله من المال ، ولديه رصيد من الستر ، ولديه رصيد من الفرح ، ورصيد من المتعة ، ورصيد من السعادة ، ونهاية رصيد من الكبد (المصاعب والهموم والأمراض) ، وابن آدم هو من يدير رصيده . ومن شروطه أن الإنسان لن يأخذ من الدنيا أكثر من رصيده ، وكذلك من شروطه أنه سبحانه قد ربط هذا الرصيد بنوايا ورغبات الإنسان وتصرفاته في الدنيا ، فهو حر في كيفية استخدامه لرصيده ، لابد أن نعلم أبنائنا كيفية استهلاك رصيده في الحياة ، لأن سوء استخدام الرصيد في الدنيا ، هو أهم أسباب قول الله تعالى ..{ .. وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } النحل118 .

ولنبدأ برصيد ابن آدم من (الكبد) ، وهو ما يشغل الإنسان ويكدر عليه صفو حياته ، والإنسان هو من يختار نوعية كبده ، فإذا اخترت كبدك أن تكون مشغولا بالسعي في الدنيا للعلم والعمل لصالح غيرك ومن حولك ، فقد اخترت كبدك ليكون (كدحا في الدنيا) ، وسيكون أكثر ما يكدر صفوك أنك قد ترهق نفسك مع من لا يستحق أو لا يقدر تعبك ، وهنا يجب أن تتذكر أنك لا تكد ولا تتعب لترضي بشرا ، ولكنك ترضي ربك ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ، أما لو اخترت أن يشغلك المتع والراحة ، فقد وقعت في المحظور ، واخترت أن يكون كبدك هما وغما ومرضا نفسيا وعضويا ، وذلك لعدم قدرتك على الوصول لأحلام متعك وراحتك ، ولأنك لن تأخذ سوى المكتوب لك ، ومؤكد هو طبقا لفتن الدنيا ووسوسة الخناس وشهوات النفس ، أكبر بكثير مما هو مكتوب لأي إنسان (رصيده) ، فستصبح ممن هم دوما مشغولون بأنفسهم فقط ، وبما اكتسبوه من الدنيا ، وذلك هو أسوأ وأخطر ما تقع فيه النفس ، لجهلها بناموس الله في خلقه ، وأنه لن ينال من الدنيا إلا ما كتبه الله ، فتفقد النفس نعمة الرضا ، فتتحول الحياة تدريجيا لجحيم يجر الإنسان لخسارة دنياه وآخرته ، وهنا لابد أن ينتبه الإنسان لكيفية استهلاك رصيده من الكبد فيما ينفعه ، فيزيد من رصيده من العمل الصالح عند ربه ، فينشغل عن نفسه وما تشتهيه وما اكتسبته ، فيبتعد عن الهم والغم والمرض .

أما عن رصيد الجمال والوسامة ، فتلك الفتاة الجميلة التي منحها الله رصيدا كبيرا من الجمال ، وبالتالي فلديها الأساس الذي يمتعها ويسعدها بإحساسها بجمالها في عيون الناس ، فهي تستهلك هذا الرصيد كلما سنحت لها الفرصة ، فتهتم وتسعى لرؤية وسماع استحسان جمالها على ألسنة الناس أو في عيونهم ، وهي لا تدري أنها تستنفذ كثيرا من رصيدها من السعادة هباءا ، وكذلك التي تتعمد إظهار مفاتنها لأي أحد ، فهي تستهلك رصيدها من متعتها بجمالها بلا ثمن ، فلا تلومن نفسها لو كان حرمانها من المتعة الحقيقية مع زوجها ، فقد أهدرت رصيدها من الاستمتاع بجمالها بلا ثمن حقيقي ، ولذلك تسمع من النساء مثلا شعبيا يقولون فيه (حظ العمشة تحت الفرشة) ، وتلك حقيقة لأن الله عادل في توزيع أرزاقه ، فالأنثى التي صانت جمالها عن عامة الناس ، والأخرى التي لم تحظى بجمال فتان ، كلاهما لم يحظيا بكم المتعة في عيون وألسنة الناس ، فلابد لكل منهما أن يرزقها الله بزوج يراها أجمل نساء الدنيا ، ويذيقها متعتها وسعادتها بعيدا عن الناس ، فناموس الخالق في خلقه لا تبديل له ، ولا حيلة فيه .

أما عن الستر ، فحدث ولا حرج ، فهذا الذي وقع ضحية حادث سيارته ، لم يتورط فيه بالصدفة ، بل هو قد استنفذ رصيده من الستر من قبل ، سواء بقيادة سيارته بتهور وسرعة مرارا وتباهى بمهاراته في القيادة ومراوغة السيارات ، ولم يعنيه كم أرعب بها الناس أو تباهى بها عليهم ، وتفاخر واستمتع بكونه مميزا عليهم ، فهو بيديه قد استنفذ رصيده من الستر ، وكذلك تلك الأنثى التي ضبطها زوجها في وضع مخل أو بخيانة ، لم تكن هذه هي المرة الأولى ، بل هي استنفذت رصيد الستر ، والسارق الذي يتم ضبطه متلبسا ، لن تكون هذه هي المرة الأولى ، بل إنه كررها مرارا حتى استنفذ رصيد الستر ، وتلك الشابة الجميلة التي تأخر زواجها ويهرب منها العريس تلو الآخر ، تنسى أنها قد تكون مستنفذة لرصيد الفرحة والمتعة بلا ثمن ، مثل المحترفة لنشر صورها مع كل فستان وزي جديد أو في كل مناسبة لها أو لأسرتها أو عائلتها أو الأصدقاء ، فهي معجبة بجمالها وقوامها وحياتها ، وهي لا ترى أنها تفعل شيئا خاطئا أو عيبا ، ولها كل الحق فهي لم تنشأ على قيم ناموس الخالق في خلقه ، ولكنها تربت على القيم والأصول البشرية المتغيرة والمنحدرة تبعا للأهواء ، ولا تدري أنها بنشر صورها تستنفذ رصيدها من المتعة والفرحة ، فلا تلومن إلا نفسها لو تأخرت فرحتها بزواجها ، أو لاحقتها المشاكل والمصاعب في حركة حياتها .

ودعيني بنيتي أسر إليك ببعض القواعد النفسية التي ربما نتغافل عنها ، ربما حتى لا نزعج أنفسنا بخطورة تصرفاتنا ، فالشاب عندما يرى فتاة للزواج يحدد قراره من النظرة الأولى ، وربما هو مخطيء في قراره ، ولكنه دوما يكون محقا فيما يصلح معه أو لا يصلح ، لأن العيون فضاحة لحقيقة النفوس ، (فالعيون مرآة النفوس) ، والرجل يرى في عين العروس المحتملة أشياء لا تراها العيون ، تريحه أو ترعبه فيهرب ، وأهم ما يريحه هو البراءة والحياء والطيبة ، فإن لم يجدهم فهو ليس على استعداد أن يحيا بقية عمره دون (براءة وطيبة وحياء) في شريكة حياته ، وما يرعبه هو الجرأة والقسوة وفقدان بعض الحياء ، وهي عيوب منتشرة بين كثير من فتياتنا المتعلمات تعليما راقيا ، ومقتحمات سوق العمل ، وكذلك فتيات التواصل الاجتماعي ، فبعض حياءهن قد تم فقده في سوق العمل ، وكثير منه تم فقده عندما كسرته الأنثى وتبادلت الحديث مع من لا تعرفه بحجة التعارف ، والجرأة لا تستطيع عيون أي فتاة أن تخفيها ، خاصة وأنها تريد أن تتأكد من مواصفات العريس ، فلن تتواني أن تسأله عن أشياء تعد في نفوس الرجال جرأة مرعبة ، وهي لا تدري خاصة لو شعر الرجل أنها أكثر جرأة منه ، والقسوة يراها الرجل في بعض تصرفاتها الحنونة المصطنعة ، وليس في تصرفها بعفوية وبراءة .

ومن المؤكد أنك لا تستطيع أن تقنع شابا أو فتاة أنهم يهدرون أرصدتهم هباء وبلا ثمن ، فالجدال هو الآخر أحد أركان حياة كثير من الأجيال الجديدة فاقدة الحياء والبراءة ، فهم أبناء التيك توك واليوتيوب بلا منازع ، وأفضل الشباب وأقربهم للعودة للأصول من يقول لك ، (يعني أنا كده ضعت وضيعت رصيدي ، يعني اروح أموت كفاية كده ؟؟؟) ، وكما نقول لهم دوما .. صبرا ولدي .. بالطبع لا يوجد شيء لا يمكن إصلاحه ، بل إن كل رصيد يمكن إعادة شحنه من جديد ، ولكن .. لكن نوع رصيد شاحنه الخاص به ، فإذا أردت أن تشحت رصيك من الحياء ، فابدأ بالحياء من الله ، فلا تسرح بخيالك ولا تقولن ولا تفعلن شيئا لا يرضى به الله ، ، واستعذ بالله كلما سقطت فيه بخيالك ، ودرب نفسك كثيرا على الحياء من الله ، فذلك كفيل أن يعيد لك أو لكي شحن رصيد كبير من الحياء ، وإذا أردت أن تشحن رصيدك من الستر ، فالتزم بالستر على خلق الله ولا تفضح أحدا ، ولا تتعمد إحراج أحد وإطهار عيوبه له أو لغيره ، ولا تعطي لنفسك الحق أن تتحدث عن عيوب أحد ولا عن أفعال وأقوال أحد بالسوء ، حتى لو رأيت فاحشة أو حتى زنا بعينيك ، فكأنك لم ترى شيئا ولا تحدث به نفسك ، فالله (حليم ستار) يحب الستر ، فاستر عباده ، يزيدك من رصيد الستر .

وإذا أردت شحن رصيدك من الهنا والرضا ، فاحترف جبر خواطر البشر ، فالله لا يكسر بخاطر من يجبر خواطر عباده ، واشغل نفسك بالبحث عما يسعد الناس ، وكيفية فعله وقوله ، فكلما أسعدت خلق الله كلما زادك الله من رصيد السعادة ، فأنت لن تكون أكرم من الخالق العظيم ، وإذا أردت شحن رصيدك من المال ، فأكثر من الصدقات ، فأنت لن تكون أكرم من الرزاق الكريم ، كما أن بر الوالدين وصلة الرحم تزيد الرزق فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَن سرَّهُ أن يُمَدَّ لهُ في عُمرِه، ويُزادُ في رزقِه، فليبِرَّ والدَيهِ، وليصِلْ رحمَه) ، وإذا أردت شحن رصيدك من الفرحة والسعادة ، فاسعد المسكين واليتيم ، فإسعاد المسكين واليتيم يجلب رضا الله وحبه ، ومن فاز بحب الله ورضاه ، أسعده الله في الدنيا والآخرة ، حتى قال رسول الله(أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما) ، ففعل الخيرات يفتح أبواب السعادة والخير على الإنسان ، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى .. { وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا }20 المزمل ، فالله يرد الخير مضاعفا لعباده في الدنيا ، ويجازي عليه بالأجر العظيم يوم القيامة ، بل لا عجب أن يقول سبحانه (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) ، فالله لا يقبل الصدقة فائض أو بقايا رزقك ، بل يجب أن تكون مما تحب من أنواع المال والرزق ، ولا ننسى أن الإنسان كلما فعل خيرا ، فإن نفسه تنشرح وتسعد به ، لأن هذا هو ناموس الله في خلق النفوس ، ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ العاديات8 ، وأخيرا .. ندعو الله أن يعيننا على حسن استخدام رصيدنا من أرزاقه وهباته وعطاياه لنا في حياتنا ، ولا نكونن من الذين أهدروا أرصدتهم هباءا منثورا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

تعليق واحد

  1. امين يارب العالمين… كلامك حق و فكرك حق و قلمك حق
    و جزاك الله كل الحق و الخير
    والله يجيرنا من الأعظم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *