الكتاب والفرقان والقرآن العظيم (3) … بقلم : جمال عمر


توقفنا من قبل عند ضلالات المسلمين فيما ادعوه كذبا وزورا بوجود ناسخ ومنسوخ من آيات كتاب الله ، وعلمنا أنهم جهلوا أو تجاهلوا أن ما أنزل على خاتم الرسل كان نوعان من آيات الله ، هما آيات الفرقان وآيات القرآن العظيم ، ولا شك أن إنزال آيات الفرقان على خاتم الرسل كان هو الإنزال الثاني للبشر ، حيث أن الفرقان كان قد أنزله الله من قبل على موسى واحتوى في المرتين على آيات تساعد البشر في حركة حياتهم من فروض وحدود ومعاملات ، لكن إنزاله على خاتم الرسل كان مدققا ومعدلا فيه بعض الآيات لتتناسب مع بلوغ البشر للرشد النفسي والتاريخي ، من منطلق أن دين الله واحدا ولا تبديل فيه بل تطوير وتحسين وتدقيق لما يتناسب مع تطور النفوس البشرية التي كانت غلفا غليظة ثم هذبها الميراث التاريخي عبر ما يقرب الأفي عام بين موسى وخاتم الرسل محمد .

  

وليس غريبا بالطبع أن نكتشف وجود ضلالات كبرى تم ادعاءها وتزوير أدلتها وتحويلها لضلالات مقدسة تعد من ثوابت الدين مثل أكذوبة حياة القبور (البرزخ) ونعيم القبر وعذابه ، وقبل كل شيء يجب أن نتوقف عند سؤال منطقي ، هل هناك نعيم أو عذاب في القبر دون حساب ؟؟ ، ونحن نعلم أنه لا حساب قبل يوم الحساب (القيامة) ، خاصة لو علمنا أن حياة القبور ونعيمها وعذابها ليست أكثر من مجرد أسطورة صنعها القدماء وعلى رأسهم الرومان من قبل في أسطورة عشتاروت ، وتوارثها البشر وضخموها ثم زوروا لها أحاديث عن خاتم الرسل وألفوا فيها آلاف الكتب والمجلدات ، رغم عدم وجود ولو حتى آية واحدة في كتاب الله تشير لحياة أو عذاب أو نعيم القبور من قريب أو بعيد ، بل على العكس تماما يزخر كتاب الله بآيات كثيرة تؤكد خلاف هذه الأسطورة وتصف الحياة للنفوس بعد مغادرتها الجسد ، وتؤكد أن النفس (أصل الإنسان) لا تموت ، ولكن يتوفاها ربها كما يتوفاها يوميا للنوم .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، وعندما يتوفاها للموت تحدث عمليتان كبيرتان ، الأولى هو قيام ملك الموت بإسترداد الروح (سر الإحياء للجسد) ، فيموت الجسد ويعود جمادا لا حياة فيه فيتحلل ليعود ترابا ، والثانية هو عملية استقبال الملائكة للنفس التي فقدت المطية (الجسد) الذي كانت تتعامل به مع الدنيا ، فأين تذهب الملائكة بهذه النفس التي خرجت توا من جسد فقدته ، ففقدت قدرتها على التعامل مع الحياة والأحياء في الدنيا ؟؟ .

باستعراض آيات الموت في كتاب الله سوف نتوقف عند قوله تعالى .. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }الأنبياء35 ، فنكتشف أول القواعد الأساسية وهي أن النفس لاتموت ولكنها تذوق آلام الموت وهي التي نجدها أيضا في قوله تعالى .. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ، وقال عنها رسولنا الكريم وهو يحتضر .. { ألا إن للموت لسكرات} ، فالروح لا علاقة لها بالنفس (أصل الإنسان) ، لأن الروح هي فقط سر إحياء الجسد ليكون حيا ومستعدا لاحتلال النفس له واستخدامه ، ولذلك نرى في هذه الآية .. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ .. ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11، أن الله قد جمع الحدثين الأكبرين عند الموت في آية واحدة ، الأول وهو استرداد ملك الموت للروح من الجسد لقوله تعالى في الجزء الأول من الآية .. (يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ) ، وأما النفس (أصل الإنسان) فيقول فيها سبحانه وتعالى في الجزء الثاني من الآية .. { ثم إلى ربكم ترجعون} ، فلا علاقة للإنسان (النفس) بعملية استرداد ملك الموت للروح من الجسد سوى أنها تذوق ألم خروج الروح من الجسد والذي دخلته منذ ان كان حيوانا منويا في ظهر رجل ، أما النفس (أصل الإنسان) فيخاطبها سبحانه وتعالى بقوله تعالى .. {.. وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ }الأنعام61 ، فالرسل الذين يتوفون النفس هم ملائكة أخرى (يرافقونها ليرشدوها لما سوف يحدث لها بعد فقدان الجسد الحي) ، وهؤلاء الملائكة مختلفين عن ملك الموت الموكل بقبض (الروح) .

ولا عجب أن يشرح الله سبحانه وتعالى هذا المشهد الجلل والخطير في سورة الواقعة فيقول سبحانه للإنسان في لحظة موته .. { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، وفي وقفة متأنية مع تلك الآيات نكتشف أن الله يقدر الأجل بدقة ويحدد لحظة الموت (قبض الروح وتحول الجسد لجماد) ، ثم يواسي النفس التي تموت بقوله .. (وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم .. ) بمعنى .. { سوف نأتي بغيركم بديلا لكم فيما تركتموه من الدنيا} ، أما أنتم .. فسوف ننشئكم فيما لا تعلمون بمعنى ندخلكم في نشأة جديدة شاء الله أن لا تعلمون عنها شيء { وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ } ، وتلك النشأة هي تماما مثل التي تعلمونها جيدا وذلك لو تذكرتم ما وترونه كل يوم من مراحل الحمل قبل الولادة {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ } ، حيث تتم عملية إنشاء النفس في الجسد الجديد بنهاية الشهر الرابع للحمل لأنثى أخرى بمعطيات مختلفة ، فتقول الأم في لحظة بدء تحرك الجنين {اليوم بدأ الجنين في الحركة} ، وهي ليست دخول للروح كما يدعي البعض جهلا ، لأن الروح موجودة منذ أن كان حيوانا منويا والتقى ببويضة حية فيها روح أيضا ، ويقول العلم عند تحرك الجنين .. أن الجنين أصبح له حركات إرادية ، وهو أبسط أدلة على بداية إنشاء النفس (أصل الإنسان) داخل الجسد بعد اكتمال خلقه ، لتتدرب النفس على استخدام الجسد خمسة شهور كاملة في رعاية تامة داخل رحم الأم ، فالنفس حديثة عهد بهذا الجسد الجديد .

وهل معنى ذلك أن النفس سوف تبدأ رحلة حياة جديدة في نشأة أخرى في جسد جديد ؟؟ ، نعم .. ولذلك يقول سبحانه في النجم ، .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، ولا يقولن أحدنا أنها نشأة أخيرة ليوم القيامة ، لأن الله يرد عليه في العنكبوت بقوله تعالى .. { .. ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، وكيف يكون هذا وقد عشنا من قبل حياتنا كما قالوا لنا "مرة واحدة" وانتهت ؟؟ ، لأن الله لم يقل أنها مرة واحدة فقط ، ولكن سبحانه قال موضحا في آيات كثيرة تكرار عملية الحياة والخلق بقوله تعالى … {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }العنكبوت19 ، بل ويكرر قوله بالإعادة في ستة مواضع في كتابه العزيز أبرزها قوله تعالى .. {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }يونس34 ، بل إن الله يؤكد على وجود آجال للنفس بخلاف التي يحياها الآن في قوله تعالى .. {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ }الأنعام2 ، فعند خلق جسد ابن آدم قضى سبحانه أن يكون من طين ، وقضى لهذه النفس في هذا الجسد تحديدا (أجلا) ، وهذا الأجل مختلف عما قضاه الله للنفس إجمالا والذي يقوله عنه {أجل مسمى عنده} ، فالأجل المسمى عنده مقسم لآجال متعددة تحياها النفس في أجساد مختلفة من الطين بعد إحياءه بالروح .

ثم وضح سبحانه سبب تكرار الإعادة للدنيا بقوله تعالى .. { .. إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ } يونس4 ، حتى يجازي الله كل نفس بالقسط ، والذي هو تحري العدل ، فمثلا أليس من حق "نفس" عاشت في جسد امرأة ملحدة فقيرة أن تقول لربها يوم الحساب (لو أحييتني رجلا مسلما وغنيا لفعلت كذا وكنت كذا وكذا) ويصبح لها حجة على الله ، فالله يقول دوما .. { حتى يأتيني وليس له عليي حجة } ، ولذلك يحيي رب العزة كل نفس مرات في جسد أنثى ومرات في جسد ذكر ، وينوع معطياته للنفس بما يتوافق مع طبيعة النشأة والنفس ، فمرة ملحدا ومرة مسلما ومرة جميلا ومرة غنيا ومرة شريفا ومرة حقيرا ، ويكرر الله الإحياء للنفس في مختلف النشئات ، ولكل نشأة عاشها صفحة ميزان في كتابه ، فيأتي يوم القيامة ليقرأ كتابه بنفسه .. {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14 ، فمنهم من تكون موازين صفحاته خفيفة ومنهم من تكون موازينه ثقيلة … {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }الأعراف8 ،  {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ }الأعراف9 ، فلا تملك نفس أن تقول "لو كنت كذا لفعلت كذا" .

ولذلك لا عجب أن نرى قصصا متعددة لبشر تروي أنها عاشت من قبل من أماكن وبشخصيات مختلفة مثلما يذكرها كتاب مثل أنيس منصور في كتابه (أرواح وأشباح) ، ولا عجب أيضا أن يكثر التخبط والاختلاف حول هذه المسألة الخطيرة ، لأن البشر قرروا أن يكتشفوا هذا بخيالاتهم وقصصهم ، وتركوا وأهملوا ما فصله ربهم في القرآن العظيم ، وعجبا للبشر .. {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14 ، وهل يعلمون أكثر من الله .. { .. قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ .. }البقرة140 ، بل يلومهم سبحانه دوما على ادعائهم ما لا يعلمون عنه شيئا بقوله تعالى .. {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }آل عمران66 ، .. ولا يجوز أن نفترض على الله من ضلالاتنا وخيالاتنا لأن الله ينهانا عن هذا بقوله تعالى .. {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل74 ، وهذا التكرار كان معلوما من قبل في حضارات إنسية قديمة وهو ما توارثناه كذبا بمسمى تناسخ الأرواح ، لأن هذا لا علاقة له بالأرواح ، فالروح سر إحياء الجماد وموجودة في كل جسد حي ينمو حيوانا أو نباتا أو حشرة أو طيرا أو بشر أو حتى جنا ، ولكنها أعادة إنشاء للنفوس في أجساد مختلفة بمعطيات مختلفة تمثل جميعها أسئلة اختبار جديد في كل مرة "ليبلوكم فيما آتاكم" ، وهنا تتصاعد أسئلة كثيرة مثل ما هي طبيعة النفس وما أحوالها ومواصفاتها الفطرية ، كيف يعود الرجل في جسد امرأة والعكس ، وما علاقة كل نشأة بما سبقتها ، وهل يمكن أن ترحل نفس فلا تعود لنشأة جديدة مرة أخرى للحياة ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *