الحياة .. بين الحقيقة والوهم (2) …. بيقلم : جمال عمر

نعم رفقاء الحياة .. نحن اليوم أحياء أو هذا ما يبدو لنا ، فليس لدينا تأكيد لحال مختلف عما نعيشه ، ولكن .. هل حقا ما نعيشه ونمارس حركته هو حياة حقيقية ؟؟ ، أم هي صورة من صور الحياة مؤقتة ، سوف تنتهي لننتقل لغيرها ، أم نحن نمارس أشكالا من الحياة متعددة بقوانين مختلفة ، وأروع ما فيها غموضها ، فلا ندرك الاختلاف والفوارق إلا نادرا ، فنستسلم لما نحن فيه ، ونمارسه بلا أدنى محاولة لفهم ما يحدث حقيقة ، ولا شك بالطبع أن اختلاط التباينات والاختلافات والصور وتسارع عجلة الزمن وصدمات تسارع التطور التكنولوجي ، قد أصابتنا بالتشتت ، فاختلطت علينا الصور والمفاهيم ، وعدنا لا نفرق بين الحقائق والأوهام والخيالات ، والمؤكد في كل هذا أننا قد اختلطت علينا الأمور بشراسة ، حتى استسلم الغالبية العظمى من البشر لتراتيب الحياة ، فابتلعته وهرسته عجلة الحياة ، فصار لا يعي شيئا ، وأغرقه اللهث خلف متطلباته المتلاحقة والمتزايدة حتى عن حدود أدراكه وفهمه ، فارتفعت معدلات التشتت والرهق ، ثم الإحباط والاكتئاب والتوحد في النفوس ، رغم محاولات الانغماس في ضوضاء الحياة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من شتات النفوس .

ولعل كثير منا قد يحاول أن يعي ما يحدث له في أحلامه عند النوم ، فغالبا ما نرى حلما طويلا مليئا بالأحداث وكأنه استمر لأكثر لأيام ، ثم نستيقظ لنجد أننا قد نمنا مجرد ساعات قليلة ، ولا نتعجب كيف مررنا بأحداث أيام كاملة في ساعات نوم قليلة ، وربما يتكرر الرجوع لنفس المكان عند النوم مرة أخرى لنكمل أحداثا أخرى ، وهكذا اعتدنا أن تتكرر معنا هذه المفارقات الزمنية ، ولكننا لسنا متفرغين لنعيد التفكير في هذه المعضلة الزمنية ، والحقيقة أن الموضوع منطقي وبسيط ، فالإنسان في حقيقة أصله ، هو مجرد نفس ، والنفس لها قوانينها المختلفة عن الجسد ، وعند النوم تتحرر النفس من الجسد ، فلا تخضع لقوانين الجسد ، بل لقوانينها الخاصة الزمنية والمكانية والتفاعلية ، خاصة لو تذكرنا أن النفس قد دخلت الجسد للمرة الأولى عندما كان جنينا في نهاية الشهر الرابع للحمل ، بعملية أسماها سبحانه وتعالى بـ (الإنشاء) ، وعندها فقط قد أصبح المخلوق الجديد (إنسانا) ، وهذا الإنسان له قوانينه التي تحكمها قوانين المادة على الأرض ، وأهمها قوانين الزمكان التي عرفناها ودرسناها ودرجناها لنحسن فهمها والتعامل معها ، ولكن عندما تغادر النفس الجسد (للنوم أو الوفاة) ، تختلف كل قوانين التعامل ، فالزمن الذي يمر عليك وأنت داخل الجسد مستيقظا ، يختلف قياسه تماما عن قياسه وأنت خارج الجسد ، وبالتالي فأنت عندما تحيا أياما على الأرض كإنسان ، وهذه الأيام لاتمثل إلا ساعات قليلة ، وربما دقائق لنفسك في جسد آخر في (زمكان) آخر ،والعكس صحيح .

نعم أخي رفيق الحياة .. لا تتعجب ، فتلك أحد أهم الحقائق التي يجب أن تعيها ، والتي على أساسها يجب أن تعي أن رحلة حياتك على الأرض ليست سوى رحلة مؤقتة متقطعة بالنوم ، فلابد وأن تغادر الرحلة وأحداثها كل يوم لبضعة ساعات ، وذلك لسببين ، أولا .. لأن جسدك لا يتحمل وجودك فيه (كنفس) سوى تلك الساعات القليلة التي تكون فيها مستيقظا ، فالنفس تشغل منظومة الجسد عن صيانة نفسها وتستنزفها ، وثانيا .. النفس لا تحتمل سجنها داخل الجسد لفترات طويلة حتى وإن كانت تستمتع باستخدامه ، وهو ما يجعلنا نعتقد بأن حياتنا التي نعيشها هي صورة متماثلة لحيوات أخرى ، ربما عيشناها أو نعيشها بالتزامن مع حياتنا الواعية ، لدرجة عدم قدرتنا على التمييز ما بين الأصل والصور المماثلة ، وليس الموضوع بسيطا ، ولكنه أيضا ليس معقدا ، لو حاولنا توسيع حدود فهمنا ومداركنا ، لفهم طبيعة الخلق والتكوين للإنسان ، والتي لا يعرف حقيقتها كاملة ، ولايستطيع أن يتحدث عنها بوضوح وبلاغة سوى الخالق العظيم ، ولذلك فأسباب الحيرة والتشتت ، هو أننا قررنا أن نتجاهل آيات الخالق العظيم وعلومه التي أرسلها إلينا ، ونبحث عن الحقائق في خيالات وظنون البشر الضعفاء محدودي القدرات والفهم ، ولسنا بصدد إثبات صدق الخالق العظيم وآيات كتابه العزيز ، لأن من يشكك في ذلك فالعيب في قدراته على الفهم والتدبر ، وحسبه نفسه التي يبددها ويهدر عمره في الهروب من الحقائق بالظنون والأوهام ، ولا يلومن إلا نفسه .

وبالحديث عن عجائب خلق النفوس ، فربما نقابل أشخاصا للمرة الأولى في حياتنا ، ولكننا نشعر أننا نعرفهم من زمن بعيد ، وسرعان ما تتآلف النفوس وتصبح أقرب وأعز من الإخوة والأقارب ، وربما العكس بالنفور والكراهية والعداء ، وكل هذا دون وجود سبب حقيقي ملموس لما تشعر به النفوس ، وتتصرف تبعا له تلقائيا ، وهنا لابد أن نذكر حقائق ثلاثة هامة ، أولا .. هذا يثبت أن للنفوس أدواتها التي تختلف عن الحواس الخمسة ، وهذه الأدوات شديدة القوة والتأثير في حركة حياة الإنسان ، وهذه القدرات نسميها مسميات مختلفة مبهمة وغامضة ، فيسميها البعض جهلا بالحاسة السادسة أو التخاطر ، أو الشفافية ، ولكنها في الحقيقة هي استخدام النفس التلقائي لقدراتها وذاكرتها عن حيواتها المختلفة ، سواءا قبل هذه الحياة أو متزامنة أو متوازية معها ، ثانيا .. أن هناك ذاكرة أساسية خلفية للنفوس بخلاف الذاكرة السطحية المتجددة التي نحيا بها ونستخدمها في ممارسة حركة حياتنا ، وهذه الذاكرة تحتفظ بكل ما تعرضت له النفس في مختلف صور حيواتها الأخرى ، ولكن حجم قدرات عقولنا على استدعاء واستيعاب المخزون في الذاكرة الأساسية عادة ما تكون محدودة جدا ، فتختفي تلك المخزونات خلف مرئيات المعاصر من أحداث الحياة ، أيا كانت هنا أو هناك في عالم موازي ، حتى تجد فرصتها للخروج والاستدعاء ، والذي يكون محدود جدا ، ثالثا .. تثبت هذه الظواهر أن هذه الحياة التي نحياها ليست هي الحقيقة الوحيدة ، بل هي آخر أو ربما أقرب صور الحيوات التي نحياها متزامنة أو متتابعة أو متوازية ، وهذه حقيقة تحتاج لشرح طويل لفهمها وإدراك أبعادها .

ومن عجائب النفوس التي نغفل عنها ، أن النفس البشرية في سجنها الحالي داخل هذا الجسد الذي نحيا به ، ليست مستقرة ، بل هي في حالة تواجد مؤقت وموقوت ، فكما قلنا .. لا تحتمل النفس استمرار التواجد داخل الجسد ، ولذلك تغادره يوميا للنوم ، ولكنها أيضا قد تغادره هاربة لو صادفها موقف أو حدث أكبر من استيعابها ، والهروب هو سلوك نفسي أصيل في النفس وتمارسه منذ بدايات دخولها للجسد بنهاية الشهر الرابع للحمل ، فعند تعرض الأم لحادث أو سقوط بعد الشهر الرابع ، تهرب نفس الجنين فورا ، فتتوقف حركته تماما لأيام متتالية ، وهو ما يوضح حقيقة أن نفس الجنين قد انزعجت عند وقوع حادث للأم ، فهربت من الجسد الجديد ، ويستمر هذ السلوك مع الأطفال بعد الولادة ، فتهرب نفسه عند الانزعاج أو الغضب بالنوم ، وقد يستمر هذا السلوك مع التقدم في العمر لكثير من الناس ، فتهرب نفوسهم بالنوم عند صعوبة المشاكل عليهم ، ونجد سلوك الهروب واضحا في حالات الإغماء عند التعرض لموقف أو حادث لدى بعض الناس خاصة الإناث ، وقد يتفاقم الهروب ، فتزيد فترة الهروب لنسميها غيبوبة في الحالات الشديدة .

وهنا نتوقف لنعرف أسباب الأرق الحقيقية ، فغالبا ما نكون متعبين ومرهقين ونريد النوم ولكن يصيبنا الأرق ، وهنا لابد أن ننتبه أن الجسد لم يعد يحتمل وجود النفس فيه ، ولكن النفس خائفة وترفض المغادرة لانشغالها بمشكلة تؤرقها ، وتحاول إيجاد حل لها ، أو لديها خوف وهلع من أمر أو حدث متوقع ، أو تنتظر حدثا سعيدا تتوق إليه ، وهنا النفس لا تستجيب لتعب الجسد وتصر على البقاء في الجسد رغم تعبه ، وأحيانا تكون النفس هي المتعبة وتريد المغادرة ، ولكن الجسد يعاني خللا في ميكانيزمات أو كهرباء النوم العصبية الكيميائية ، كاختلال الهرمونات نتيجة اختلال كهرباء الجسم ، فأدوية النوم تعالج مشاكل الجسد ولكنها لا تعالج مشاكل النفس ، ولذلك أحيانا تفشل أدوية النوم في علاج الأرق ، بينما لو استطعنا علاج النفس جيدا ، فسوف تستطيع النفس ضبط ميكانيزمات النوم وكيميائيتها الكهربية في الجسد ، فالهدوء النفسي هو أهم عناصر الوصول لحالة النوم العميق ، والضروري لصحة الجسد والنفس معا ، ولا يصل الإنسان للهدوء النفسي ، إلا لو أقنع نفسه بناموس الله في خلقه ، وهو أن كل ما يحدث وسوف يحدث على الأرض هو بيد الله ، وأن قلقه وحساباته لن يغيروا شيئا مما هو مكتوب ، ولن يحدث إلا ما كتبه الله ودبر له ، والأهم .. أنه لو أسلم نفسه لله ، فإن الله لا يخذل نفسا توكلت عليه مطلقا ، حتى وإن كانت عاصية فسبحانه أرحم بعباده من الأم برضيعها .

وبالتالي .. فنحن نفوس تحيا فقط بالتواجد داخل جسد حي (فيه روح) ، وتلك هي حالة الاستيقاظ ، والتي هي فقط الزمن الذي تمارس فيه النفس حركة الحياة التي نعرفها ونتعامل معها ، وبالتالي فمغادرة النفس للجسد هو انقطاع للحياة سواءا للنوم يوميا أو عند الوفاة ، فكلا من الحالتين مماثلة تماما للأخرى ، ولذلك يقول سبحانه .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42، والفارق الوحيد أنه عند الوفاة تفقد النفس القدرة على العودة ودخول الجسد ، لأن الجسد (قد مات) بخروج الروح منه ، ولابد للجسد العودة إلى أصله (التراب) ، ولكن النفوس لا تموت ، ولكن النفوس فقط (تذوق الموت) ، تذوق آلام نزع الروح من الجسد ، أما عن الروح .. فهي في حقيقتها المجردة تمثل سر إحياء للجسد (كالكهرباء)  الذي نستخدمها لتشغيل الأشياء ، وبالتالي فنحن لسنا أرواح ، بل نفوس ولا علاقة للأرواح بنا مطلقا ، ولا علاقة لنا بالأرواح ، فالروح من أمر الله وحده لإحياء كل جسد حي بداية من الخلية الأحادية ومرورا بالبكتريا والفطريات والحشرات والحيوان … ونهاية بخلايا جسد الإنسان .

والروح تدخل الجسد البشري وهو ما زال حيوانا منويا وبويضة ، فنحن لم نشهد أو نشعر بدخول الروح لأجسادنا وهي ما زالت في صورة (جرثومية) ، فلا نعلم شيئا عن دخولها للحيوان المنوي أو البويضة ، ولكن شاء الله سبحانه وتعالى أن نكون حاضرين لعملية نزع الروح من الجسد ، وأن نذوق ونشعر كنفوس بآلام خروج الروح من الجسد ، ولا نملك حيلة ولا قدرة على منع أو تأخير خروج الروح ، ولا يستطيع مخلوق في الكون أن يتدخل في عملية دخول الروح .. ، أو خروجها من أي جسد (إنسان – حيوان – نبات – حشرة) ، ولذلك يجب أن نصحح أكذوبة أخرى ، فملك الموت لا علاقة له بالروح ولا يراها ولا يسمها ، لأن ملك الموت موكل بالنفوس .. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11، ولا يمس الروح ولا يقترب منها مخلوق مطلقا ، لأن الروح سر الإحياء هي من أمر الله وبيده وحده ، وهو ما قرره سبحانه بقوله تعالى .. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، وبالتالي فأنت كاذب ومدعي بالباطل عندما تقول أن فلانا هو توأم روحي ، أو روحي فيه ، أو وصفك لأي حدث أو مشاعر بأنها روحانية .

وقد يعتقد البعض أن نفوسنا اليوم هي نفسها نفوسنا يوم القيامة ، بنفس انفعالاتها ومشاعرها وقدراتها ، لأننا لم نفهم ولم نتدبر بلاغ الله لنا بأنه أنشأ نفوسنا (الحالية) من نفس واحدة (كاملة) ، بقسمة النفس الكاملة لنصفين ، فكان الناتج نفسين ناقصتين ، تحتاج كل منهما للتكامل مرة أخرى ، ليكونا طرفي الحياة الدنيا ، وتكون كل منهما في حالة مؤقتة من النقص والاحتياج للتكامل ، بمعنى أننا في حالة نقصان (نصف نفس) ، وهو ما يشعرنا دوما بالحاجة للتكامل مع غيرنا ، وذلك هو ناموس الخالق في خلقه ، فكل خلق الله على الأرض في حالة مؤقتة من النقصان والحاجة للتكامل ، فناموس الدنيا مبني على الضعف والاحتياج للتكامل ، وتحديدا شهوة التكامل بين الذكر والأنثى ، وتلك هي الأساس والسر خلف عملية استمرار الاستخلاف ، فإذا استمتع الذكر والأنثى بلحظات التكامل ، ونتج عن تكاملهما جيلا جديدا ، أحبوه واعتنوا به ، فتستمر عملية الاستخلاف على الأرض ، ولا شك أن عملية نقصان النفوس قد خلقه سبحانه بشطر النفس الكاملة إلى نصفين متماثلين تماما ، وكل منهما بشطره يحتاج للتكامل مع شطره الآخر ، وهو قوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء .. }النساء1 ، ولم تكن عملية الشطر هذه كما تتخيلها عقولنا القاصرة ، بل كانت عملية (إنشاء).. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، وكل شطر (نصف نفس) منهما جعله الله صالحا أن يحيا في جسد ذكر أو أنثى ، فإذا دخلت لأي جسد فسوف تتعامل بقوانينه وناموس خلقه ، ولا تتعجب فنفسك لو ولدت في جسد أنثى ، فسوف تحيا وتتعامل كأنثى ، ولو دخلت في جسد ذكر فسوف تحيا وتتعامل كذكر ، فحالة الذكورة والأنوثة هي حالة مؤقتة للحياة على الأرض ، وتنتهي بانتهاء الأجل على الأرض .

وبالتالي فهذه الحالة المؤقتة (نصف نفس ناقصة تحتاج للتكامل) ، وتلك الحالة من أسس متطلبات الحياة الدنيا ، فلولا النقصان والحاجة للتكامل ، ما حرص الذكر والأنثى على التكامل ، وما نتج عن محاولتهما للتكامل أجيال جديدة تستكمل رحلة الاستخلاف على الأرض ، فإذا وصلنا إلى يوم القيامة … وانتهت رحلة الاستخلاف على الأرض لنوع أو فئة من المخلوقات مثل (بني آدم) ، فما عاد هناك سببا أو ضرورة لاستمرار النفوس في حالة النقص ، فلابد من عودة النفوس للتكامل مجردة دون أجساد ، فيقول سبحانه في سورة التكوير عن أحداث يوم القيامة … {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }التكوير7 ، فتعود النفوس لحالتها الأصلية الأولى متكاملة ، فلم يعد وجود لنفوس ناقصة ، بعدما تكاملت النفوس ، وحينها يتلاشى وجود الوالدين والأولاد والأنساب فيقول لنا الخالق العظيم عن يوم القيامة .. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 ، ولا يخطر على بال أي نفس أن تسأل أو تتساءل عن أولادها وأنسابها أو عائلاتها ، خاصة عندما تتذكر الحقيقة كاملة ، وتكتشف أنك قد مررت برحلة الحياة عشرات المرات من قبل ، ولك مئات الأولاد والوالدين وآلاف الأقارب ، فمن منهم تتذكر أو تسأل عنه ، فقد كانت علاقاتكم سويا مجرد لقاء في أحد رحلات الاختبار على الأرض ، وكانت بنفوس ناقصة قد تكاملت ، فتلاشى وجود النفوس الناقصة التي تعاملنا معها ، فلا تهتم النفوس الكاملة إلا بنفسها ومصيرها .

وهذا هو الرد القاطع من الله سبحانه وتعالى على الذين يظنون ويدعون جهلا بأنه سوف يجتمع مع فلان في الجنة ، فأين نفس فلان التي تريدها ، وهي قد عادت وتكاملت مع نصفها الآخر ، أو أكذوبة أن حور العين للرجال في الجنة ، وكيف يكون حور العين للرجال ، وقد اختفت الرجولة والأنوثة ، فحور العين للنفس الكاملة في نشأتها الأخيرة ، ولم يعد هناك شيئا من متطلبات الحياة الدنيا ، فحقيقة الخلق شيء مختلف عن ادعاءات البشر وخيالاتهم ، وظنونهم أن خلق الله محدود بقدراتهم على التخيل والفهم ، فيوم القيامة لا ذكر ولا أنثى ، ولا والدين ولا أقارب ولا أنساب ولا علاقات باقية من الدينا ، إلا علاقات نفوس ببعضها طبقا لحالات النفوس الكاملة بعد عودتها لحالتها الأولى ، بل إن هناك ما هو أخطر من ذلك وأهم ، وهو أنك في رحلة اختباراتك في الدنيا قد جئت في حيوات مختلفة وبصور ومعطيات مختلفة ، فكم من النفوس احببتها أو تريد أن تصاحبك في الآخرة وكيف ستجتمع بها بعدما اكتملت النفوس الناقصة واختفت نفوسنا الناقصة تماما ، وعادت النفوس لأصل خلقها ، وهو قول الله تعالى .. {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ }الأنبياء104 ، فعادت النفوس من حالة المستودع المؤقتة (نفس ناقصة) إلى حالة المستقر (نفس كاملة) ، والمشار إليه في قوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 .

ولا ننسى .. أن عملية خلق نفوسنا أيضا .. قد بدأت بعملية (إنشاء) ، ولم تكن عملية شطر (قطع للنفس من أصلها) فقط ، بل كانت عملية (إنشاء) نتج عنها (نفوسا بديعة) رغم نقصانها ، وكفى قدرتها على ممارسة حركة الحياة باستخدام جسد مادي حي ، ورغم أنها نصف نفس ، إلا أن الله بعملية الإنشاء جعلها الله نفسا قائمة بذاتها ، وقادرة على تحمل أعباء الحياة ، ولكنها بعودتها يوم القيامة لأصلها (نفسا كاملة) ، فلابد أن يكون لها تعاملات مختلفة ، وقدرات مختلفة ، وأساليب حياة مختلفة ، هي الحياة الحقيقية (الحيوان) ، {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }العنكبوت64 ، فحياتنا بالنسبة للحياة الحقيقية كنفوس كاملة هي لعب ولهو مؤقت بهدف محدد (الاختبار) .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، هذا لو كنا مدركين وواعين لمعان آيات الله ، وبالتالي لابد أن نعي أن حور العين هي للنفس الكاملة ، وأن الأجساد التي سوف يمنحنا الله إياها يوم القيامة ، سوف تكون مختلفة وتتناسب مع كمال النفوس ، وهي النشأة الآخرة التي أشار الله لها سبحانه في سورة العنكبوت بقوله تعالى .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 .

والخلاصة أن .. الحياة التي نحياها ليست هي الحقيقة الكاملة ، بل هي جزء صغير غير كامل من حقيقة حياتنا كنفوس ، فحياتنا اليوم هي أحد رحلات اختباراتنا في الدنيا ، فقطار الحياة نركبه رحلات متتالية ، وكذلك بين سبحانه في قرآنه العظيم ، وبالتالي .. فحياتنا اليوم حياة ناقصة موقوتة من خلال جسد مادي حي ، ولكنه ضعيف ومليء بالثغرات مقارنة بالكمال ، لأن النقص والضعف والاحتياج هم أركان ناموس الله في خلقه للدنيا ، أما الجسد (المطية التي نستخدمها للرحلة هذه المرة) ، فالحقيقة الواضحة أن علاقتنا به مؤقتة خلال رحلة الدنيا ، فقط من أجل أن نتميز عن بعضنا بشكله ورسمه ، ونستخدم هذا الجسد لممارسة الحياة لهذه الفترة مؤقتة ، ثم نغادره كما اعتدنا مغادرته يوميا ، وكما غادرنا غيره من قبل ، ولكن عند الوفاة (لانتهاء الرحلة) نغادره بلا عودة له مرة أخرى مطلقا ، وقد ندخل في حياة أخرى في جسد آخر بمعطيات أخرى مختلفة ، سواء بعدها أو متزامنا أو متوازيا معها ، وتلك قصة أخرى .. ، ولكننا في النهاية نمر بحالة حلم نشعر أنه طويل نسبيا ، ولكن حقيقته أنه يمر مر السحاب ، وسرعان ما ننتقل منه إلى غيره ، وإلى حيوات مختلفة .

أخيرا .. كفى أن الله لامنا وسخر من قولنا (أن حياتنا الدنيا هي كل ما لدينا لنحياه لمرة واحدة فقط وبعدها إلى القبر ثم إلى يوم القيامة) ، ووصف قولنا هذا بأنه (جهل ومحض افتراء وظنون كاذبة) وهو قوله تعالى .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، ومع ذلك ما زلنا نعتقد وندعي كذبا أن حياتنا اليوم ، ستنتهي إلى القبر ثم إلى يوم القيامة ، ولا حيوات أخرى لنا ، ولا فرصة أخرى لنرتقي ، وأن نفوسنا اليوم هي نفوسنا يوم القيامة ، وأن أحوالنا ووجودنا كذكر وأنثى هو نفسه أحوالنا يوم القيامة ، وهو قمة الجهل والضلال ، وما وصلنا لهذه البهتان لأننا هجرنا القرآن العظيم ، وتجاهلنا آيات الله وصدقنا ظنون وخيالات وضلالات شياطين الإنس والجن ، وهو ما يعد شركا بالله تعالى ، رغم أن الله أوضح لنا طبيعة النفوس وأحوالها وأمراضها وعلاجاتها في أكثر من (400) اربعمائة آية ، وهو ما يزيد عن ضعف آيان الفقه (الفروض والحدود والمعاملات) ، التي ألفنا فيها ملايين الكتب والمجلدات ، كما بين سبحانه الغرض من خلقه للإنسان ، وهي مهمة العبودية أو (العبادة الحقيقية) ، وليست الأكذوبة الكبرى بأن العبادة في المناسك والفروض (الصلاة والصيام والزكاة وذكر الله والحج) .. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *