الحياة .. بين الحقيقة والوهم (3) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
29 مايو، 2024
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
346 زيارة

نعم رفقاء الحياة .. نحن اليوم أحياء أو هذا ما يبدو لنا .. فليس لدينا تأكيد لحال مختلف عما نعيشه .. كما أننا نشعر دوما أن هناك ما هو وراء حياتنا ، فنحن لسنا خرافا ولا دجاجا في مزرعة ، نأكل ونشرب ونتزاوج ثم نموت ، فنحن من المؤكد قد جئنا للحياة لغرض هو أهم وأخطر ، وقد قال لنا رجال الدين أننا جئنا لنعبد الله ، ونحن نصدقهم ولكن كيف نعبده ؟ ، هل آداء الصلوات وممارسة الفروض ومناسك هي العبادة ؟؟؟ ، ثبت بالقطع أن هذا قمة التزوير لمفهوم العبادة ، لأن خالقنا كذبهم جميعا ، عندما سمى الكفرة به يوم القيامة بلقب (عبادي) ، ثم أورد لنا تأكيد عيسى عليه السلام في رده على سؤال الله له عن الكفرة بالله {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ .. }المائدة116 ، فقال عيسى عليه السلام في ختام رده .. {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }المائدة118 ، وفي ذلك رد مفحم ومكذب للذين يقولون أن العبادة في الإيمان وآداء المناسك والفروض ، وبالتالي .. لابد أن تكون العبادة شيء مختلف تماما عن الإيمان وإقام الصلاة وآداء المناسك .

وهنا نتوقف ونسأل أنفسنا .. بضعة أسئلة … الأول .. ما هو العمل الذي يشترك في ممارسته كل البشر مؤمنهم وكافرهم بإرادتهم (فاعلين) ، فيجعلهم جميعا (عبادا لله) ، والإجابة بسيطة .. جميع البشر يعملون ليأكلوا ويشربوا ويتناسلوا وينجبون أجيالا جديدة ، ويحرصون دوما على إضافة الجديد لتطوير حياتهم فيبنون ويصنعون ويزرعون ويخترعون ، بمعنى أدق (هم يعمرون الأرض) ، السؤال الثاني .. ماذا قال سبحانه قبل خلق الإنسان عن سبب خلقه له .. قال سبحانه {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً .. }البقرة30 ، السؤال الثالث .. ما هي وظيفة أو مهمة الخليفة على الأرض ، وهنا يرد سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بقوله تعالى .. {.. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .. }هود61 ، واستعمركم معناها (كلفكم بمهمة إعمارها) .

وهنا يتضح جليا أنه سبحانه خلقنا من فئة العمار ، وهذه الفئة هي أرقى فئات خلق الله ، والتي يكرمها الله عن باقي خلقه ، لأنهم الفاعلين لمهمة (إلإعمار) كخلفاء مستخلفين ، فسبب خلق الله لنا هو أن نكون خلفاء على الأرض ، مكلفين بمهمة إعمارها ، فتلك هي مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، ومن يؤديها فهو من (عباد الله) ، ولذلك فلابد أن يمارس البشر تنفيذ مهمة الإعمار مدفوعين بفطرتهم ، وليسوا مجبرين ولا مخيرين ، بل هو عمل يستوهيهم مدفوعين بآمالهم وحرصهم على استمرار حياتهم ، وتحت سيطرة رغباتهم وشهواتهم والبحث عن متعهم ، وهذا أمرا منطقيا بامتياز ، لأننا إذا كنا ونحن بشر ضعيف ، لا نقبل أن نصنع شيئا ليؤدي وظيفة خلاف التي صنعناه من أجلها ، فمن المنطق أن يكون إرادة الخالق العظيم بإعمار الأرض ، هي أمرا مؤكدا ويتم تحقيقه بواسطة البشر (صنعة الخالق للإعمار) ، ولذلك لا عجب أن يجعل سبحانه (الإعمار) فطرة في نفوس البشر جميعا ، وذلك من منطلق حرص البشر على استمرار حياتهم ، حتى ولو ينتبهوا أنهم ينفذون مهمة الإعمار .

ثم نتذكر سويا أن تلك المهمة (إعمار الأرض) هي مهمة جليلة ، ولذلك سخر الله أفضل خلقه (الملائكة) ، ليسجدوا لابن آدم الخليفة العامر للأرض {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ .. }البقرة34، بل ويستغفرون له .. { .. وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }الشورى5، ويدعون لابن آدم .. {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }الأحزاب43 ، بل ويحفظونه .. {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ .. }الرعد11 ، فالإعمار للأرض هي العبادة التي خلقنا الله من أجلها {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }الذاريات56 ، ولذلك فرض الله أشد وأقسى عقوبة لمن يفسد في الأرض ، وهي عقوبة لم يفرضها الله في أي خطيئة أخرى ولا حتى لكافرين به ، بل إنه سبحانه اعتبر تعمد الإفساد في الأرض بمثابة إعلان للحرب على الله ورسوله لقوله تعالى .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 .

فالعبادة هي (إعمار الأرض كخلفاء عليها) ، ولذلك فرض سبحانه ناموسا ثابتا يعظم المهمة ويضمن استمرارها ، فمن أتقن إعمار الأرض جعله الله سيدا عليها ، حتى وإن كان كافرا ، ومن أهمل إعمارها أهانه الله عليها ، حتى وإن كان مؤمنا ، لأن إهماله إعمار الأرض هو في حد ذاته شرك بالله ، حيث أشرك المهمل هواه (شهواته ورغبته في المتعة والكسل) مع أمر الله بالإعمار ، بل وفضل هواه على أمر الله ، فهو مشرك بالله ظالم لنفسه ، أما الفروض والمناسك التي ادعينا كذبا أنها عبادات ، فهي أساسا لم يسميها الله (عبادات) مطلقا ولكنه سماها مناسك وقال .. {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ }الحج34 ، ولكل منسك من المناسك جعل الله له سببا ، فالصلاة وذكر الله ينهيان عن الفحشاء والمنكر .. { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }العنكبوت45 ، والصيام فرضه سبحانه ، لعله يدفع ابن آدم أن يتق الله .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183 ، والزكاة والصدقات لتطهر النفوس وتبرهن على الإيمان .. {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }التوبة103 ، والحج منسكا يذكر ابن آدم بعبوديته لله وحده ، والغرض من هذه المناسك والفروض هو فقط تحقيق استقامة ابن آدم في آداء المهمة التي خلقه الله من أجلها وهي (العبادة) وتعني (إعمار الأرض كخلفاء عليها) .

ولكن عجبا .. فابن آدم قد اعتاد التزوير والبهتان في ناموس الله ، بأحد طريقتين لا ثالث لهما ، الأولى أن يدعي كذبا وزورا وبهتانا أنه جاء الدنيا ليتقرب إلى الله وينكر مهمة إعمار الأرض ، فيهينه الله في الدنيا ويجعله مستباحا ومهانا رغم إيمانه ، لأنه بذلك قد أصبح مشركا بالله ، أشرك هواه وشهوته للراحة والكسل والمتع مع تكليف الله له ، وغلب هواه على ناموس الله وأوامره والغرض من خلقه ، وهذا ما يفعله كثير من البشر اليوم وعلى رأسهم المسلمين المدعين زورا وبهتانا ، أن العبادة هي في آداء المناسك والفروض ، بل وزوروا مسمى المناسك وادعوا كذبا أنها العبادة وتلك كانت أكبر تزوير وبهتان في تاريخ الإسلام ، والسبب ألأكبر لهوانهم وتخلفهم ، أما الطريقة الثانية فهي خطيئة باقي البشر الأشهر ، فهم يظنون أنهم يعمرون الأرض لحسابهم ، ولا علاقة لله بها ، بل وبعضهم ينكرون ويشككون في وجود الله أصلا ، ولكنهم يتقنون إعمار الأرض وبذلك هم ينفذون مهمة العبودية التي خلقهم الله من أجلها وهي (العبادة) ، ولذلك يجعلهم الله أسيادا عليها رغم كفرهم ، وكذلك أسيادا على كل المؤمنين ولكنهم مشركين ، وذلك بإهمالهم لمهمة الإعمار .

وهنا نتوقف قليلا .. ونسأل .. لماذا يصر ابن آدم على تزوير ناموس الله ودينه ورسالات الله لهم ، والإجابة قد تكون مفاجئة ، فابن آدم لكي يعمر الأرض ويطورها ، خصه الله بصفة من صفاته والتي لم يمنحها لمخلوق غيره ، إلا لو كان من العمار كالجن ، وهي صفة (الإبداع) أو ما نعرفه بـ (الرغبة الفطرية في الإتيان بالجديد) ، فكل منا يولد ولديه في نفسه شغف ورغبة جامحة أن يفعل ما لم يفعله أحد غيره ، وهي إرادة التميز بالإبداع ، والتي نراها في أبناءنا الصغار في حرصهم أن يدهشوا والديهم بحركاتهم وكلامهم وأفعالهم ، وهو ما يستوجب من الوالدين حسن التربية والتوجيه ، لأن هذه الرغبة الفطرية إن لم توجه ويتم السيطرة عليها ، فسوف تتحول لكارثة حقيقية ، حيث سيصبح الإنسان حريصا أن يأتي بجديد يفرض له التميز دون ضمير أو حدود ، وهو ما يدفع الإنسان أن يسيء استخدام صفة الإبداع ، وأسوأ استخدام لها كان في تزوير رسالات الله للبشر .

فاليهود مثلا .. زوروا التوراة وأخفوها وألفوا التلمود ، وادعوا كذبا أنهم شعب الله المختار ، بل وهم فقط (اليهود) هم البشر ، وغيرهم (الغوييم) هم حيوانات بشرية خلقهم الله على صورة البشر فقط من أجل خدمة اليهود ، والمسيحيين زوروا الإنجيل وألفوا أناجيل متعددة ، ادعوا أنهم عيال الله وأحبابه ، وغيرهم كافر ومصيره إلى جهنم ، والمسلمين قالوا مثلهم وادعوا أنهم أولياء الله وغيرهم مصيره العذاب في النار ، وكذبت كل أمة أخواتها من الأمم وهو قوله تعالى .. {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }البقرة113 ، والملحدون وعبدة الشمس والماء والهواء والحيوانات قالوا مثل غيرهم ، ولذلك يحذرنا سبحانه وتعالى أن نتبع معظم البشر على الأرض .. {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }الأنعام116 .

ولم يكتفي البشر بتزوير رسالات الله إليهم ، ولكنهم ضلوا وتباغضوا وتعصبوا ، ورغم أنهم يعلمون أنهم لم يكن لهم اختيار في مولدهم ولا والديهم ولا أجناسهم ولا ألوانهم ، ولكن سوف تجد الأوروبيون يعتبرون أنفسهم جنسا متفردا وراقيا وباقي البشر لا يستحقون الحياة ، واليهود أشد خبثا وتعصبا ، بل وغرب أوروبا يعتبرون شرق أوروبا متخلفين ومن درجة أقل ، والأوربيون جميعا يرون الأفارقة والآسيويين أجناسا متخلفة ، ولا يستحقون ثرواتهم ولابد من نهبهم وقتلهم والسيطرة عليهم ، وكل ذلك من سوء استخدام هبة (الإبداع) الدافعة للتميز والترقي ، وبالطبع جاء سوء استخدام هبات الله من طاعة ابن آدم واستجابته لإبليس وجنوده ، الذين ينشرون العداوة والبغضاء بين بني آدم ، {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }البقرة268 ، ويوم القيامة سوف يتبرأ الشيطان من ابن آدم ويقول له .. {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }إبراهيم22 .

ولابد أن نتذكر أن إعمار الأرض هو العبادة الحقيقية ، ولذلك أنزل سبحانه كتابه الخاتم وقرآنه العظيم يحتوي على حدود كل علوم الدنيا البحتة وعلوم الخلق في أكثر من 50% من آياته ، ليكون دستورا لحياة ابن آدم بكل مجالاتها العلمية والفكرية والإيمانية ، ولكن ابن آدم مستمر في ضلاله حتى وهو مؤمن ، وهو ما حذرنا الله منه في كتابه العزيز .. {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ }يوسف106 ، ومن أخطر صور شرك المسلمين بالله ، أنهم أغلقوا أبواب الفهم في كتاب الله ، واعتبروا أن العلم وتدبر وفهم كتاب الله توقف عند موت العلماء الأوائل منذ أكثر من ألف سنة ، وما زالوا يدرسون ويحكمون بتفسيراتهم التي عفا عليها الزمن ، بل وتجاهلوا آيات العلم في كتاب الله فهجروه ، وكذلك شهد الله عليهم بقوله تعالى .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 ، لدرجة أنهم تناسوا أكثر من (400) آية في خلق النفس ، ويدرسون ويعالجون مرضاهم بعلوم النفس التي وضع أساسها المشركين والكفرة المستمدة من تجارب على المجانين والمختلين نفسيا وعقليا .

أخيرا .. لابد أن نكون واثقين ، أن ما يحدث على الأرض وما سوف يحدث ليس إلا تنفيذ لمراد الله من خلقه ، والله لا يأتي إلا بكل الخير ، وما يحدث من شرور هي كما يقول سبحانه من أجل أن يعتبر الناس لعلهم يرجعون إلى ربهم ، {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الروم41 ، ولكن الله لن يسمح لمخلوق أن يفرض إرادته على خلق الله إلا بذنوبهم ، {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 ، ومن يتوكل عليه فالله كافيه وراعيه ، {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }الطلاق2 ، 3 ، وبالتالي فلابد أن نفيق من سكرتنا التي سقطنا فيها لهثا وراء شهواتنا ورغباتنا ، وندرك أننا نحيا رحلة مؤقتة محاسبون فيها على كل شيء ، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها ، فكفانا شكوى من الدنيا ومن خلق الله ، ولينظر كل إنسان في ورقة امتحانه والتي لو غفل عنها لخسر حياته اليوم وغدا ويوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله .
جمال عمر