الموت .. بين الحقيقة والأوهام (1) … بقلم : جمال عمر

لا شك أن الموت هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة والمحتومة لكل خلق الله على الأرض ، وذلك لاعتيادنا على حتمية تكرارها يوميا عبر تاريخنا الإنساني ، ولا شك أيضا أن الموت هو عملية عكسية بامتياز لعملية تكوين الإنسان ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ، ولكن مبدئيا .. نحن نعرف أنه لم يحظ موضوع بهذا الكم من الخرافات والخيالات والضلالات مثلما حظى الموت عبر التاريخ لسائر المخلوقات على الأرض عامة ، وللإنسان على وجه الخصوص ، وذلك لأسباب عديدة ، أهمها .. أنه لم يحدث أن عاد ميت للحياة بعد وفاته ليخبرنا حقيقة ما حدث له ، مما أدى لاطلاق البشر العنان لخيالاتهم واعتمادهم على أقوال منقولة عن السابقين الأولين ، ومن تبعهم من مفسرين وعلماء وباحثين ودارسين وأحيانا مهرجين وصانعي أساطير ، وقد تأثرتهذه الأساطير أيدولوجيا تبعا لبيئات الحضارات وضلالاتها المقدسة ، والتي صنعت إصرار غالبية البشر على بعض المفاهيم من حضاراتهم سابقة ونسبوها كذبا وزورا لأصول الدين .

ثاني الأسباب لسيطرة الخرافات والأساطير كان وما زال هو .. محدودية أفق الفهم لدى البشر وهو شيء فطري جعله الخالق العظيم على قدر تلبية متطلبات حركة حياتهم في الدنيا ، وبالتالي فلا أمل لابن آدم أن يدرك بعقله ما غاب عنه ولم تحط به حواسه ، ثالثا .. سقوط الإنسان في الخطأ الجسيم بجهله بحقيقة تكوينه في ظل رفضه الأحمق للتدبر في آيات الله المحكمات والتي تحدثه عن خلقه وتكوينه ، بل وتصديقه لخرافات البشر وخيالاتهم ، رابعا .. انشغال الإنسان بمتطلبات حركة حياته في الدنيا وهو ما يجبره أن يسلم عقله وقلبه لما هو متاح من تفاسير ومفاهيم سرمدية ضلالية غير مفهومة عن الموت والحياة فيما بعدها ، خامسا .. خوف الإنسان من الموت وارتباط الموت بكل ما هو محزن ومحبط وهو ما أدى بشكل مباشر وغير مباشر لهروب الإنسان من محاولة الفهم الصحيح لحقيقة الموت ، سادسا .. الوقوع في أخطاء جسيمة عن البحث عن حقيقة الموت بالتجارب والمراقبة لأجساد في لحظة الموت ، وهو بذلك يؤاقب آثار الموت على مركب وحد هو الجسد ، بينما لا يملك ما يراقب به الروح التي تحيي الجسد ، ولا النفس التي تسيطر على الجسد الحي ، وهو يتخيل أن ما يجده سوف يطلعه على الحقائق .

نعود سريعا لمفهوم الموت الأولي .. فهو ببساطة عملية هدم ما تم بناؤه ، وبالتالي فهو عملية عكسية بامتياز لعمليات تكوين الإنسان ، ولو فهمنا جيدا عمليات تكوين الإنسان فسوف يصبح لدينا فهما حقيقيا لتسلسل عمليات الموت التي يمر بها ابن آدم ، وفي تسلسل عملية بناء (تكوين) الإنسان سوف نجد البداية البديهية التي نعرفها هو التقاء حيوان منوي ببويضة في ظروف (نفسية – جسدية) تترجم إلى كيميائية وكهربية ومغناطيسية معقدة ، داخل رحم أنثى ، فإذا نجحت عملية التلقيح تبدأ البويضة الملقحة في الانقسام وهي تتحرك من قناة فالوب إلى الرحم حيث تتعلق به لتكمل مراحل الحمل ، وببداية الأسبوع الخامس يبدأ الجنين في اتخاذ شكل أكثر وضوحًا، مع تكوين الأنبوب العصبي، الذي يتطور إلى الدماغ والحبل الشوكي. تبدأ الأعضاء الرئيسية مثل القلب والرئتين والكبد والكلى في التشكل  ، وببداية الأسبوع السادس تظهر براعم الأطراف ، مما يشير إلى التطور المستقبلي للذراعين والساقين وتبدأ ملامح الوجه، بما في ذلك العيون والأذنين والفم، في التشكل ، وفي  الأسبوع الثامن  تكون قد تكونت معظم أعضائه الحيوية ، وينمو حجم الجنين بسرعة ويبدأ في إظهار المزيد من الخصائص الشبيهة بالإنسان ، حيث تبدأ الأعضاء التناسلية الخارجية في التمايز، ويتتابع نمو واكتمال أعضاء وأجهزة الجنين عبر شهور الحمل الأربعة الأولى ، والتي بنهايتها يكون الجنين قد اكتمل نموه الأساسي وظهر كإنسان متكامل .

وهنا نتوقف عن بداية الأسبوع الثامن عشر (بداية الشهر الخامس للحمل) ، وعندها يكون الجنين قد اكتمل بناء جسده وبلغ مراحل متطورة في تكوين جسده ، وما زال غير محسوس منه سوى ضربات قلبه وبعض حركات هي ردود أفعال لجسد كائن ينمو ويكتمل نموه ، وحتى هذه اللحظة وقبل بداية الشهر الخامس ، كل ما لدينا هو جسد حي (فيه روح) ، ولا شك أن الروح موجودة منذ كان الجنين مجرد حيوانا منويا وبويضة ، ولولا وجود الروح لمات الحيوان المنوي أو البويضة وما تم التلقيح ، وعند بداية الشهر الخامس للحمل ، يحدث أهم أحداث خلق الإنسان وتكوينه ، فعندها تقول لك الأم أن الجنين قد تحرك ، وله ركلات وحركات مختلفة مميزة ومحسوسة ، ويستجيب للمحفزات والحركات ، ويقول العلماء أن الجنين قد أصبح له حركات إرادية ، ويقول علماء المخ والأعصاب أن الجنين أصبح له مجال مغناطيسي إرادي غير منتظم مرتبط بحركته ، وأصبح مصدرا لموجات مغناطيسية مرتبطة بأفعاله وردود أفعاله على المحفزات ، فالجنين أصبح خلقا مختلفا عما كان قبل بداية الشهر الخامس ، وهو ما يشير له سبحانه في سورة المؤمنون بقوله (ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) ، والسبب في أن الجنين أصبح خلقا مختلفا أن النفس قد دخلت الجسد للمرة الأولى منذ بداية الحمل ، لتبدأ مرحلة تعارف النفس مع الجسد الجديد ، وذلك في رعاية تامة في رحم الأم .

فحتى نهاية الشهر الرابع لا يوجد في رحم الأم سوى جسد كائن حي (فيه روح) ينمو ، ولكنه بلا إرادة (بلا نفس) ، وعند بداية الشهر الخامس يأذن الله للنفس لدخول الجسد للمرة الأولى ليتم التعارف والتكويد للنفس مع الجسد ، ومن هذه اللحظة يصبح المخلوق الجديد (إنسانا) ، وعندها يبدأ تدريب النفس على استخدام الجسد الجديد لمدة خمسة شهور كاملة داخل رحم الأم في رعاية كاملة ، دون أي تكليف أو جهد من الإنسان الجديد ، وبالتالي فعملية تكوين الإنسان تمر بمراحل متتالية ، الأولى .. بداية من التراب واختلاطه بالماء فيضبح طينا ، والثانية أن ينمو من الطين نباتا ويأكل منه حيوان ثم إنسان ، والثالثة .. عملية تكوين مخلوق حي جديد داخل جسد الإنسان ، هو الحيوان المنوي في جسد الذكر أو البويضة في جسد الأنثى ، والرابعة .. أن يلتقي الحيوان المنوي بالبويضة ، فليقحها وينمو جنين إنسان (جسد حي فيه روح) ، والخامسة .. أن الجنين ينمو فيكتمل خلقه في 120 يوما (أربعة شهور) ، والسادسة .. هي دخول النفس لتتعرف وتتعارف وتبدأ رحلة التدريب على استخدام الجسد لمدة خمسة شهور كاملة ، والسابعة .. تنتهي فترة الرعاية الكاملة .. فيولد الطفل ليبدأ رحلة حياته في الدنيا (صارخا) ، ولا تستقر النفس في الجسد مطلقا ، ولكنها تغادره يوميا لساعات ثم تعود إليه ، وذلك حتى انتهاء أجله في الدنيا .

وبذلك تكون المراحل السبعة لعمليات (خلق) تكوين إنسان أو بناء كيانه ، كالتالي { التراب – الطين – تركيبات راقية – حيوان منوي/ بويضة – مخلوق حي – جنين إنسان – طفل جديد} ، وبالتالي لو اختصرنا المراحل لنعرف ترتيب تكوينه (ترتيب دخول مكوناته) ، نجد أن الروح تدخل للطين في مرحلة متقدمة داخل (الحيوان المنوي والبويضة (نواة جسد الإنسان) ، ثم ينمو الجسد الحي (فيه روح) حتى يكتمل ، ثم تدخل النفس فيصبح المخلوق الحي (إنسانا) ، وبذلك يكون تكوين الإنسان يبدأ بدخول الروح ، النمو ، ثم دخول النفس ، وبالتالي فعملية الموت لابد وأن تكون عملية عكسية محكمة لعمليات  البناء ، بمعنى من دخل أولا يغادر أولا ، وهنا تخرج الروح من الجسد تدريجيا ، فيبدأ الجسد في فقدان الحياة ، وهنا تكون النفس في مأذق فهي تفقد حياة الجسد ولا تملك له شيئا ، فتفقد النفس قدرتها على البقاء في الجسد ، أو حتى دخوله مرة أخرى لو كانت حينها خارجه (للنوم) .

وهنا نتوقف ونسأل من أنا ومن أنت ، هل أنا الجسد الذي يموت ، أم أنا الروح التي لا يعرف أحد عنها شيء ، ودخلت قبل حتى أن يكون هناك جسد لإنسان ، أم الحقيقة كما يقولها سبحانه في مئات الآيات ، (خلقكم من نفس .. ) ، فنحن نفوس ، والنفوس هي صاحبة الإرادة ، وهي المخلوق المكرم الذي من أجل حياته ، وقد صنع الله للنفس جسدا حيا لتسكنه وتتعامل به مع حركة الحياة على الأرض ، وبالتالي فهو سكن مؤقت ، فلا تستقر النفس مطلقا داخل الجسد ، فمنذ دخولها أول مرة وهي تغادر الجسد يوميا لساعات ، ثم تعود إليه لتستكمل حركة الحياة بواسطة الجسد الحي ، والنفس تغادر الجسد لسببين ، الأول أن النفس لا تحتمل سجنها داخل الجسد المحدود القدرات لفترات طويلة ، وهو ما نلاحظه في هروب النفس عندما تواجه موقفا مرهقا أو صادما خاصة مع الأطفال والإناث ، والسبب الثاني وهو أن الجسد لا يستطيع تحمل وجود النفس فيه باستمرار ، لأن النفس ترهق الجسد باستخدامها له ، ولابد للجسد أن يستريح من وجود النفس ليتفرغ لصيانة اجهزته ومكوناته التي تتأثر باستخدم النفس سلبيا ، ولذلك ينام الأطفال والمرضى أوقاتا أكثر ، ليعاد البناء والإصلاح للجسد .

فالنفس هي أصل الإنسان وهي صاحبة الإرادة والمسئولة عن حركة حياة الإنسان واختياراته ، وبالتالي هي التي تحدد أسلوب حياته ، والنفس خلقها سبحانه من عدم أي أبرأها (الباريء المصور) الخالق العظيم في أبدع كينونة معجزة ، ولم يشأ الله أن يخبرنا كيف ومن ماذا خلق سبحانه النفس ، ولكنه سبحانه وصفها لنا وحدد قدراتها وحركاتها وأحوالها وبدايتها وسلوكياتها ونهايتها في آيات محكمات مفصلات لمن يتدبر آيات الله ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ، وما يعنينا الآن سوى أن نعرف جيدا ما يحدث عند الموت ، فالنفس تغادر الجسد يوميا للنوم ، فإذا انتهى أجلها مع الجسد فإنها لا تستطع دخول الجسد مرة أخرى ، فيتوفاها ربها ، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، فالموت مثل النوم تماما ، ولكن الفارق الوحيد أن الموت هو فقدان النفس للجسد الذي تمارس به الحياة ، ولكن النفس لا تموت مثل الجسد ، ولا تعود إلى جسد صاحبها المتحلل في قبره كما يقول الجهلاء ، ولكنها تمر بمرحلة جديدة ، وتدخل في نشأة جديدة بقوله تعالى في الواقعة ..(وننشئكم فيما لا تعلمون) ، وهذه النشأة مماثلة تماما للنشأة التي غادرتها النفس بالوفاة ، وهو ما أشار له الخالق العظيم في سورة الواقعه في وصفه للحظة الموت بقوله تعالى ..  { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، وهذ النشأة الجديدة كما يقول سبحانه .. مماثلة للنشأة الأولى والتي سردها سبحانه في وصف تكوين الإنسان في بطن أمه في سورة المؤمنون بقوله تعالى .. {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14.

أخيرا … عرفنا أن النفس هي أصل الإنسان ولبه ، وهي المسئولة والمحاسبة وصاحبة الإرادة ، وأنها لا تدخل إلا الجسد الحي (فيه روح) ، وأن الروح هي سر إحياء أي جسد حي ، وأننا لا علاقة لنا بالروح ولا يمسها مخلوق ولا يخضعها سبحانه إلا بإذنه وفي أحوال خاصة جدا ، لأن الروح من أمر الله وحده ، ونحن النفوس ندخل الجسد للمرة الأولى في بداية الشهر الخامس للحمل ، وذلك للتعارف والتكويد مع الجسد الجديد ، وبداية التدريب على استخدام هذا الجسد الجديد لخمسة شهور كاملة في رعاية تامة داخل الرحم ، وأننا كنفوس لا نستطيع الاستقرار في الجسد الحي أكثر من ساعات يوميا ، حيث يصيب الجسد الإرهاق ولابد أن نغادره ليعيد صيانة مكوناته التي تفسدها النفس خلال الاستخدام اليومي ، وعند الموت يقوم ملك الموت ومعه رسل من الله باستقبال النفس عند خروجها وصدمتها لعدم قدرتها على دخول الجسد مرة أخرى ، ولا علاقة لملك الموت بالروح مطلقا ، فهي تدخل وتخرج من الأجساد بأمر ربها فقط ، وتغادر النفس الجسد عند الوفاة ، لتبدأ رحلة إنشاء أخرى مماثلة للتي غادرتها ، وذلك هو المعتاد للغالبية العظمى من النفوس ، فهل هناك تناسخ للأرواح أم تلك خرافة ، ولماذا نعود لنشأة أخرى ، أليست الحياة هي مرة واحدة كما يقول لنا معظم الدعاة ورجال الدين والمفكرين ، أم هناك حقائق أخرى غابت عنا ، ومن صاحب فكرة عذاب القبر ، ولماذا لم يذكرها سبحانه وتعالى .. وحقائق أخرى في كتاب الله سوف نستعرضها لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

تعليق واحد

  1. الله يجزيك الخير و يبارك فيك و بفكرك لجميل بحثك
    تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *