الموت .. بين الحقيقة والأوهام (2) …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
1 يونيو، 2025
اراء ومقالات, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
756 زيارة

توقفنا من قبل عند حقائق أبرزها .. أن النفس هي أصل الإنسان ولبه ، وهي المسئولة والمحاسبة وصاحبة الإرادة ، وأنها لا تدخل إلا الجسد الحي (فيه روح) ، وأن الروح هي سر إحياء أي جسد حي ، وأننا لا علاقة لنا بالروح ولا يمسها مخلوق ولا يخضعها سبحانه إلا بإذنه وفي أحوال خاصة جدا ، لأن الروح من أمر الله وحده ، ونحن النفوس ندخل الجسد للمرة الأولى في بداية الشهر الخامس للحمل ، وذلك للتعارف والتكويد مع الجسد الجديد ، وبداية التدريب على استخدام هذا الجسد الجديد لخمسة شهور كاملة في رعاية تامة داخل الرحم ، وأننا كنفوس لا نستطيع الاستقرار في الجسد الحي أكثر من ساعات يوميا ، حيث يصيب الجسد الإرهاق ولابد أن نغادره ليعيد صيانة مكوناته التي تفسدها النفس خلال الاستخدام اليومي ، وعند الموت يقوم ملك الموت ومعه رسل من الله باستقبال النفس عند خروجها وصدمتها لعدم قدرتها على دخول الجسد مرة أخرى ، ولا علاقة لملك الموت بالروح مطلقا ، فهي تدخل وتخرج من الأجساد بأمر ربها فقط ، وتغادر النفس الجسد عند الوفاة ، لتبدأ رحلة إنشاء أخرى مماثلة للتي غادرتها ، وذلك هو المعتاد للغالبية العظمى من النفوس ، فهل هناك تناسخ للأرواح أم تلك خرافة ، ولماذا نعود لنشأة أخرى ، أليست الحياة هي مرة واحدة كما يقول لنا معظم الدعاة ورجال الدين والمفكرين ، أم هناك حقائق أخرى غابت عنا ، ومن صاحب فكرة عذاب القبر ، ولماذا لم يذكرها سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ؟؟

وهنا يرد سبحانه وتعالى علينا في ادعائنا الجاهل بأننا نحيا لمرة واحدة ثم نموت لنبقى في انتظار القيامة بقوله تعالى .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 سوف نكتشف أن فكرة الحياة لمرة واحدة هي ظنون البشر وخيالاتهم المبنية على الجهل بالحقيقة ، ومن استعراض سورة الواقعة نجد أن الغالبية العظمى من النفوس تعود للحياة في أجساد جديدة ، وبتكليفات مختلفة تبعا لنوعية الاختبارات المقررة ، سواءا كانت هذه الاختبارات لم تمر بها النفس من قبل ، أو كانت اختبارات سبق للنفس الرسوب فيها خاصة لو كانت ديونا تحملتها النفس في حياتها ولابد أن يتم ردها ، مثل قتل النفس أو تعذيب نفس أو إذلالها ، فهي ذنوب لابد من التكفير عنها كديون واجبة على فاعلها ، ولكن رد هذه الديون مرهون بشرط وحيد ، وهو أن تكون النفس صادقة عند سؤالها عن هذه الديون ، وهو ما قاله سبحانه في الواقعة في وصفه الدقيق للحظة الوفاة ، وبلوغ الروح للحلقوم ، والله أقرب إليه من كل خلقه ، فيقول سبحانه .. { فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ{83} وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ{84} وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ{85} فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ{86} تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{87} .

ولكن كيف يعود ، وهل يعيد سبحانه الخلق للنفس بإنشائها في جسد جديد مرة أخرى ؟ ، نعم وهو ما نبهنا له سبحانه بقوله تعالى .. (يبدأ الخلق ثم يعيده) في ستة مواضع في كتابه العزيز ، ولعل أم آية فيهم تلك التي وضح الله فيها سبب الإعادة ، بأنه من أجل استكمال تقسيط العدل (بالقسط) في محاسبة خلقه ، وذلك بمرور كل نفس بمختلف أنواع الاختبارات في الدنيا ، حتى تأتي كل نفس يوم القيامة وليس لها على الله حجة بأنها ظلمت بعدم اختبارها بنوعية من الاختبارات ، وهو ما قاله سبحانه وتعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، ولعلم الله بخرافات وظنون البشر وادعائهم بالباطل ، فقد قطع سبحانه الطريق على كل منكري إعادة النفس للحياة ، وأصحاب أسطورة الحياة مرة واحدة ، وما يشيعه البشر أنه الحياة مرة واحدة وما يهلكنا إلا الدهر ، فقد سخر سبحانه من قولنا ذلك وحكم علينا بالجهل واتباع الظنون والخيالات ، وذلك بقوله تعالى .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 .

ولكن هل يستوي كل البشر في الإعادة ، وهل يعود الجميع ، وما هي أشكال العودة ؟؟ ، قسم الله البشر تبعا لأعمالهم ثلاثة أقسام وشرحه في كثير من سور الكتاب العزيز ، وعلى رأسها الواقعة ، يعود من الأنواع الثلاثة نوعين فقط ، وهم المقربون ، وأصحاب اليمين ، أما أصحاب الشمال فلا يعودون ، وأصحاب الشمال هم الكفرة الفجرة والذين تحدوا الله في خلقه جحودا وعنادا ، فهؤلاء ينامون حتى يوم القيامة دون فرصة للعودة للدنيا مرة أخرى ، وهؤلاء أبلغنا سبحانه وتعالى بأنهم سوف يفاجئهم قيام الساعة التي توقظهم من مرقدهم بقوله تعالى عنهم .. {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }يس52 ، وتلك قمة الرحمة وأول أدلة الخالق أنه لا عذاب قبل الحساب ولا حساب إلا يوم الحساب ، فلا عذاب لأحد في القبور ، أما النوعين الآخرين ، فأولهم المقربون ، وهؤلاء من نجحوا بامتياز في آخر حياة لهم ، بأن قدموا حياتهم لله ، فاستحقوا أن يكونوا من المقربين ، وهؤلاء يعودون للدنيا من أجل التمتع بنعيمها الموقوت حتى يوم القيامة دون اختبارات أو تعب ، ويمنحهم الله هداياه ، … {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ }الواقعة89 ، فيمنحهم الله روحا ليضعوها في أي جسد يريدون الحياة به حتى يوم القيامة ، وبشرط وحيد ألا يكون جسدا قد عاشوا فيه من قبل ، ليكونوا أحياء (عند ربهم) ، وليسوا عندنا فلا نعرفهم ، والهدية الثانية هي (ريحان) ، وهو الراحة التامة دون أية متاعب أو اختبارات ، والهدية الثالثة هي جنة نعيم يتنعمون فيها حتى يوم القيامة .

فالحالة العامة للغالبية العظمى من البشر ، هي العودة لاستكمال رحلة الاختبارات في الدنيا ، ولكن بجسد مختلف نوعا وشكلا وبيئة وظروف حياة ، وذلك تبعا لنوعيات الاختبارات التي يعود من أجلها ل{ ..ّ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، ولذلك فنحن لا اختيار لنا في كل معطياتنا ، فولادتك يهوديا أو مسلما أو ملحدا ، هو مجرد معطيات ليحاسبك الله عليها وعلى قدرها ، ولذلك ليس من شأنك أن فلانا ولحد ملحدا أو مشركا أو كافرا ، فتلك معطياته التي سوف يحاسب عليها هذه المرة ، وربما أنت المؤمن المهتدي تأتي في مرة قادمة كافرا أو ملحدا أو أنثى ، أسودا أو أصفرا أو قوقازيا ، فكلها معطيات الاختبار المقرر عليك حينها ، ولذلك ينهانا الله أن نحكم على أحد بالجنة أو النار ، فذلك كله من شأن الله في خلقه وعباده ، ووجود الكافر والمشرك هو في حد ذاته أحد اختباراتك حتى لا تفعل مثله ، وبالتالي فالأحياء على الأرض اليوم جميعا هم من لديهم فرصة ذهبية أن يخرجوا من الدنيا وهم من (السابقون) ، الذين يسبقون بقية البشر بإنهاء مراحل اختباراتهم بامتياز فيقبله الله في الصديقين والشهداء (السابقون) ، ولديهم أيضا فرصة أن يأتوا مرة ثانية لاستكمال باقي اختباراتهم المؤجلة ، وليحذروا أن يختموا حياتهم بفجر وجحود وتحدي لله في خلقه ، حتى لا يحكم عليهم سبحانه بأن يناموا حتى يوم القيامة ويحرموا من أية فرصة للفوز برضا ربهم .

فالموت .. حالة وسيطة بين حياة قد انتهت ، وحياة سوف تبدأ غالبا بعدها بخمسة أشهر (مرحلة التدريب على استخدام الجسد الجديد في رحم الأم الجديدة) ، {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ }الملك2 ، ولم يحدثنا سبحانه وتعالى مطلقا عن مخازن للنفوس عنده ، أو بقاء النفوس حبيسة لجسد ميت يتحلل ويتحول لتراب ، فلم يشر لعودة أي نفس لجسد بعد موته ومغادرة الروح له ، ولذلك من الحماقة ادعاء الارتباط والعشق بين شخص وآخر ، فأنا وأنت كنفوس كان لنا مئات الإخوة والزوجات والآباء والأمهات وآلاف الأقارب ، فمن منهم سوف تذكره ويهمك أمره يوم يكشف الله غطاءك وترى حقيقة حياتك المتكررة في عدة صور وأجساد وبيئات وظروف ، ولذلك يقول سبحانه منذرا كل البشر بما سوف يكون حالهم يوم القيامة .. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 ، فحينها سوف تختفي الأنساب ولن يخطر على قلب بشر أن يسأل عن أنسابه ، وهم بالآلاف ومختلفين وكانوا جميعا مجرد معطيات الاختبارات المختلفة ، فعن من سوف تسأل ولماذا ، وكفى كل نفس حينها حسابها .. {لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }عبس37 ، خاصة لو انتبهنا جيدا أن قيام الساعة سوف يرتبط بعدة متغيرات جوهرية على طبيعة النفس .

وهنا نتوقف لنتذكر أن خلق النفوس بدأ بعملية (إنشاء) للنفوس ، وبل جعل الله لها مستقر (بدأت منه وتعود إليه) ، ومستودع لتستقر فيه مؤقتا لتحقيق مهمة محددة ثم تغادره لتعود للمستقر ، وهو قوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، ثم يخبرنا سبحانه أن خلق النفس لحالة المستقر المؤقت قد ارتبطت بخلق زوج لكل نفس منها ، فالله قد خلق كل منا من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها .. لقوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء .. }النساء1 ، ثم يؤكد سبحانه على اختلاف مستودع النفس (الجسد) ما بين (ذكر & أنثى) بقوله تعالى .. {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا .. }الأعراف189 ، ثم يعيد التأكيد بقوله تعالى .. {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا .. }الزمر6 ، وهنا نتوقف لنعلم أن الله قد شطر النفس قسمين متماثلين ، وكل نفس منهما قابلة للدخول (الإنشاء) في جسد ذكر أو جسد أنثى ، ليتوافر لكل نفس ما يصلح أن يكون زوجا لها من النوع الآخر ، وكل منهما هي نفس ناقصة تحتاج لما يكملها ، وهي حكمة الدنيا المبنية على الضعف والاحتياج ، لتكون محاولات التكامل بينهما كذكر وأنثى هي بداية ميلاد أجيال جديدة ليستمر الاستخلاف ، وهكذا هي كل صور مخلوقات الله في الحياة على الأرض ، وكان من الممكن أن لا ننتبه جيدا لهذا التصنيف وقسمة النفس ، إلا أنه سبحانه شاء أن ينبهنا ويربط لنا التسلسل المنطقي لحياة النفوس ومآلها .

أخيرا .. نتوقف عن سؤال عن طبيعة البعث ، وهل حور العين للرجال دون النساء ، ولماذ يبلغنا سبحانه وتعالى بأن أحد أحداث يوم القيامة الأولية هو تزويج النفوس ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ{7} ، ولماذا تزوج النفوس ، وهل هي كانت منقسمة (تاقصة) ، وما الحكمة من قسمتها ، وكيف يكون الحساب حينها وقد اختفت نفوس في نصفها الآخر ، وكيف يبعثنا الله من الأجداث وما هي الأجداث ، وما حقيقة أساطير وضلالات الموت التي امتلأت بها كتب التفاسير والدين والأبحاث ، وغيرها من الأسئلة الكثيرة التي يفجرها معرفة الحقائق من كتاب الله ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..
جمال عمر
بإذنه تعالى نقرأ منك كل الإجابه عن كل هذه الاسئله
جزاك الله كل الخير و بارك فيك و وفقك