الكتاب والفرقان والقرآن العظيم (2) …. بقلم : جمال عمر


توقفنا سابقا عند حقيقة خطيئة المسلمين الكبرى بهجران المسلمين للقرآن العظيم ، وذلك عندما سقطوا في مستنقع طاعة رجال وعلماء الدين الذين رحلوا منذ أكثر من عشرة قرون ، باعتبار آيات القرآن العظيم متشابهات ، رغم أنها تمثل أكثر من 50% من كتاب الله ، والأخطر أن آيات القرآن العظيم تحتوي على آيات (علوم توضح حقيقة الخلق وحدود كل العلوم البحتة) اللازمة لتنفيذ مهمة العبودية التي خلقهم الله من أجلها وهي إعمار الأرض كخلفاء لله عليها ، وهي (العبادة الحقيقية) ، وحصروا دين الله كاملا في محتويات آيات الفرقان (الفروض والحدود والمعاملات) والتي لا تمثل أكثر من 10% من كتاب الله ، وليتهم استقاموا في فهمها ، ولكنهم اختلفوا وأفسدوا فهمها وادعوا هليها وفيها بالباطل فتفرقوا وانقسموا بها لأكثر من سبعين فرقة وجماعة تكفر بعضها بعضا وتقتل بعضها بعضا باسم الدين ، فخرجوا من الدين بمنتهى البساطة ، واصبحوا يعيشون على أساطير وضلالات مقدسة صنعوها بخيالاتهم وبهتانهم ، وسوء استخدامهم لهبة (الإبداع) الإتيان الجديد التي منحها الله لهم ليعمروا بها الأرض .

 

ولا شك أن ما ارتكبه المسلمون في حق كتابهم وكتاب البشرية جمعاء هو أكبر جرائم البشرية عبر تاريخها على الإطلاق ، لأنه حرم البشرية من أهم وأكبر وأرحم دستور حياة متكامل أنزله الله للبشر ، ولكن ما فعلوه ليس جديدا على البشر ، فقد سبقه إخفاء وتزوير وتدليس جميع الأوراق والكتب السماوية التي أنزلها الله للبشر ، فمثلا .. لا يمكن أن يصدق أي عاقل أو حتى مختل نفسيا أن التوراة الموجودة والتلمود هي كتب سماوية سواء لكم التخريفات العلمية المتخلفة فيها أو لكم الجرائم الأخلاقية والتدني الذي يدعونه في حق الله "سبحانه وتعالى عما يصفون" والتي لا تجوز في حق أي بشر ، وكذلك لا يمكن لعاقل أن يصدق أن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد هو كلام الرب ، وهذا هو تقييم وكلام كبار الكهنة والمستشرقين ، خاصة بعد ثبوت وجود آيات تهين الذات الإلهية ، وتصفها بصفات يترفع عنها البشر ، لدرجة أن كثير من الكهنة والمستشرقين قالوا فيه .. "إنه كتاب جنسي جاهل وفاحش يستحي أن يكتبه صاحب ماخور أو بيت دعارة خاصة في روايته لقصص الزنا بالمحارم في بيوت الأنبياء والرسل" .

وناهينا عن كل ذلك فليس جديدا أن البشر تعشق الضلال والأساطير المثيرة ، وهو ما ظهر واضحا في الكتاب المقدس ، ثم ظهر جليا في أساطير المسلمين حول الموت وحياة القبور وأحداث النهاية ويوم القيامة ، بعيدا عن القرآن بعدما فشلوا في تزوير آياته فأغلقوا أبواب الفهم فيه ، واعتبروه محاولة الفهم والتفسير هي زندقة وفسق بل كفر يستوجب القصاص ، فمات معظم علماء المسلمين في السجون بنفس التهم لمجرد أنهم استخرجوا علوم بحتة من القرآن العظيم ، وسجلوها في كتبهم وهي التي سرقها علماء الغرب  وصنعوا بها حضاراتهم التي نراها اليوم ، واسألوهم عن المصفوفات الخوارزمية التي هي أساس كل الحواسب والذكاء الصناعي اليوم ، وعلوم كثيرة سجلت باسم رجالها مثل علم الجبر باسم جابر بن حيان ، وعلوم كثيرة لو استمر المسلمون في اكتشافها مسترشدين بالقرآن العظيم لكان تقدم البشرية الحالي أضعاف ما هو عليه اليوم ، ولكنها الغيرة والخوف أن يسود المسلمون العالم هو ما دفع اليهود أصحاب تزوير كل دين وكتاب مقدس أن يتسللوا للإسلام تحت مسميات فرق وجماعات الشيعة والصوفية ، ويكفروا ويفسقوا كل من يبحث في العلوم البحتة مسترشدا بالقرآن العظيم ، بل والأدهى أنهم تسللوا لآيات الفرقان (الفقه) والمسمى بالشريعة وأفسدوها ، وعبثوا بها حتى انقسم المسلمون لأكثر من سبعين فرقة وجماعة متناحرة وتكفر وتقتل بعضها بعضا باسك الدين .

ولا عجب أن تسمع من أنصار وأتباع كل فرقة وجماعة وملة أنهم أولياء الله والمخلصين له ، وأنهم وحدهم هم من يعرفون صحيح الدين وهم الأقرب إلى الله ، ولا استثناء لفئة مطلقا حتى بين المسلمين ، وتلك حقيقة خاصة عندما تكتشف مثلا أن مشايخ وعلماء الأزهر "حامي حمى الدين الوسطي" يتباهون بانتماءهم لفرق أو جماعات وهم يعلمون أن الانتماء للفرق والجماعات هو "شرك صريح بالله" نهى الله عنه بقوله تعالى في سورة الروم .. { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } ، وقوله تعالى في الأنعام .. {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ..} ، ولا تسمع لهم ردا على هذا مطلقا بل يضعون الرؤوس في الرمال ، ويكتفون بمهاجمة كل من تسول له نفسه أن ينتقدهم كبشر خطائين ويتهمونه بأنه مجرم يحاول هدم الدين ، وكأنهم هم رموز الدين المقدسة ، والحجة والبرهان على دين الله ، والحقيقة أن دين الله منهم براء ، ولو كانوا صادقين لتقبلوا الانتقاد والنقاش فاعترفوا بالخطأ أو أثبتوا صدقهم فيما يدعون ، ولكنهم بآيات الله يجحدون .

ولا عجب أن تكتشف أن معظم رموز الدين اليوم على كوكب الأرض ليسوا أكثر من مجرد أعداء لدين الله ، يروجون لأساطير لا علاقة لها بدين الله من قريب أو بعيد ، ولن نناقش آيات من الكتاب المقدس لأن أصحابه قتلوه بحثا وأثبتوا كذبه وتزويره عبر تاريخه الطويل لدرجة أن نسخة الملك جيمس وهي آخر تعديل للإنجيل منذ القرن الثاني عشر الميلادي قد تم تصحيحها ثمانية عشرة مرة بعدها ، وما زالت أحدث النسخ تعاني من الكوارث العلمية والأخلاقية والدينية التي لا تقبل التصحيح ، ولكننا سنتوقف قليللا عن بعض أساطير المسلمين التي يكذبها القرآن العظيم ، وأولها قضية الناسخ والمنسوخ ، والتي تدرس في الأزهر كأحد العلوم الهامة ، وذلك أنهم لم يتوقفوا وربما جهلوا عملية نزول الفرقان في مرة سابقة على نبي الله موسى قبل إنزاله للمرة الأخيرة على خاتم الرسل ، وأن آيات الفرقان التي أنزلت على موسى كانت تتناسب مع الميراث التاريخي الأخلاقي للبشر في عهد موسى ، وبالتالي تم تعديل كثير من الفروض والمناسك والأحكام وقوانين المعاملات بآيات جديدة نزلت في فرقان "خاتم الرسل" ، لتلغي وتصحح وتنسخ كثيرا من ضوابط حركة الحياة التي أنزلت على نبي الله موسى ، وهو ما أشار اليه سبحانه وتعالى بقوله .. {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة106 ، فكثير من آيات الأحكام التي نزلت على موسى لضبط حركة حياة البشر حينها قد تم تعديلها ونسخها وتصحيحها بآيات الفرقان الذي أنزلت على محمد بعد اكتمال الميراث التاريخي النفسي للبشر وأصبحت نفوسهم تستطيع تحمل تكاليف الله كاملة .

ولا عجب أن يكون بهتان الناسخ والمنسوخ في القرآن كما يدعون زورا قد نتج عنه كثير من الضلال والتفرق والتشرذم حتى ظهرت مبكرا فرق وجماعات إرهابية ، تتبنى فكر الترهيب والعداء لكل ما هو غير مسلم على الأرض لمجرد تصديق أكذوبة وجود آيات منسوخة في كتاب الله ، حيث قام علماء ضلال النسخ بتقسيم الناسخ والمنسوخ إلى ثلاثة أقسام رئيسية ، الأول ما نسخ حرفه وبقى حكمه ، والثاني ما نسخ حرفه وحكمه ، الثالث ما نسخ حكمه وبقي حرفه ، ومن عناوينهم المبدئية نجد أنه ليس من المنطق أن يبقي الله أحكاما ويمحو حروف آياتها ، وهناك أحكام بقيت حروف آياتها ومحيت أحكامها ، فالله حكيم خبير .. لا يخطيء ولا ينزل أخطاء في كتابه ، فيقر أحكاما ويمحو آياتها ، ثم في نفس الوقت يبقى آيات ويلغي أحكامها ، إلا أن يكون هو نفس الإله المذكور في الكتاب المقدس (حاشا لله) ، ذلك الإله المتردد الذي يبكي ويحزن ويندم ويخطيء ثم يضحي بابنه الوحيد ليكفر خطايا البشر الذين خلقهم بكلمة ، ولكنه عاجز أن يغفر لهم بكلمة (حاشا لله) ، ثم يزيدون الطين بلة فيدعون أن الله نسخ آيات وحكمها معا ، وكأنهم يتعمدون أن يظهروا الله سبحانه وتعالى خطاء وينسى ويصحح كما فعلوا هذا في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد .

والغريب أن من أبرز أمثلة ما يدعون أنه قد نسخ حرفه وبقي حكمه آية رجم الزاني ، وآية إرضاع الكبير ، وفي كلاهما غرابة وشذوذ ، فالقرآن صريح ولا رجم للزاني لقوله تعالى .. {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ }النور2 ، وهو تخفيف لحكم الرجم الصادر في فرقان موسى على اليهود ، وهذا منطقي لبلوغ البشرية رشدها ، بعد أن تم تهذيب طباع البشر ، ببلوغ النفوس للرشد التاريخي ، والتي كانت من قبل غليظة وغلفة ، أما إرضاع الكبير فهو أمر شاذ وغير مقبول طبعا وطابعا ، جملة وتفصيلا ، فمن من الرجال يقبل أن ترضع زوجته رجالا آخرين ليصبحوا محرمين عليهم عشرة رضعات أو حتى رضعة واحدة ، فهي ادعاءات منحرفين نفسيا وعقليا ، يراد بها إفساد القرآن وتشويه سمعته .

أما عما نسخ حكمه وبقيت آياته كما يدعون ، فهو كثير وباستعراضه تكتشف أن مدعيه حمقى وأغبياء أو يتعمدون تجهيل البشر ، فأشهر هذه الآيات قوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ .. } النساء43 ، ويقولون أن هذه الاية رغم وجودها في كتاب الله إلا أن آية تحريم الخمر قد نسختها ومحت حكمها ، وهنا نسألهم أن يستخدموا عقولهم معنا .. "هل تحريم الخمر يمنع أن يشربه أي مسلم متعمدا أو بطريق الخطأ ، وهل لو شربه له أن يصلي أم ينتظر حتى يفيق ليعلم ما يقول ، وهل الخمر فقط هو ما يتسبب في حالة السكر للبشر ، أم أن حالة "سكارى" قد تحدث من المخدرات ومن المرض ومن الإرهاق بل ومن الهم أو الخوف والرعب ، مثل قوله تعالى .. { .. وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ }الحج2، ولذلك فالآية ليست منسوخة حكما ولا حرفا ، ومن يدعي هذا محدود العقل والفهم أو فاسق يريد إشعال الفتنة في آيات الله .

ثم يدعون كذبا وبهتانا أن آية واحدة في سورة التوبة قد نسخت أكثر من (124) مائة وأربعة وعشرين آية في عدد (52) إثنان وخمسين سورة من كتاب الله ، وهي آية السيف وهي الآية الخامسة من سورة التوبة، ونصها "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم". ، فآية السيف كما يسمونها يدعون أن أشعلت حربا مفتوحة على كل من لا ينتمي إلى الإسلام. ويعتبرونها بمثابة إيذان عام بمحاربة من لا يؤمن بالإسلام وهم من يسمونهم "الكفار"، حتى ولو لم يبادروا إلى قتال المسلمين ، وكأن الله قد أنزل هذه الآية ليكذب بها كل آيات التسامح والتعايش السلمي مع البشر التي نزلت قبلها وبعدها ، وكيف يكون هذا ومعظم آيات التسامح قد نزلت بعدها ، فهل ينزل الله آيات منسوخة لا حكم لها ولا تأثير لها من قبل نزولها ، أم أنه نفس المنهج المشوه لكتاب الله والمشكك في الذات العليا لله التي ظهرت في الكتاب المقدس ، وقد بنت الجماعات الإرهابية فكرها كاملا على هذه الاية ونفذوا ما يقولون حتى فيما بينهم ، فقتلوا بها مسلمين مثلهم لمجرد عدم انتماءهم لفرقهم ، حتى شوهوا الإسلام والمسلمين في العالم أجمع .

بل وصل البهتان في ضلالة الناسخ والمنسوخ أن يدعو أن حديثا "موضوعا" ينسخ آيات من القرآن ، مثل حديث يرونه سندا للترمذي وأبو داوود والذي يقول فيه "لا وصية لوارث" ، والذي يدعون كذبا أنه ينسخ (13) ثلاثة عشرة آية ذكر الله فيها وصية الإنسان لبعض ورثته بما يشاء وأكد عليها ، وكيف نصدقهم ورسول الله يقول لنا في حديث صحيح .. "إذا جاءكم عني ما يوافق كتاب الله فخذوه ، ولو جاءكم عني ما يخالف كتاب الله فدعوه أو اضربوا به عرض الحائط" ، ولم يتوقف الناسخ المنسوخ عند هذا الحد بل إنهم قد استخدموا الناسخ والمنسوخ ليبطلوا كثيرا من الأحكام التي لا تعجبهم أو يريدون نشر الفتن بها بين المسلمين ، ولو أنهم التزموا الفهم والأمانة مع كتاب الله ما ادعوا كذبا وزورا بوجود الناسخ والمنسوخ في كتاب الله ، ولعلموا أن النسخ قد تم بنسخ آيات من فرقان موسى ، بآيات فرقان خاتم الرسل ليكون للعاملين نذيرا .

أخيرا .. لم يتوقف الضلال عن حد الناسخ والمنسوخ بل استشرى حتى في ثوابت حركة الحياة وامتد لما بعدها حتى تجاهلوا آيات كثيرة تصف ما سوف يحدث للإنسان بعد مغادرته للحياة ، وادعوا كذبا وزورا بوجود حياة في القبور وهي إما عذابا أو نعيما في انتظار يوم الحساب ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا بإذن الله ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *