ما زلت أذكر هذه العبارة المؤلمة .. والتي قالها لي يوما والدي .. "رحمه الله" ، ولم أكن شابا مرفها أو مستهترا بل كنت مستشاره في كثير من الأمور والمواقف الهامة ، ويومها كنت قائدا لإحدى الوحدات الفرعية في الصحراء ومسئولا عن الكثير من البشر ، وما زلت أذكر أنه ما قالها استهزاءا ولا سخرية من أخلاقي أو قدرتي على تحمل المسئولية ، لأنه شرح لي معناها ببساطة وإيجاز بقوله .. { التربية التي أعنيها هي .. (سلوك القدوة) .. لآنك سوف تصبح " أبـا " لزوجة وأولاد .. تتعلم منه الزوجة ثم الأبناء حدود أخلاقيات بيتك ، ولا يجوز أن تقدم على الزواج إن لم تكن سلوكياتك الخاصة قد تخلصت من طيش الشباب ، لأن زوجتك و أولادك سوف تكون لهم مثل أعلى وقدوة ، ولا تقارن بيني وبين ما أقول ، فالوالد دوما يحب أن يكون ولده أفضل منه في كل شيء } ، وما زلت أذكر أنني حتى وفاته لم أكن أجرؤ على النظر في عينيه ، أو أجلس إلا إذا أمرني بالجلوس ، رغم أنه كان أكثر البشر بشرا وحنانا ، ولم يكن احترامه الشديد هذا نابعا منه ، ولكن .. كان لنا "أما" ربتنا على احترام جلال ووجود الأب ، فلا صوت يعلو في وجوده ، ولا جلوس أمامه إلا بإذنه ، ولا حديث مفتوح معه إلا إذا سمح بهذا ، رغم أنهما كانا يختلفان وربما يتشاجران ولكنها أبدا لم تسمح يوما أن يتجاوز أحدنا بحرف أمامه أو في غيابه .
ولا شك أن هذه التربية بقيودها التي قد يعتبرها البعض صارمة ، قد ضايقتنا كثيرا ، بل وكثيرا ما كنا نناقشها مع والدتنا الكريمة "رحمها الله" ، ولم يكن لديها ردودا أكثر من قولها " غضب الأب من غضب الرب " ، " والعيل اللي ما يحترمش أبوه جابته بطن نجسة " ، تلك كانت موروثات أجيال مضت ، وسقطت معها موروثات التربية المحترمة ، وحل مكانها تربية رخوة فاسدة يسمونها التربية الحديثة والتي بدأ ظهورها تقليدا للغرب في ثمانينات القرن الماضي ، ففجعت يوما وأنا في زيارة لأحد الزملاء الأقدم لأول مرة في بيته ، وجود ابنته الشابة مضجعة على بطنها على أريكة في بهو بيتهم الكبير ، ولم تحرك سوى رأسها لتقول لي (هاي) ، وتسمرت يومها مكاني ، وانتبه أبيها ضاحكا ، بقوله "سامحها مامتها مربياها على النظام الأوروبي" .
وكان هذا شاذا في أيامها ، ولكنه اليوم قد صار معتادا ، حتى أنه من المعتاد أن لا يعيرك أي طفل انتباها لو كلمته ، خاصة لو لم يعجبه ما تقول ، أو ربما كان مشغولا بالمحمول أو التاب ، فالولد والبنت في التربية الحديثة (نطعا بليدا بلا إحساس) بحجة أنه يكون شخصيته ، وكأن شخصيته لا تبنى إلا بالاعتداء والتنطع والتبجح والتجاهل للآخرين ، والأغرب أن ترى البنت أو الولد جالسا في أي مكان عام وكأنه على سريره في غرفته ، ولا يحرك له ساكنا وجود أي شخص مهما كبر سنه أو مقامه ، فليس هذا بجديد بل تجاوزت أخلاقيات الصغار هذه المراحل كثيرا ، فرأينا طالبة جامعية تهدد أستاذها الجامعي بقولها "هاوريك مقامك يا فلان" باسمه مجردا ، فقط لأن أحرجها بطلبه منها أن تنهي حديثها الساخر بأعلى صوتها في "المحمول" خلال المحاضرة ، دون أن تعير لأحد أي اهتمام ، ولا عجب بالطبع أن زملائها أقاموا الدنيا صراخا واعتراضا وعويلا وتطاولا على أستاذهم على صفحات التواصل لأنه أحرجها ، ولا عجب لو أشعلوها ثورة في الجامعة لو تم عقابها ، أو ادعوا أنها مريضة نفسية أو "عندها ظروف" .
وليس الحديث موجها لها أو لمن يشابهها في جيلها المحترم ، ولكن الحديث لوالديها "لو كان لها والدين" ، فهم بسوء تربيتهم هذه أقل أخلاقا من كثير من الحيوانات ، حيث لا تجرؤ قطة أو كلب أن يتعدى حدوده مع والديه أو الأكبر سنا ، وليس عجيبا أن نرى أمثال هذه المسخ البشري وهن يعتدين يوميا على الأمهات والأباء باللفظ والسخرية ، ووالديهم يستحقون أكثر من هذا فهم من فشلوا في تربيتهم ، فالنفوس البشرية تعشق الفجور بفطرتها "بل يريد الإنسان ليفجر أمامه" ، ومهمة الوالدين تهذيب وتربية هذه النفوس لتعرف وتلتزم بحدودها ، ولكننا في تقليدنا الأعمى والغبي للغرب رغبة في مواكبة التطور والتقدم ، تركنا الحبل على غاربه للصغار حتى فجروا واعتبروا فجرهم حقوقا مقدسة .
فمثلا .. من المعتاد أن ترى أي أنثى شابة "بلا عقل" تضع شيئا على رأسها أيا كان مسماه من باب التدين أو الالتزام ، وحذاري أنا تمدن عينيك لنصف جسدها الأسفل ، لأنك سوف يفجعك بنطلونها المتفجر وهو يصف بدقة كل تفاصيل مفاتن نصف جسدها السفلي ، وهي لا تشعر بأي خجل أو حياء أنها تسير شبه عارية ، فقد اعتادت هذا منذ صغرها ، ولم تجد من يهذب نفسها أو يمنعها ، بل غالبا هي سعيدة بجذبها للعيون في الطرقات تستعرض مفاتن أنوثة جسدها ، وهو ما يسمونه في علم النفس بـ " العهر النفسي " ، وللأسف ليس هذا مظهرا نادرا أو قليل الحدوث بل أصبح هو المعتاد والمنتشر بين بناتنا الشابات الفاتنات ، وكذلك كثير من الشباب في زخم البحث عن التطور الأجوف تراهم وقد قصوا شعورهم "قصة الحمار" أو قصة "الخروف" أو قصة "العرسة" وكلها قصات يتعمد صاحبها حلاقة الأجناب أو جزء من الرأس تماما ، ويترك أجزاء أخرى طويلة أو مضفرة أو مثبتة بفجاجة ، وهي قصات معروفة عند "حلاق الحمير" إلى يومنا هذا ، وناهيك عن بنطلونه الضيق أو المهلهل أو المدلدل "الساقط" ويظهر منه فوارق مؤخرته وطرفا من ملابسه الداخلية في مناظر مقززة ، كانت وما زالت مظاهر يفعلها فقط الشواذ والمنحرفون في أوروبا والغرب الأمريكي .
هذه المهازل الأخلاقية في الملابس أصبحت معتادة في شوارعنا ويحترفها المتخلفون والجهلاء في بلاد العرب والمسلمين "كما يقول برنارد ليفي" عراب الربيع العبري ، والذي يعتبر تنفشي ظواهر الملابس العارية والمشوهة دليلا على نجاح الماسونية في غزو العرب فكريا وثقافيا وهو ما يؤكد ويضمن نجاح مخططات التشريد والتقسيم ، وقد كان هذا التدني في الملابس منذ سنوات قليلة ، دليلا على التسيب والعهر والفجور يستوجب العار والذم والتدخل لمنعه والتبرؤ منه ، ولكنك اليوم سوف تجد جيوشا من المدافعين بشراسة ، فهي بالنسبة لهم حرية وتطور ورفضا للأخلاق المتخلفة الرجعية والتي نسميها بـ "الأدب أو الخجل أو الحياء" ، فهكذا تم تربيتهم بلا حدود أو قيم ، ومن حقهم أن يفعلوا ما يهوون ويشبعون شهواتهم للحياة "فهم ما زالوا شبابا" كما يقول من رباهم على هذا الخراب النفسي .
ومثالا آخر .. أذكره بالترحم على أمي ، التي كانت تقول ، "الأظافر حوافر لا تجوز إلا للحيوانات" ، ولكنها اليوم تتخذ منها البنات والنساء رمزا للرقة والجمال والأنوثة في تقليد جاهل وغبي للمنحرفات في الغرب ، وربما لا تعلم الأنثى التي تربي أظافرها ، أن الأنثى صاحبة الأظافر الطويلة علميا "أنثى قذرة" ، ويجب تجنب الزواج بها أو الأكل مما تلمسه ، أو مشاركتها مكان المعيشة ، وقد نشر الباحثون الأمريكان من جامعة جورجيا في منتصف العام 2019م ، تقريرا مطولا بعد ابحاث دقيقة يقولون فيه .. { أن المنطقة تحت الأظافر الطويلة هي عبارة عن مرتعا خصبا ومريحا للبكتيريا والفطريات والجرائيم التي تسبب العديد من المشاكل الصحية و الأمراض مثل أمراض الكبد و الكلى و الرئة ، و في كثير من الحالات قد تم تسجيل مجموعة من الحالات التي أصيبت بالأنيميا و السكري بسبب إطالة الأظافر ، ويوضح البحث أن إطالة الأظافر هي بوابة دخول الأمراض البكتيرية والفطرية بل والفيروسية إلى الجسم ، حيث تعد إطالة الأظافر ابسط أسباب الإصابة بالنزلات المعوية ، والتلوث المعوي للأنثى ولمن يعيش معها ويأكل أو يشرب من يديها ، والأخطر أنها سببا مباشرا للإصابة وانتقال الأمراض التناسلية والجنسية ، وظهور قرح والتهابات وحبوب الجلد والوجه وكثير من حالات التسمم } .
تلك بعضا من سيئات التربية الحديثة التي تفشت بين المصريين فأفسدت أجيالا متعاقبة نشكو منها اليوم ، أخطرها اعتياد أبناءنا أن يلبسوا ما يهوون ويقولون ما يشاءون ونعتبره حرية وتنمية للشخصية ، فتكون النتيجة أننا نربي مسوخ بشري أسوأ أخلاقا من الحيوانات ، حتى انتشر بيننا التنطع والبجاحة ، فلا أحد يخجل من خطئه أو يعتذر ، أو يستحي لفحش ملابسه أو كلامه أو طريقة جلوسه ، بل والبعض يتعمد أن يسد الطريق بجسده أو بسيارته ، أو يسرق حقوق غيره ويعتبرها من المهارة والشطارة ، حتى أن البعض أصبح بلطجيا لديه الاستعداد أن يقتل من يلومه على أفعاله ، ثم نصرخ ونطالب الدولة أن تربي لنا أبناءنا بالقوانين ، وكلها في النهاية مساويء تربية فاسدة ، ظن فاعلوها أنهم يحسنون لأبناءهم ، فيفجعهم ما وصلوا إليه ، ورغم ذلك لا يريدون أن يعترفوا بجرائمهم في حق أبناءهم ، وليدفع المجتمع كاملا ثمن سوء التربية المتفشي بيننا .
نعم .. نحن شعب مستهدف .. ولا أحد ذوعقل واع يستطيع أن ينكر أننا نتعرض لحملات تفكيك وتشتيت للأسر والبيوت وهدم متعمد لقيم التآلف والتراحم والترابط ، وأبسطها أن نتذكر سويا تلك الحملات الشرسة التي تستهدف عقول البنات والزوجات الشابات لزرع الكراهية في نفسها لأهل زوجها ، فتمارس الزوجة الشابة منذ بداية زواجها تربصا وعداوة لا هوادة فيها وبلا سبب أو لأهون الأسباب بكل ما تراه من أهل زوجها خيرا أو شرا ، فتكون النتيجة النهائية أن تخسر زوجها وبيتها واستقرارها وسعادتها ، وتمتليء المحاكم بقضايا الطلاق والخلع ومشاكلهما التي لا تنتهي ، أو تعيش الزوجة أسود ايام حياتها رغما عنها تحت ضغوط الأولاد والحفاظ على بيتها لأنها خسرت ثقة واحترام وحب زوجها ، ونادرا ما تواجه نفسها أو تعترف أنها هي التي صنعت هذا عندما صدقت حملات التفكيك الأسري المستمرة والمتصاعدة ، وتنسى كل زوجة شابة أن أهل زوجها وخاصة أمه هي صاحبة الفضل والتي أهدت إليها من صنع منها زوجة وأما تتباهى به وبأبنائه ، بل وتنسى أن كل ما تفعله هو ديون سوف ترد لها في حياتها .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
