قد لا أجيد رصد أبعاد تفاعلات النفوس البشرية مثل علماء الاجتماع والمتخصصين ، ولكنني لاحظت أن كثيرا من المتخصصين يفضلون استخدام تعبيرات وأساليب معقدة لشرح تفاعلات النفوس المباشرة والبسيطة أحيانا ، وهو ما يصعب الأمور كثيرا على الباحثين والدارسين والمثقفين منهم ، فما بالنا بعامة الناس كالوالدين والمعلمين ومسئولي التربية والتعليم في مراحل عمر أبناءنا المختلفة ، وبالتالي فلا جدوى من صياغة العلم مفزلكا ومبهما ودافعا للحيرة والتشتت ، ولعل من أهم ما لابد وأن نعتني به في حركة حياتنا ببساطة هو كيفية تحقيق أقصى استفادة مما نفعله ونمارسه للوصول لأهدافنا من كل عمل تكلفنا الحياة به ، وفي هذا المضمار لابد وأن يكون المنطق هو أساس الفهم والتفاعل ، مع مراعاة مواصفات النفس البشرية وتجنب محظوراتها التي غالبا ما تكون سببا في فشل كثير من أساليب التعامل والتفاعل النمطية أو حتى المثالية .
فالنفس البشرية كعنصر هام ورئيسي في حركة حياة الأرض لديها نمطا للتفاعل مثاليا متوافقا مع ناموس الكون وهذا النمط مكون من مراحل للتفاعل مع حركة الحياة لا يختلف كثيرا من نفس لأخرى ، وينقسم هذا النمط إلى سبعة (7) مراحل متدرجة تبدأ دوما بمرحلة الجهل والاستكشاف ، ثم مرحلة التعارف ، ثم مرحلة إثبات الذات ، ثم مرحلة الإجادة ، ثم مرحلة التطوير ، ثم مرحلة الاحتراف ، ثم مرحلة الروتين والتراخي ، وهذه المرحلة السابعة إن لم يسبقها اكمال المراحل الستة المتدرجة بوقتها تحولت لمرحلة تراخي وملل يؤدي للفشل وشيخوخة العلاقة المبكرة وذلك لنقص الصبر والتحمل وانعدام المراجعة النفسية ، فالوصول لهذه المرحلة مبكرا تبعا لشهوة الإنسان للراحة والمتعة بلا ثمن أو مبررات هي التي قد تفسد العلاقات تماما ، وتؤدي بها إلى الفشل ، خاصة لو تم الوصول لها على حساب مراحل هامة مثل الإجادة والتطوير والاحتراف ، ولنضرب مثلا عن الزواج مثلا كحالة عامة متكررة يوميا ويبنى عليها نجاح المجتمع واستقراره ومستقبله ، فنمط العلاقة بين الرجل والمرأة يبدأ بالتعارف ثم ينتقل لمرحلة إثبات الذات فكل منهما يبذل جهده لإثبات أنه أفضل مما يعتقد شريكه ، ومنها تنتقل العلاقة لمرحلة الإجادة فيجيد كل منهما التعامل والتفاعل ، ثم مرحلة الاحتراف في ممارسة حركة الحياة بينهما ، ولابد أن يلي الاحتراف مرحلة تطوير التفاعل والتعامل بصور أكثر إبداعا ، ولكن النفس البشرية عادة بعد الوصول لمرحلة الإجادة وربما قبلها قد تنزلق لمرحلة التراخي بحثا عن المتعة فتصطدم بعوائق تجرها إلى الملل فتظهر سريعا ملامح الفشل للعلاقة ، وعادة ما يتورط البشر في خلط المراحل ببعضها نتيجة الاستعجال والتسرع ، فينتقلون من مرحلة مبكرة لمراحل متقدمة مثل الرغبة في الوصول للإبداع والاستمتاع دون المرور على مراحل هامة كالإجادة والاحتراف .
ولعلنا نعرف أن النفس البشرية قد فطرها خالقها على النقص والحاجة للتكامل ، فالرجل يحتاج إلى أنثى ، والأنثى تحتاج إلى ذكر ، سواء كانا من فئة البشر أو الحيوانات أو الحشرات أو حتى النبات ، فالحياة في الدنيا مبنية على النقص والاحتياج للتكامل ، وذلك ناموس الحياة في الدنيا ولا جدال ولا فكاك منه ، ولذلك تعد العلاقة بين الرجل والمرأة من أخطر العلاقات على الإطلاق ، لأن فشلها يعني فشل القدرة على ممارسة الحياة بنجاح ، خاصة وأننا نعرف جيدا أن النفس البشرية لو أطلق لها العنان والحرية في أن تفعل ما تهوى من رغبات وشهوات ، فإنها سوف تفسد حياتها كاملة ، بأقدامها على الانتقال من مرحلة التعارف إلى مرحلة الاستمتاع مباشرة مثلما نرى علاقات بعض الرجال بالنساء تتطور للاستمتاع في أيام قليلة وربما ساعات ، فالنفس البشرية طاغية فاجرة ، أو هكذا وصفها خالقها ، بقوله تعالى .. {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى }العلق6 ، وقوله تعالى .. {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }القيامة5 .
وذلك ما يستدعينا للتوقف عند أنواع القيود التي فرضها سبحانه لتنظيم حركة حياة البشر قبل الحديث عن مراحل تطور علاقة مثل الزواج ، فبداية جعل الله حياة الإنسان على الأرض تنظمها ثلاثة أنواع من القيود المتدرجة والمتكاملة والتي يجوز تسميتها بالقوانين ، وقد جعل سبحانه وتعالى أول هذه القوانين فرضا من عنده وهي (الحدود) .. { .. تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }البقرة187 ، وذلك لأنه الخالق العظيم ويعلم ما يفسد النفوس ، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14 ، ثم ترك للإنسان نوعين آخرين من القوانين ليضعها بتجارب حياته ، ولكن في إطار الحدود وهما (العرف – المعروف) ، فالحدود تحدد المحرمات التي حرم الله فعلها ، وعقوبات التورط فيها ، أما "العرف" فهو ما تعارف عليه الناس وتوارثوه شفاهة فيما بينهم عبر الأجيال ، فأصبح عادات وتقاليد حياة تنظم تعاملاتهم فيما بينهم ، ومنه ما هو عام بين طوائف المجتمع الواحد ، مثل توارث المصريين إقامة احتفال للمناسبات المختلفة كالوفاة والأعياد والطهور والزوج بطقوس معينة وملابس ومأكولات محددة لكل مناسبة ، ومنها ما هو خاص بمنطقة أو قبيلة أو بلدة ، مثل سرادقات العزاء وعزاء أول خميس والأربعين والسنوية ، وحفلات الطهور والحناء .
أما "المعروف" فهو ليس كما يعتقد الناس أنه بالود والتآلف فيما بينهم ، ولكن المعروف هو ما تعارف عليه الناس كالعرف تماما ، ولكنه أكبر انتشارا ومساحة ليشمل أهل المجتمع والدولة أو الأمة الواحدة ، فالمعروف هو ما اتفقوا عليه ليكون أساسا لتعاملاتهم فيما بينهم ، ثم كتبوه وصنعوا منه قوانين مسجلة ، لتصبح أساسا للتعاملات ومحاسبات بعضهم بعضا لتنظيم حركة الحياة بينهم ، وبالتالي فالمعروف هو القوانين التي تحكم وتنظم تفاعلات حركة الحياة للبشر في نطاق وطن أو مجتمع معين ، ومنها قوانين الصناعة والسفر والبناء والضرائب والتجارة والزراعة والسفر والسكن والزواج والبناء والمرور وغيرها من قوانين ، فمجتمع بلا قوانين (المعروف) ، هو مجتمع فوضوي فاشل يدمر نفسه ، ولذلك يقول سبحانه وتعالى في أول أسباب خيرية الأمة على سائر الناس .. {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ .. }آل عمران110، بل قدم سبحانه وتعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان ، لأن صلاح الحياة واستقامة المجتمعات تبنى على التزام الأفراد بالقوانين المعروفة بينهم ، وهو الفارق بين مجتمعات نراها كافرة ومشركة في الغرب والشرق ولكنها أكثر تقدما وجمالا واستقرارا من مجتمعات تدعي أنهم أصحاب الجنة وأولياء الله ، وبلادهم ممزقة ومتخلفة وسيئة المظهر والمخبر ، حتى قال فيهم محمد عبده ، وجدت في بلادهم إسلاما بلا مسلمين ، وفي بلادنا وجدت مسلمين بلا إسلام .
ولا مانع أن لنتذاكر سويا مراحل تطور علاقات الزواج وأثرها على استقرار ونجاح الزواج ، ونتذكر معا كيف كانت علاقات الزواج منذ عهد قريب لا يزيد عن عدة عقود ، وكيف كانت ملامح هذه العلاقة ، وكيف تطورت بسلبياتها وإيجابياتها ، فقد كان الزواج تقليديا كما يسمونه زواج صالونات ، فيبدأ الزواج بمرحلة "الاستكشاف" والتي تبدأ بمعلومات يتناقلها الناس بين العريس والعروس ، ثم إقدام العريس على التقدم للخطبة ، ثم موافقة العروس والأهل عليه ، وتستمر مرحلة الاستكاف في مراقبة الأهل في لقاء العريس بالعروس مرات متتالية حتى يتم الزفاف ، فتبدأ بعد الزفاف مرحلة "التعارف" الجدية بينهما ، وكانت هذه المرحلة تستمر بين الزوجين لسنوات ، وذلك لارتفاع مستويات الحياء وأعراف الأدب والأخلاق لدى الطرفين ، ثم تبدأ خلالها مرحلة "إثبات الذات" والتي يجتهد كل منهما ليثبت لشريكه أنه أحسن الاختيار ، فيخرجان أفضل ما لديهما من أخلاقيات التعامل ، ثم يليها بعدها بسنوات مرحلة "الإجادة" والتي تظهر جلية في وجود أبناء فيحسنون تربيتهم والتصرف وأمامهم ، ثم يصلون لمراحل "الاحتراف" ثم مرحلة التطور والإبداع وهي مراحل تتوالى بوصول أبناءهم لسنوات الشباب والزواج ، وقد تصل بهم الحياة لمرحلة التراخي والاستمتاع والتي تبدأ بوصول أحفاد للعروسين الذين تزوجا منذ عقود مضت .
وخلال هذه المراحل كاملة يحرص كل طرف على إثبات أنه أفضل من غيره وأيضا أفضل من ظنون وتخيلات شريكه عنه ، وذلك لوجود مسافة أمان نفسي بينهما يحافظان على وجودها ومن أبرز علاماتها الحفاظ على ما نسميه "احترام الخصوصية" ، وهي أهم وأرقى أنواع الأخلاق النفسية التي تحافظ دوما على استمرار واستقرار العلاقات بين البشر ، فعندما تنهار الخصوصية بين شريكين ، تنهار معها احترام النفس للنفس ، وتتورط النفوس في الاعتداء على بعضها البعض ويتحول الزوجان أو المتعاملان لأعداء يتربص كل منهما بالآخر ، ولا تسقط حالة احترام الخصوصية والنفوس لبعضها إلا لو حدث تجاوز كبير باختصار مراحل من تطور العلاقات بين الناس ، وهو ما يحدث اليوم بين شبابنا ، فالعريس والعروس قد تم تدمير مفاهيمهما تماما ، فأصبحا يعيشون حالة الحب والعشق قبل الزواج ، ويتحدثان بالساعات الطويلة في كل كبيرة وصغيرة بينهما ، وذلك قبل الزواج وربما قبل أن يقررا الزواج ، وربما يمارسان ألوانا من التقارب والتلامس في زخم تفاعلات الحب والعشق والغرام المتزايد والمستعر ، والتي قد تصل للتورط في علاقة محرمة للاستمتاع باسم الحب والهيام والعشق الممنوع .
وهنا لابد وأن نتوقف كثيرا ، فالنفس البشرية لن تتعجل ولن تستسلم للسقوط في سجن وقيود الزواج ما دامت تستطيع أن تحصل على ما تهواه بلا قيود ، كما يقول المثل الأمريكي (لماذ تشتري بقرة إذا كان الحليب مجانا) ، ويكمله واقع الحياة المصرية ، لماذا يستمر الزواج إذا كنا قد بدأنا مرحلة الملل والتراخي والمعاناة من المسئولية مبكرا ، خاصة إذا كنا قد وصلنا لقمة المتعة من العلاقة في الأسابيع الأولى للزواج وسبقها سنوات وشهور من تطور التقارب والحب والعشق بلا حدود ، بل وبعض العلاقات بلغت قمتها قبل الزواج بكثير ، وبالتالي بدأت سريعا بعدها ملامح المعاناة من تبعات تحمل المسئولية التي تنغص القدرة على الاستمتاع أكثر ، خاصة وأن الزوجين لم يعتادا خلال تربيتهم على تحمل المسئولية ، وقيمة فعل العطاء أولا قبل الأخذ ، ولذلك نرى العلاقات في الغرب قد وصلت لحالة رهيبة من الفوضى والعشوائية ، بل وتطورت لتصبح إجرامية ، فتفشت حالات الاغتصاب والقتل الجنسي والقتلة المتسلسلين للنساء والبنات وتفشى الشذوذ ، لأنهم أطلقوا العنان للشهوات والمتعة بلا حدود ، وتلك هي طبيعة النفس البشرية في ممارسة علاقاتها وتفاعلاتها ، فإذا كسرت النفوس مراحل بعينها لتصل لمرحلة دون الالتزام بحدود كل مرحلة ، فإنها تصل لمراحل التراخي والملل والاستغناء والفراق سريعا ، ولذلك لا عجب أن تنتهي كثيرا من قصص الحب والغرام والعشق الملتهبة قبل الزواج بالفشل والطلاق بعد فترة قصيرة من الزواج .
وكذلك النجاح والفشل في الحياة العملية ، فمعظم شبابنا لا يستمر في أي عمل كثيرا ولا يستقر فيه ، لنفس السبب ، فمعظم الشباب لا يلتزم بمراحل تطور علاقاته بالعمل ، فيختصر المراحل لينتقل من مرحلة التعارف إلى مرحلة التراخي والاستمتاع دون المرور على مراحل الإجادة والتطور والاحتراف ، فبمجرد أول إطراء أو تشجيع من رئيسه في العمل ، (يبدأ / تبدأ) مرحلة التراخي ومحاولة الاستمتاع فينزلق في الإهمال والأخطاء التي تدفع صاحب العمل لإنذار الشاب وتوبيخه أو عقابه ، وهو ما يدفع الشاب لترك عمله والبحث عن غيره ، وتعد هذه السمة من أبرز ملامح علاقات كثيرا من الشباب بالعمل ، خاصة مما تربوا في بيوت لم تهتم بالتزام أبناءهم بواجباتهم اليومية أطفالا ، ولكن حرص الوالدين على توفير كل سبل الراحة والمتعة لأبناءهم ، فشبوا ضعاف النفوس لا يتحملون المسئوليات مطلقا ، ويحترفون تخطي مراحل تطور العلاقات الشخصية أو العملية ، وهو أهم أسباب الفشل السريع في الحياة .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
