العلاقات الإنسانية … وفنتازيا الحياة … بقلم : جمال عمر


الفنتازيا .. هي كلمة إنجليزية .. لاتينية ولذلك سوف نجدها في كل اللغات المنبثقة من اللاتينية كالفرنسية والألمانية والأسبانية .. ، وهي في الأصل تصف كل ما هو خيالي وغير حقيقي ، ولكنها ببساطة أصبحت تعني .. تناول واقع الحياة من رؤية غير مألوفة ، كتأليف موسيقى عشوائية دون التقيد بقواعد ، أو سرد معلومات برؤية مختلفة عن المألوف ، كوميدية ساخرة أو سوداء أو حتى صفراء أو درامية مبهرة أو مزعجة ، وكثيرا ما يصبح أسلوب الفنتازيا في تناول الموضوعات مناسبا بل ومميزا في تخفيف حدة الموضوعات أو رسم صورة أسرع في فهمها من الأساليب التقليدية خاصة في نقل المعلومات سواء بالمقالة أو المحاضرة أو حتى في برامج التوك شو التليفزيونية أو على صفحات التواصل واليوتيوب ، وأبسطها أن تصف مباراة كرة قدم لصديقك بأنها .. "كانت تاريخية" ، أو تصف حفلة عرس بأنه .. "كان مسخرة" ، أو تصف لقاءك في مقابلة عمل "انترفيو" في معمل طرشي .. بأنه كان .. "عالميا" .

والحقيقة المجردة أن واقع الحياة يكون أكثر وقعا وقبولا للإنسان عند رؤيته من زاويا الفنتازيا المتباينة ، وغالبا ما تكون الحكمة في رؤية حركة حياة البشر من زاوية الفنتازيا ، وتعد أساليب وصور "الفنتازيا" حلولا سلسة لمشاكل اختلاف الرؤى والمفاهيم بين الأجيال المختلفة ، والبيئات المختلفة ، ومستويات التعليم والفكر والثقافة المختلفة ، خاصة في البلاد والأمم المنصهرة فيها مختلف الثقافات والجنسيات مثل مصر كدولة عريقة في تاريخها واختلط فيها الفراعنة بالرومان ثم الأقباط والعرب المسلمين والنوبيين بالصعايدة بالفلاحين بالسواحلية ، ثم أخيرا هجرات بعض سكان دول عربية وأفريقية لمصر والتي تعدت الملايين الخمسة في السنوات الأخيرة ، وكذلك مجتمع شديد التنوع مثل المجتمع الأمريكي ، حيث تعتبر فانتازيا الحياة هي الحل الأمثل لقبول البشر لبعضهم البعض باختلافاتهم المتباينة ، وفي النهاية هي مسميات لأساليب تعامل البشر تنخرط تحت بند الحكمة وقبول الآخر .

ويعد البيت المصري أكثر البيوت على ظهر الأرض تعاطيا وإخراجا لأشكال الفنتازيا الحياتية ، فالجدة مثلا دائما ما تجد بينها وبين أحفادها فنتازيا من نوع خاص ، حيث لا يجد الطفل متنفسا نفسيا رحبا يستوعبه ويفرج أساريره إلا في تعاملاته مع جده أو جدته ، خاصة لو كان الوالدين غارقين في مشاغل الحياة ، ولا يجدون وقتا لجلسات التفاهم والسمر مع الأولاد ، والمشكلة أن لا يجد أبناءنا من يستوعب رؤياهم في حركة الحياة ، فتشب النفوس ضعيفة وتمل وتشعر بالضيق سريعا ، ولا تتحمل أية مسئوليات خاصة في البيوت التي تعتبر التربية في توفير ما يظنون أن الأبناء يحتاجونه من مطالب المعيشة والتعليم والترفيه دون مشاركتهم في فكرهم وثقافاتهم ومشاكل وحركة حياة الأسرة .

وأبسط صور الفنتازيا التي تصنع البهجة في البيوت نجدها دوما في حركة لعب الأطفال وهم دون سن الصبا ، حيث يجتهدون لإثبات قدراتهم أمام والديهم أو أقاربهم ، فيضيفون للمجس أو البيت بوجه عام جوا خفيفا مليئا بالبهجة والسرور والقبول والتقارب بين أفراد العائلة والأسرة الواحدة ، والتي أحيانا تتجاوز حدودها عندما يسر الكبار أن يروا الطفل قد تعلم كلاما جديدا ، حتى ولو كانت الكلمات سبابا لكل من حوله وهو لا يعي معانيها ، وأبسط من هذا عندما يعتاد الطفل مناداة والديه بأسماءهم مجردة ، خاصة مع الأم أو الأب المتساهل والمتسامح كثيرا ، وهو ما يشب عليه الأطفال فتنحدر مستويات الأدب والأخلاق بين الأسر ثم المجتمع تباعا عبر الأجيال ، فيصبح على الأبناء الاعتراض والاختلاف بسوء أدب مع الوالدين ، فيهون الوالدين في عيون وقلوب وتقدير الأبناء ، فتكثر حالات الفراق والطرد ودور المسنين ، ثم يعود نفس الوالدين ليرفضوا ويتعجبوا من كيفية انحدار مستويات الأخلاق .

وتتفاوت مستويات الفنتازيا من أسرة لأخرى ومن مجتمع لآخر تفاوتا كبيرا ، فتنادي الإبنة والدها باسم الدلع له في مجتمعات تعتبر نفسها راقية ، بينما يعد هذا الفعل جرما لا يغتفر في مجتمعات أخرى ريفية أو صعيدية ، وقد تجد مستويات تعامل بين الرجل وزوجته مليئة بالفنتازيا الغير محدودة والتي تصل لحدود السخرية والتنابذ بالألفاظ النابية أو التعبيرات الجنسية في مجتمعات متدنية ، ولا يجدون حياء في تداولها أمام الأبناء ، ثم في احتفالاتهم ، وتلك التي ظهرت بضراوة على ألسنة من يسمون أنفسهم مطربين شعبيين ، والتي انتقلت عبر صفحات التواصل لمجتمعات ثم تفشت في بيئات أخرى متعددة ، خاصة التي لديها مساحات فنتازيا كبيرة في الأوساط الراقية ، حتى رأينا وسمعنا بنات وسيدات تصف جمال الأشياء أو روعتها بأنها "فشيخة" ، وانتشرت كلمة "مزة" و "مز" على الألسنة وصفحات التواصل وبرامج ومسلسلات الفنتازيا الفضائية .

ورغم أن أساليب الفنتازيا في ممارسة الحياة تعتبر من أفضل أساليب التعامل والقبول بين الأجيال ، إلا أن التجاوزات الفجة التي تحدث وتتصاعد عبر الأجيال تعد من أخطر أسلحة هدم قيم المجتمعات ، بداية من فنتازيا الملابس والتي نتج عنها اعتياد المجتمع على خروج البنات والسيدات بملابس ضيقة تصف بشدة تفاصيل مفاتن الأنثى كدليل على التطور ومواكبة الموضة ، وما صاحبه من تضاءل وتراجع لمشاعر الحياء والطهر النفسي ، ونهاية بوصول الفنتازيا لأساليب تعامل الشباب من الجنسين مع بعضهم في الجامعات والنوادي وحتى أماكن العمل ، حتى بلغت حدود الزمالة إلى صداقات تحولت لحميمية يتبادلون فيها الأحضان والقبلات ، كددليل على التطور والرقي ، وهو ما فتح أبوابا خطيرة على العلاقات المحرمة والمنحرفة بين الشباب ، خاصة في ظل تزايد معوقات الزواج من الأهالي والمجتمع ، خاصة في ظلال ارتفاع سن الزواج لدى الشباب ليقترب من الأربعين ، فلم يجد كثيرا منهم متنفسا سوى الإنغلاق والعقد النفسية أو في فنتازيا العلاقات الغير شرعية ولو بالكلمات على صفحات التواصل والتي غالبا ما يترجمونها لأفعال غير سوية أو محرمة .

ولا شك بالقطع أن ما يثار منذ عقود في مجتمعاتنا المصرية والعربية بدعاوى التطور والارتقاء بالمرأة قد اتخذ أشكالا من الفنتازيا أصبحت في غالبيتها مدمرة للمجتمع ، لأنها تركز أساسا على إفساد النفوس واعتبار الزواج معركة سيطرة وتحدي ، وليست شراكة تكامل للود والرحمة بين الطرفين ، فنشروا ببرامج التوك شو وقبلها الدراما بالأفلام والمسلسلات فكر ممارسة معارك الإحساس بالذات والشخصية بين الزوج وزوجته ، حتى تفشى بين البنات والسيدات ثقافة الشخصية المستقلة ، ورفض فكر وثقافة طاعة الزوجة لزوجها ، على اعتبار أنها خضوع ومذلة وإهدار لكرامتها المصونة ، وتبديدا لشخصيتها الفذة وقدراتها المبهرة ، وكأنهم جميعا تناسوا أنهم أزواج ، "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" ، والزوج كما يصفه الخالق العظيم "يتغشى" زوجته بكل ما يحمل فعل التغشي من معان ، ونسوا أن الله قد أخذ من الزوجين فيما بينهما ميثاقا غليظا ما أخذه سبحانه من الرسل ، هذا الميثاق الغليظ مليئا بالود والرحمة واللتان هما أشد وأعمق وأروع من العشق والغرام والحب ، بل تناسوا وتغافلوا عن أروع صور الذكاء والعبقرية النفسية في تعامل الزوجين ، والتي قالتها امرأة عربية لابنتها "كوني له أمة يكن لك عبدأ" ، وتناسوا خطوط الرجل النفسية العريضة ، والتي تجبره للخضوع والاستسلام لمن يلمس عواطفه ومشاعره بحنانه ، ولكنها في النهاية انزلاق متعمد في سوء الاستخدام لفنتازيا الزواج ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .. لأنهم أغبياء وحمقى أو جهلاء منزلقون لمخططات ومؤامرات تمزيق العلاقات الإنسانية للأسرة والمجتمع باستخدام فنتازيا العلاقات الزوجية .

وأخيرا .. تقبلوا مني .. مقترح ووصية  .. أما المقترح .. فاجعل أسلوب تعاملك مع الناس مرحا تسوده الابتسامة دوما ، وهو ما يعطيك مساحة نفسية أكبر ، ويجنبك خسارة البشر ونفسك لو غضبت ، لأنك عندما تغضب فسوف تتوقف عن المرح ، ولو زاد غضبك ستختفي الابتسامة وتنتقل للجدية ، فينزعج كل من حولك وتبدأ الحلول مبكرا ، بعكس لو اعتدت الجدية والتكشيرة الغبية ، فلو غضبت ستنتقل سريعا لأسوأ الكلمات وصناعة العداء ، جربها ولن تندم ، فهي من خصال الأنبياء ، فرسول الله كان أكثر البشر ابتساما ومرحا  ، وأما الوصية .. فنوجهها للإنسان آني كان وأينما كان .. أخي الفاضل .. أختي الموقرة .. تعاملوا مع مشكلات حياتكم بصدور أكثر اتساعا ، ودعوا الفنتازيا تزور حياتكم وتضفي البهجة عليها ، ولكن ضعوا خطوطا حمراء لا تتعداها الفنتازيا ، وتلك التي تتخطى الحلال إلى الحرام ، أو تفسد قيم العلاقات الإنسانية ، وتتعدى حدود الأخلاق والحياء ، أو تضيق على النفوس وتفرقها عن بعضها ، بداية من علاقاتك الزوجية فالوالدين والإخوة والأقارب ، ومرورا بعلاقات العمل والصداقة والجيرة ، وانتهاء بالعلاقات العابرة يوميا بمن تلقاهم في حركة حياتك ، واجتهد قدر استطاعتك أن تحيا سعيدا مبتهجا ولو ببسمة طفل ، وجبرا لخواطر الكبير والصغير فجبر الخواطر ينجيك من قلب المخاطر ، وتجاهل تماما كل ما هو سيء ، ولا تتربص بأخطاء البشر ، فكلنا خطاة ، وعود نفسك على ثقافة وفكر الاعتذار حتى عن أتفه الأخطاء ، ولا يشغلنك تدبير الأمور ووضع سيناريوهات لمشاكل تخشاها خاصة عند بداية نومك فتخسره ، لأنك لن تغير شيئا مما كتبه الله مطلقا ، فتوكل عليه وسلم له أمرك وما يهمك ، فتسلم وتنعم براحة البال والنوم الهنيء ، ولا يمتلكنك الخوف والرعب من شرور البشر ، فلن يصيبك منها إلا ما كتبه الله ، والله لا يكتب إلا خيرا ، فأحسن الظن بالله ليصلح لكم أقداركم ، وأخيرا تذكروا .. أننا مجرد بشر .. راحلون مهما طال العمر ، ولا يبقى منا سوى ذكريات .. فلنجعلها أجمل مما نتمنى .. قدر استطاعتنا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *