احتارت نفسي كثيرا في قوله تعالى .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 ، فربما كان هذا يصح في العقود الأولى من الإسلام حيث كانت اللغة العربية لم تعرف النقاط أو التشكيل { فالدال مثل الذال ، والراء مثل الزاي ، والسين مثل الشين … والحاء مثل الجيم والخاء .. إلخ} ، فلم يكن يجيد قراءتها سوى نفر قليل معدودين في كل دولة ، ولم يتم وضع النقاط والتشكيل لحروف القرآن إلا في عهد الدولة الأموية على يد أبو الأسود الدوءلي بأوامر من الحجاج بن يوسف الثقفي ، "والذي ما زال يصله حسنات كل من يستطيع قراءة اللغة العربية خاصة كتاب الله وإلى يوم الدين" ، كما أنه لم تكن هناك مطابع تطبع مصحفا لكل بيت أو شخص ، ولكن اليوم وبعد أن أصبح المصحف أكثر الكتب تواجدا في البيوت والدور والمساجد وأماكن العمل بل والسيارات ، وأصبح مسموعا ومرئيا ويسمعه ويقرأه حتى أبناءنا وبناتنا أضعاف ما كان يفعله صحابة رسول الله ، وبالتالي فمن غير المنطقي أن نكون هجرنا القرآن العظيم ، إلا إذا كنا "مثلا" نقرأه ولكننا هجرنا كل مفاهيمه وزورنا الدين كاملا ، أو لو مسميات (الكتاب – القرآن – الفرقان) ليست مترادفات بمعنى واحد كما يقول كثير من المفسرين والمؤرخين وعلماء الدين ، وذلك هو التفسير المقنع والمنطقي ، فالله لا يقول ألا الحق الذي لا شك ولا لبس فيه ، ولا يتغير مطلقا بتغير الزمن .
وتوقفت كثيرا عند ألفاظ { القرآن – الفرقان – الكتاب} المذكورة فيما أنزله سبحانه وتعالى على خاتم الرسل وما نسميه مجازا بالقرآن الكريم ، فوجدت كلمة "كتاب أو الكتاب" قد ذكرها سبحانه أكثر من 230 مرة ، وكلمة قرآن ذكرت 69 مرة ، وكلمة فرقان ذكرها سبحانه سبع مرات ، وهو ما يشير أن الكتاب هو أصل المسمى ، فنحن أصحاب الكتاب الجامع والكامل والشامل ، فسبحانه وتعالى لا يخلط الألفاظ ببعضها مطلقا ، ولا يذكر لفظا إلا ويعنيه ويعني سببه وقدره ، فلابد وأن يكون الفرقان شيء مختلف عن القرآن العظيم ومختلف عن الكتاب ، وإذا توقفنا عند أول ذكر للكتاب في المصحف وقد جاء في مطلع سورة البقرة ويقول فيه سبحانه .. {ألم ، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ }البقرة2 ، نجد أنه "بديهيا" .. أن كل ما سوف يأتي بعد هذه الآية وهو ما يحويه المصحف هو ما يصح عليه مسمى (الكتاب) ، فما هو الفرقان الذي أنزل على خاتم الرسل والمذكور في قوله تعال .. {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً } الفرقان1 ، وهذا تأكيد منه سبحانه على تنزيله الفرقان على خاتم رسله ليكون نذيرا للعالمين ، ولكن ما علاقته بقوله تعالى لرسوله الكريم .. {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }الحجر87 ، والتي تظهر اختصاص الله لخاتم رسله بهديتان غير مسبوقتان هم الفاتحة (السبع المثاني) و(القرآن العظيم) ، فنكتشف أن الله أنزل لرسوله ثلاثة أشياء هي الفاتحة كهدية غير مسبوقة ، ثم القرآن العظيم وهو غير مسبوق بمثله أيضا ، وأخير الفرقان ولكن آيات الفرقان وآيات القرآن ممزوجة ومختلطة ببعضها في كتاب الله ، فكيف نفرق بينهما ، ومعظم آيات الكتاب تحتوي على مختلف أنواع العلوم .
وعجبا نجد أنه سبحانه قد جميع القرآن والفرقان في آية واحدة يقول فيها سبحانه .. {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ .. }البقرة185 ، ولكن الفرقان هنا يقول عنه سبحانه (بينات من الهدى والفرقان) ، والفرقان عامة هو ما يفرق بين الحق والباطل بتحديد قوانين حركة حياة البشر ، ولكن من الآىة نلاحظ أن الفرقان المنزل على خاتم الرسل ما هو إلا تبيان وتفصيل وتفسير وتعديل لما قد سبق نزوله من الفرقان (بينات من الهدى والفرقان) ، وهذايعني أن الله قد أنزل الفرقان على رسول آخر قبل رسوله الخاتم في مرة سابقة ، وجاء إنزاله مرة ثانية على "محمد" بغرض تبيان أو تعديلات زمنية مستحقة لبلوغ البشرية رشدها ، وهو ما يؤكد عليه سبحانه وتعالى لرسوله في آل عمران بقوله .. { .. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ{3} مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ .. } ، فالله قد أنزل الفرقان من قبل مع التوراة والإنجيل ، فقد أنزله الله على موسى بقوله تعالى .. {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }البقرة53 ، وقوله تعالى .. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ }الأنبياء48 .
ومن مسمى الفرقان ومعان الآيات في كتاب الله ، نعلم أن الفرقان أنزله الله ليبين الحلال من الحرام والخير من الشر ، ليهدي الناس إلى صراط الله المستقيم ، فآيات الفرقان لابد وأن تكون آيات علوم { الفروض والحدود والمعاملات والقصص والعبرة } ، وهي آيات أنزلها الله بالفعل على رسوله الكريم "موسى" لتوضح للبشر حتى عهد بني إسرائيل { مناسك الخضوع كالصلاة والصيام ، وعقوبات الخطايا ، وأساليب التعامل بين البشر ثم تقص عليهم سيرة البشر والرسل والأنبياء من قبلهم } ، وبالتالي فآيات الفرقان التي أنزلت على خاتم الرسل "محمد" لابد وأن تحتوي آخر تعديلات صور المناسك والشعائر ، وآخر تعديلات العقوبات والحدود ـ وآخر تعديلات قوانين المعاملات بين الناس في حركة حياتهم ، كالزواج والتجارة والسكن وغيرها ، ثم آخر تحديثات القصص والعبرة وسيرة البشر والأنبياء منذ عهد موسى وحتى عهد خاتم الرسل بل وإلى يوم القيامة فما أنزل على خاتم الرسل كما يقول سبحانه .. { .. وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ .. }البقرة185 .
وبالتالي .. فقد احتوى الفرقان المنزل على الرسولين (موسى – محمد) على الفروض والحدود والمعاملات والقصص والعبرة ، إضافة لبعض آيات الترغيب والترهيب ، وقد جعل الله الفرقان المنزل على خاتم الرسل "محمد" هو آخر تحديثات وتعديلات لهذه العلوم وهو ما أوضحه الله بقوله تعالى .. {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة106 ، وبالتالي فلا يوجد في الكتاب الخاتم المنزل على خاتم الرسل (محمد) آيات منسوخة كما يدعي الجهلاء والمدعين بالباطل ، ولكن الحقيقة المنطقية كما يؤكدها سبحانه وتعالى أن آيات الفرقان المنزل على خاتم الرسل "محمد" قد نسخت وعدلت كثيرا من آيات فرقان موسى وجاءت بتعديلاتها النهائية للبشر إلى يوم القيامة ، وهو ما ينسف ويكذب كل الادعاءات بوجود الناسخ والمنسوخ في كتاب الله الخاتم .
أما عن محتوى الكتاب الخاتم إجمالا ، فالمتابع لكتاب الله والقاريء المتدبر يلاحظ أنه لا توجد تقسيمات للكتاب تبعا لنوعيات العلوم مطلقا ، وذلك متوافقا مع طبيعة حياة البشر المتداخلة ، بل وتحتوي كثير من الآيات على أكثر من نوع من العلوم ، ولكن المتابع الجيد سوف يكتشف أن أنواع آيات الكتاب الحكيم تنقسم إلى (7) سبعة فئات وكل فئة تحتوي على أنواع متوافقة من العلوم كالتالي .. { فئة علوم الفروض والحدود – فئة علوم الأخلاق والمعاملات – فئة علوم القصص والعبرة – فئة علوم الترغيب والترهيب – فئة علوم التوحيد والعقيدة – فئة علوم الغيب والحكمة – فئة علوم الخلق والعلوم البحتة (وهي أكبر عدد من الآيات في كتاب الله) } ، وسوف نجد أن هناك علوما لم تنزل من قبل على نبي أو رسول ، وهي (علم التوحيد والعقيدة – علم الغيب والحكمة – علم الخلق والعلوم البحتة) ، ويكفي أن نعلم أن الله لم يترك شيئا إلا وذكره في كتابه لقوله تعالى .. { .. مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ .. }الأنعام38 ، ويحتوي الكتاب إجمالا على (6236) ستة آلاف ومئتان وست وثلاثين آية وتتجاوز آيات الفرقان فيه أكثر من (3000) ثلاثة آلاف آية تقريبا معظمها آيات القصص والعبرة ، إضافة إلى عدد (188) آية فقط في الفروض والحدود ، ومثلهم في المعاملات ، وما يقارب (300) ثلاثمائة آية في الترغيب والترهيب .
أما عن القرآن العظيم فإن عدد آياته تزيد عن (3000) ثلاثة آلاف آية وتقترب من نصف عدد آيات الكتاب كاملا ، وتمثل آيات "العلوم البحتة وعلوم الخلق" الغالبية العظمى من آيات القرآن العظيم ، فتشتمل مثلا على (313) آية تصف بدقة خلق النفس وأحوالها ونشأتها وحركاتها وبدايتها ونهايتها وأمراضها وعلاجها مثل قوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، ثم ما يقارب (750) آية في خلق الإنسان بجسده كاملا ، ثم ما يقترب من (2000) آية تحدد وتوضح حدود وقوانين كل العلوم البحتة التي يجب أن يتعلمها ابن آدم لينفذ بها المهمة التي خلقه الله من أجلها وهي "إعمار الأرض كخليفة عليها بالعلم والعمل والكد والكدح" مثل قوله تعالى .. {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ }الذاريات47 ، وقوله تعالى .. {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} {15 ، 16التكوير} ، ثم مضافا لهم حوالي (150) آية هي أبلغ آيات علوم التوحيد والعقيدة مثل آية الكرسي ، وسورة الإخلاص ، وعدد يقارب المائة آية من أبلغ آيات علوم الغيب والحكمة مثل قوله تعالى .. {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }لقمان34 ، وقوله تعالى .. {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }البقرة269 ، ومثل قوله تعالى .. {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ }الجمعة2 .
والمعجز في كتاب الله أن معظم آياته تحتوي كل منها على عدة أنواع من العلوم المختلفة معا ، وغالبا ما تختتم بتعبيرات للتوحيد والعقيدة .. مثل قوله تعالى .. {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }آل عمران6 ، ففيها آيات علوم بحتة في خلق الإنسان ثم قرار بالمشيئة (كيف يشاء) مختتمة بتعبيرات توحيد وعقيدة ، ومثل قوله تعالى .. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ }المجادلة4 ، وهنا نجد حكم لله في معاملات الزواج ومشاكله ، يربطها رب العزة بالعقيدة والإيمان (لتؤمنوا بالله ورسوله) ثم يختمها سبحانه وتعالى بترهيب ووعيد للكافرين بحكمه ، وكذلك مثل قوله تعالى .. {يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }الجاثية8 ، وهنا يضرب الله مثلا من علوم خلق النفس ومرضها الأخطر وهو الاستكبار (الكبر) ، ويصف مكر النفس (كأن لم يسمعها) ثم يختتم الآية بترهيب ووعيد بالعذاب الأليم لصاحب النفس المستكبرة ، وكذلك مثل قوله تعالى .. {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }الأنعام96 ، وهنا من علوم الخلق نجد تبيان لحقيقة خلق النهار والليل والشمس والقمر ثم يختتمها الله بقرار إلهي من التوحيد والعقيدة ، بأن هذا هو قضاء الله وتقديره وحده لأنه هو العزيز الحكيم .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
