أسود المنابر .. وفرسان الحناجر … بقلم : جمال عمر

رأيته .. وقد هالني ما رأيته ، رأيته وقد امتطى صهوة حنجرته ، مستأسدا فوق ربوة منبره ، وقد شهر سيف عباراته البتارة ، ثم أطلق رماح كلماته الجهنمية ، فسقط الوزير صريعا بلا حراك ، وصفق الشعب المسكين المذبوح بأزمات وأسعار ، وهلل الكذابون والمنافقون والسذج من الجماهير المطحونة ، ثم تكرر المشهد الدرامي وتناوب فرسان النواب على الوزير ، وامتلئ صدر الوزير بالطعنات الداميات الغادرات ، وهنا أفقت لأقول لهم ، أنه رغم اعتزازي الشديد كوني مصريا ، إلا أنني كثيرا ما يجتاحني قول أبو الطيب المتنبي (وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء) .. ، وقد هاجمني هذا البيت منذ أيام قليلة عند مشاهدة ، الغزوة العنترية للنشامة المغاوير من نوابنا الأفاضل ضد وزير التموين ، وخوضهم للهجمة الكلامية الضروس على الرجل المستكين ، ونشبوا فيها سيوف ورماح عباراتهم الجهنمية في جثة كرامة وزير التموين بلا رحمة ، وكأنهم ينتقمون لمن هتك عرض كياناتهم المهدرة بيد هذا الوزير المسكين ، والذي كانت تعبيرات وجهه تعلن الاستسلام المشوب بالحنق المكتوم ، على هؤلاء المتبارون في الاستهزاء والإهانة للحكومة في شخصه المسلوب القدرة على ردعهم أو التصدي لهم ، وكأن كل منهم قد تجسد في شخصية من كراكترات الأسطورة محمد رمضان كالألماني وشد أجزاء وقلب الأسد والديزل وجعفر العمدة وغيرها من الدراما المشبوهة ، والتي شوهت أخلاق جيل كامل .

ولست معترضا على محاسبة الحكومة للوزراء ، خاصة وأن وزير التموين قد سجل فشلا زريعا في وزارته ، وكذلك من واقع معاناة الشعب المصري من أزمات مفتعلة متتالية ، وارتفاع للأسعار غير مبرر ، ولكن لابد وأن نكون منصفين ، فلا خير في أمة لا يقال فيها الحق لوجه الله تعالى ، أو كما نقول لعن الله قوما ضاع الحق بينهم ، فبقدر حاجتنا الشديدة لمحاسبة الحكومة وتقويم آداء رجالها ، ولكننا بحاجة أكثر لأيقاف إعصار الفساد المستشري في النفوس ، هذا لوكنا بالفعل صادقين في نوايانا لمستقبل أفضل لهذا الوطن ، وليسمح لي نوابنا الأفاضل أن أسوق لهم ما يدور في نفوس وعلى ألسنة عامة الشعب دون استثناء ، فأبرز علامات الفساد في وطننا .. هم النواب أنفسهم ، فكم تتقاضى سيدي النائب ، وهل ما تتقاضاه من مجلس النواب بعد ثورة ، هو ما تستحقه بالفعل ، وكيف وصلت للمجلس ؟ وكم رشوة دفعتها ، وكم رشوة تقاضيتها ، وكم مرة تعاطيت الواسطة واستخدمتها ، وكم منكم سيدي يمارس الاحتكار دون ضمير ؟ ، وكم منكم يتاجر بالعملة ؟ ، وكم منكم يمارس تجارة محرمة ومدمرة لوطنه ؟ ، وكم منكم يتاجر بالآثار ؟ ، وأرجوكم لا تدعو قمة النزاهة والشرف ، فنحن أفراد هذا الشعب الذي تستخدمونه لممارسة كل ألوان الجرائم باسم التجارة والبيزنس ، من خلف حصاناتكم المقدسة .

ويستطرد العامة … وبالتالي .. فقبل أن تعلنوا الحرب الكلامية الشعواء لتطهير الوزارات ، فقد كان من الأولى .. أن تطهروا أنفسكم بأيديكم ، أم أن الفساد بينكم غالب ومسيطر ، ولا قبل لكم بمواجهته بعد أن أصبح قانونا وعرفا لعقود طويلة سابقة ، ولو كان هذا ؟؟ فلتستحوا ولا داع أن تجلدوا ذواتكم علنا في شخص الوزير ، أولا … لأن هذا لن يبرئكم خاصة وأن الأجهزة الرقابية لديها أكواما من ملفاتكم العامرة بالفساد ، ويقترب دورها بشدة ، وثانيا .. لأن هذا الشعب ما زال لديه قدرا من الذكاء ، ويفهم جيدا في حركات النفوس المعيبة ، ولو كنتم بالفعل أطهارا أنقياء ، ويعنيكم مصالح هذا الشعب ، فلماذا لم تمتلكوا الشجاعة لسحب الثقة من الوزير فورا ، أو من الحكومة كاملة ، أم أنتم كالعادة تؤدون أدواركم المرسومة في دراما الكوميديا السوداء ، وتقلدون البرلمانات الأوربية الهزلية ، في آدائها لمسرحيات الديموقراطية الفاشلة ، وهو ما لم ولن يصدقه هذا الشعب صاحب أذكى عقل جمعي عبر التاريخ .

أما السيد وزير التموين ، فهو يعلم جيدا أن دوره في الحساب قريب ، وربما يكون حسابه عسيرا ، بل وربما يحل ضيفا على من سبقوه من الوزراء الذين سقطوا من قبل ، فهناك متسع لكل من يسقط ويفشل ، ويترك وزارته مرتعا للفساد والرشوة ، ما دام نظام السيسي في الحكم (هكذا يقول العامة) ، ولابد أن نسأل وزيرنا المهدر دمه ، كيف كان الفساد في مكتبك وفي أجهزتك الرقابية ، ومستشري في جميع مكاتب وزارتك وفي جميع المحافظات ؟؟ وأنت لا تدري ، أم كنت تدري وتعلم ، ولكنك عجزت أو تركت الفساد المستشري في وزارتك منذ عقود ، ليكمل المسيرة في عهدك ، فهل كنت مستفيدا فقررت الصمت والاستمرار ، أم كنت ساذجا لدرجة أنك لم تعي ولم تنتبه لما يدور حولك ، وكيف واتتك الشجاعة أن تذهب لمجلس النواب ، لتتلقى العقاب وحدك ، أم كان ذلك هو أحد مشاهد المسرحية الهزلية لامتصاص غضب الشعب ، أم كنت سعيدا بمشاهد جلدك علنا ، لعلك تتطهر مما ارتكبته يداك في حق هذا الشعب ، عذرا سيدي الوزير فما شاهدناه كان فوق قدرات الاستيعاب المنطقية .

وكالعادة .. لا نملك إلا محاسبة صاحب الفرح ، وكبير العيلة وهو الرئيس السيسي ، فهو المسئول الأول والأخير عن كل ما يجري أمام الله ، ثم أمام شعبه ، ولكني أجد نفسي عاجزا عن محاسبته ، لأسباب كثيرة .. أهمها ، كيف أحاسبه عن أخلاقيات شعب ، أصبح من عاداته الاجتماعية اختلاس مرتبه وأجره ، والرشوة والواسطة ، وإهدار المال العام ، وسرقة الكهرباء ، وإلقاء القمامة في الطرقات ، وخطف الفرص ، والهروب من المسئولية وتحميل غيره مسئولية أفعاله بل وجرائمه ، فالرجل مطالب بالكثير ، ولكن قطعا هو ليس مطالب أن يربي الشعب ، أو يضع حارس أو مراقب على كل مواطن ، وليس من مسئوليته أن يستبدل الشعب بشعب من كوكب آخر ، فلا يملك الرجل سوى أن يحارب الفساد من الأعلى كما يفعل ، وليس مطلوبا منه سوى الصبر ، لعل الشعب يستطيع أن يواكب الزمن ويتغير للأفضل ، ولكن يبقى على الرئيس أن يشدد القوانين لفترة استثنائية ، بتطبيق عقوبة الإعدام فورا على كل من يهدد أمن واستقرار هذا البلد ، خاصة تجار المخدرات ، وتجار العملة ، والوزراء الفاسدون ، ورجال الأعمال المحتكرون ، وأباطرة الرشوة والفساد ، خاصة وأن هذه التجربة نجحت في كثير من دول شرق آسيا ، لدرجة أنك ربما تتعرض للمحاسبة القضائية لو قدمت بقشيشا لأي شخص في بعض دول شرق آسيا ، فقوة القانون لديهم تحولت لأخلاقيات العامة من الشعب .

ولسنا في حاجة لقرارات ثورية ، ولكننا في حاجة لتدرج معلن وواضح ، ولنبدأ بتجار المخدرات والعملة وأباطرة الرشوة ، أو القطط السمان ، ولدي يقين أن تنفيذ الإعدام لوزير واحد لتقاضي الرشوة أو أساء استخدام وظيفته ، سوف يوقف الرشوة لسنوات طويلة قادمة ، وإعدام تاجر مخدرات واحد سوف يعوق الانتشار الخطير لمختلف أنواع المخدرات القاتلة ، وليست هذة قسوة ولا تعدي على حقوق الإنسان كما يدعي البعض ، ولكنها وسيلة لحماية لأرواح الكثيرين من عامة هذا الشعب ، وكفانا أننا جميعا نعرف جيدا أن الرشوة أصبحت مقننة في معظم مصالح الدولة ، ودون استثناء ، فإلى متى ندفن الرؤوس في الرمال ونتغافل ونتجاهل سوء ما وصلنا إليه ، حتى أصبحت بلادنا معروفة بأن كل شيء فيها يمكن الحصول عليه بالرشوة ، وفي جميع أجهزة الدولة ومؤسساتها ، وبالتالي .. فلابد من يد قوية وشجاعة توقف هذا المد الملعون من الفساد ، والذي أصبح يدمر ويعوق أية محاولات للتقدم والتطور ، بداية من الترفيه والفن وفضائح فساده ، ومرورا بالرياضة وفساد الاتحادات والأندية واللاعبين ، ووصولا لأخطر أجهزة الدولة ومؤسساتها .

أخيرا .. أعزائي أسود المنابر .. وفرسان الحناجر ، تذكروا أن الميراث التاريخي لهذا الشعب ليس كبيرا فقط ، بل هو هائل وجذوره في التاريخ خارج حدود الإدراك الإنساني ، فقوانين ووصايا الشرف والنزاهة والأمانة ، سطرتها جدران المعابد المصرية منذ آلاف السنين ، وبأيدي العامة من هذا الشعب ، فلا عذر لكم وأنتم تمثلون السلطة التشريعية (كما هو معلن) ، ولو كنتم أمناء على هذا الشعب وتستحقون ما يصل لجيوبكم وحساباتكم البنكية من دم هذا الشعب ، فلابد أن يكون لديكم فائض من الضمير ، يسمح لكم أن تتخلوا عن الأحلام السياسية والشخصية ، وأن تأجلوا دراسة قوانين الأسرة والمرأة الموصى عليها من جهات مشبوهة ، وتتفرعوا لما يهدد مستقبل هذا الشعب ، وأن تكونوا أمناء في نواياكم وأقوالكم وأفعالكم من أجل المصلحة العليا لهذا الوطن وشعبه ، وهو ما يستدعي تقليص رفاهياتكم على حساب هذا الوطن ، والذي يعاني من أزمات طاحنة يتحملها فقط عامة الشعب ، وأنتم ترتعون مستمتعين مرفهين من أمواله ، والتي أصبحت بلا عائد عليهم سوى الانفجارات الحنجورية ، والغزوات الكلامية ، والهجمات العنترية الزائفة ، والتي لا يستفيد منها من وضعكم في هذا المكان من أجل مستقبل أفضل له ، وأخيرا .. كما تجيدون التخطيط للحفاظ على مكتسباتكم ومستقبلكم السياسي وزيادة رفاهياتكم ، فبرجاء .. تفرغوا قليلا للتخطيط للقضاء على الفساد والغلاء ، لعلكم تجدون ما تقولونه لملك الملوك يوم الحساب .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *