الإنسان … وقيم السعادة السبعة …… بقلم : جمال عمر


أنظر إلى نفسك وتأمل .. وسوف تجد نفسك مثالا حيا لكل المتناقضات في الحياة ، فأنت صاحب المشاعر والقيم تارة ، وتارة أخرى صاحب الرغبات والشهوات التي تستعر وتحرك فيك انفعالاتك وسكناتك وقد تثير جنونك ، وأنت الوسيم صاحب الطلعة البهية ، ولكنك تحمل داخلك ما تعاف النفس النظر إليه ، فأنت المتدين والفاجر والجميل والقبيح والحنون والقاسي ، والحزين والسعيد أحيانا ، والمكتئب والمحبط الباحث عن الأمل والرجاء أحيانا أخرى ، وهذا ما قاله سبحانه تحديدا .. {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ }البلد10 ، فطرفي كل شيء في الحياة جعلها الله متاحة لابن آدم ، وهو صاحب القرار والاختيار ، وفي النهاية يعرف ويصف الناس كل إنسان بما يغلب عليه خيرا أو شرا ، سعيدا أو شقيا وحزينا ، وهو ما يحرك في النفوس السؤال المقلق دوما .. هل يملك ابن آدم القدرة على فعل ما يريد ؟؟؟ .

حقيقة .. لم يكن لمخلوق على الأرض خاصة الإنسان .. الحق في اختيار أيا من معطياته الأساسية بداية من والديه ونوعه (ذكرا أو أنثى) ، أو شكله وطبيعة جسده ثم أهله وبيئته التي ينشأ فيها ، وبالتالي دينه ومفاهيمه الأساسية التي يبني عليها قناعاته وفكره ، ويتخذ بناء عليها كل قرارات حياته ، وفي النهاية لا يخير بشر في يوم مماته ، وليس هذا فقط .. بل الأعجب والأغرب أننا لو ركزنا قليلا وتأملنا حركة حياة أي إنسان لاكتشفنا أن ابن آدم لم يمنحه الله الحق أو القدرة على اختيار أي قول أو فعل في حياته ، فأقواله مبنية على قناعاته ورغباته وشهواته وظروف ومعطيات حياته المتغيرة كل يوم ، ولا يملك سيطرة عليها ، ولذلك تختلف ردود أفعال البشر تجاه معطيات الحياة من شخص لآخر ، وأبسطها تباين طريقة ردود أفعال الأطفال مع والديهم في نفس المنزل تجاه نفس الحدث أو القول والفعل , وحتى لا نتوه كثيرا فالإنسان له حق الاختيار الكامل والمطلق في نواياه وما تضمره نفسه ، ولذلك يحاسبه الله على نواياه فقط ، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38 ، والنفوس لا تملك سوى النوايا ، ولذلك يفسرها رسول الله بقوله {إنما الأعمال بالنيات ولكل امريء ما نوى} ، ما نوى فقط .. وليس ما قال أو عمل ، ومن رحمة الله أن ما تكن نواياه خيرا ، يجري الله الخير على يديه ، والعكس صحيح ، وهذا لا يمنع أن تنتوي خيرا فيجريه الله شرا مرة أو مرات ليذكرك فقط أنه وحده صاحب المشيئة .. {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ، إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً }الكهف24 .

والأعجب والأغرب .. أنك دوما تتغير قناعاتك وردود أفعالك يوما بعد يوم عبر سنوات عمرك ، فنفسك التي ربما يوما ما كانت لا تتخيل مطلقا أن تتزوج تلك المرأة القبيحة ، قد تتبدل فجأة قناعاتك ، ولن تقبل سواها زوجة لك ، وفلان الذي كان يكره وظيفة المدرس منذ صغره ، ربما لن يجد سعادته ونجاحه إلا كمدرس ، فالدنيا معترك المتغيرات النفسية والجسدية فلا تبقى النفوس ولا الظروف والمعطيات على حالها أبدا ، ولا شك أن أول دوافع ومحركات هذه المتغيرات هو الإحساس الدائم بالنقص والاحتياج ، فما بين النقص والاحتياج تتولد دوما رغبات الإنسان في استكمال النقص وسد الحاجة ، ولولا شعور النقص والاحتياج ما انفجرت الشهوات والرغبات وما التقى ذكرا بأنثى ، وما استمر استخلاف البشر على الأرض حتى اليوم ، ولانقرضت المخلوقات وعلى رأسها المستخلفين على الأرض الملقبين بالبشر ، ولذك أعجب كثيرا من بعض الأدعية الحمقاء ، مثل دعاء البعض لله (أن لا يجعله محتاجا لبشر أو مخلوق) ، ومشكلة هذا الدعاء ..أنه لن يتحقق إلا بعد موت صاحبه ، فهو يدعو على نفسه بالموت وهو لا يدري .

ولا شك أن الاختلاف الزمني والمكاني والأيدولوجي ما بين البشر جسديا ونفسيا وعقليا هو ما يثري الحياة بتنوعات وروعة الاختلاف ، وهو ما يفتح كل أبواب الحياة الجميع ، فلا يوجد شيئا سيئا وآخر حسنا على المطلق ، فما ترفضه أنت يتمناه غيرك ، وما يحزنك ربما يسعد غيرك ، بل ما يسعدك اليوم ربما يحزنك غدا ، ولا عيب في وجود ما يثير الانفعال ويحزن ويغضب ما دام في إطار الأمان المسموح ، لأن التباين بين الحزن والفرح والغضب والرضا والخوف والأمان وغيرها .. هي تفاعلات هامة لصقل النفوس بل والأجساد ، فالطفل المدلل الملبى له كل رغباته والذي لا يسمحون له أن يتعرض لما يبكيه ، سيشب طفلا هشا ضعيفا لا يستطيع التعامل مع الحياة منفردا ، والطفل الذي تربيه داخل جدران منزل منضبط ومهندم وغير مسموح داخله بالحركة واللعب والـ (شقاوة) سيشب طفلا ضعيف الجسد مهترء النفس ، وبالتالي فلا مكان على الأرض لما يحلم به ضعاف الفهم وفاقدي الحكمة لما يتمنونه ويدعون لله لتحقيقه من راحة وهدوء وسعادة متصلة في الدنيا ، لأن ما يحلمون به ليست أحلام ولا أماني مشروعة في الدنيا ، بل مخالفة لكل ما علمنا الله أن ندعوه به وفي النهاية .. هي وسوسة وسواس خناس في صدور الجهلاء بحكمة الحياة على الأرض ، ليطلبوه ويتمنوه ويدعون به فلا يتحقق مهما طال انتظارهم ، فيحزنون ويكتئبون ويدعون على الله كذبا ويتشائمون ، وبذلك يكون وساواسهم الخناس قد استطاع أن يحزنهم ويسيطر عليهم ويورطهم في الشرك بالله أو الكفر بقيوميته ، فيخسرون ما جاءوا للدنيا من أجله ، ويفقدون كل ما وعد الله به عباده المتقين والمحسنين والصابرين .

ولذلك ما زلت أذكر نصيحة أغضبت أحد أساتذة الطب النفسي يوما ما وهو شاب مقبل على الزواج ، ولكنه يذكرها دوما ويذكر بها المحيطين به ، حيث قال له أستاذه "ربي نفسك أولا" ، عندما ذكر أمامه أنه ينوي الزواج ليربي أبناءا ، وتلك هي الحقيقة التي يجب أن نؤكد عليها لكل شاب وفتاة مقبلين على الزواج ، هل هم استطاعوا تربية أنفسهم وأصبحوا مستعدين لتربية أجيال جديدة ، أم هم ما زالوا فاشلين في تربية نفوسهم وسوف يكونون عبرة ومثالا للفشل ، ويضيفون لنا أجيالا جديدة مدمرة للبشرية ، كما نرى ونعاني ونشتكي ، ولكننا أبدا لم نقدم على تصحيح الأخطاء في نفوسنا قبل الانزلاق لنقل عوار نفوسنا لأجيال جديدة ، وتلك هي حقيقة .. فالإنسان بعد انتهاء دور الوالدين في تربيته لابد وأن يراجع نفسه ، ولا يستسلم لعوار نفسه متهما والديه بقية عمره ، بل يصحح ويقوم نفسه قدر استطاعته ، لأنه سوف يكون مسئولا عن أجيال جديدة تحمل بصماته ونتاج تربيته وتعليمه وفهمه أمام خالقه إلى يوم الدين ثم أمام المجتمع حيا أو ميتا .

ولا مجال لتصديق بشر بأنه لا يعرف قدور العوار في نفسه ، أو أنه لا يستطيع التقويم والإصلاح لنفسه ، خاصة اليوم في ظل الانفتاح الكبير للعالم على بعضه ، وهو ما قاله الخالق العظيم .. {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ }القيامة 14، 15 ، فالله خلق في كل نفس ما نسميه أحيانا بالضمير أو التغذية العكسية ، وهي في أبسط صورها مراجعة الإنسان لنواياه وأقواله وأفعاله ومقارنتها بالقيم المثالية ، بدليل أنه قادر في أي وقت على محاسبة غيره ، وتفنيد أخطاء غيره وووصف العلاج وأساليب الإصلاح والتقويم لغيره ، فكيف يكون قادرا وواعيا لغيره وفاشلا وجاهلا مع نفسه .. {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }البقرة44 .

ولكن .. لابد من وجود حد أدنى من العلم بالقيم الأساسية الحقيقية لحياته ، والتي تضع الحدود لفهمه ووعيه وإدراكه لحقيقة الهدف من حياته كاملة ، ولابد أن تتحول هذه القيم إلى قناعات نفسية يقينية ، يتصرف بناء عليها تلقائيا مع حركة حياته وتعاملاته فيها ، لأن معرفته فقط وترديده لها دون يقين نفسي بها  سوف تجعله يعاني كثيرا ، لأن الجهل بقيم ناموس الله الأساسية في خلقه توقعنا في التنطع وغباء النفوس والأنانية وحماقة كبر النفوس ، وإدراكها يحدث استقرارا في النفوس وقوة وراحة بال وضمير ورضا في مواجهة جميع متاعب الحياة وابتلاءاتها مهما كبرت ، ومهما كانت مؤثرة على البشر ومشاعرهم وقدرات تحملهم .

تلك القيم هي الأركان الأساسية للفهم والوعي والإدراك لأنها تفتح أبواب السعادة وراحة البال ، ولذلك فهذه القيم يجب أن يعيها كل إنسان حي عاقل ويغرسها في نفوس أبناءه بتصرفاته وسلوكياته قبل نصائحه واقواله ، وهي سبعة قيم أساسية لا غنى عن فهمها جيدا وجعلها قناعات نفسية تبنى عليها سلوكياتنا وهي ..

الأولى .. هي يقين بأن .. (الله خلقنا وكلفنا بمهمة واحدة .. وهي العبادة الحقيقية) وهي إعمار الأرض كخلفاء لله عليها بالعلم والعمل الصالح ، وإهمال الإعمار هو شرك بالله وتعمده الإفساد هو كفر بقيومية الله عليه وإعلان للحرب على الله ، ولجلال المهمة وأهميتها فرض الله عقوبة مزدوجة وشديدة للمفسدين في الأرض في الدنيا والآخرة ، لم يعد بها حتى الكفرة والمشركين ، حيث وعد الله المفسدين بالخزي في الحياة الدنيا وعذاب أليم في الآخرة {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، لأنها هي المهمة التي جعلها الله فطرة في نفوس كل البشر ، فكل مخلوق بفطرته يريد أن ينجب ويبني ويحيا أفضل من غيره ، وهذا هو إعجاز الله في جعل الإعمار فطرة في نفوس البشر ، فمن عاند فطرته وخالف خالقه فقد أعلن الحرب على خالقه ، وهي المهمة التي كرم الله بني آدم من أجلها وسخر لهم الملائكة تسجد لهم وتدعو وتستغفر لهم .. {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }الشورى5 ، وتحفظهم من أمر الله ، {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ }الرعد11 ، ولذلك يصف الله كل خلقه خاصة الكافرين بقوله (عبادي) .. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ }الفرقان17 ، فهم رغم كفرهم هم عباده ، لأن العبادة ليس إيمانا ولا آداء مناسك ولكنها إعمار الرض وهم بفطرتهم يعمرون الأرض فهم (عباده) ، ولذلك جعل ناموسه في الدنيا .. أن من يتقن إعمار الأرض يجعله سيدا عليها حتى لو كان كافرا .

والثانية .. هي .. الفهم واليقين لفهم حقيقة (مناسك العبودية والخضوع) والتي هي الصلاة والزكاة والصيام وذكر الله والحج ، والتي هي فروض من الخالق لكل خلقه .. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ … }الحج67 ، وقد فرضها الله فقط لتحافظ على استقامة الإنسان في آداء العبادة (مهمة العبودية) التي خلقنا الله من أجلها ، ولذلك فترك المناسك أو إهمالها .. يعد كفرا بقيومية الله أيضا ، لأن من خلقك هو أعلم بما يصلح نفسك ويقومها ، ولذلك فعقاب الله عليها شديد وأليم ، والأشد والأخطر على البشرية هو تزوير المفاهيم والادعاء بالباطل أن (العبادات) هي مناسك الخضوع والاستقامة (الصلاة والزكاة والصيام والحج وذكر الله) ، وهو ما يقع فيه معظم البشر منذ آدم وحتى يومنا هذا .

والثالثة هي .. (أن تحب لكل البشر ما تحبه لنفسك) إيمانا من الإنسان بأن الله خلق غيره كما خلقه وأن كل البشر غيره هم أيضا خلق الله وعياله ويحبهم ويغار عليهم ويحميهم ويرعاهم مثلما يرعاه ، وبالتالي فإحساسه بغيره وجبره للخواطر ، سوف يرده الله له تيسيرا لحياته وجبرا لخاطره ، وإكرامه لغيره سوف يرده الله له بكرمه وفضله حياة طيبة في الدنيا وجنة نعيم في الآخرة ، ومن لا يرحم عباده لا يرحمه ربه ، وكذلك مكره بغيره من البشر سوف يرده الله له أشد مكرا وسوءا ، وكراهيته لغيره مردودة له ، وتكبره على غيره سيجر عليه سخط الله وغضبه .

والرابعة .. (لا حيلة في الرزق) .. وهو يقين بأن جميع معطيات الحياة للبشر لا حيلة للبشر فيها فهي أرزاق مقدرة ومحددة لن ينال غيرها ولا زيادة فيها ، فهي معطيات متناسبة مع قدور ما يصلح نفسه قدرها خالقه والخبير العليم ، وهي معطيات ينالها فقط لتعينه على أداء دوره في مهمة العبودية والله محاسبه عليها ، وليست معطيات هو يستحقها ، وغيره محروم منها لأنه الله يكرهه أو لا يستحقها ، وبالتالي فسعيه في الدنيا ليس سعيا على الأرزاق ولكنه سعيا لإتقان (العبادة الحقيقية) وهي إتقان دوره في إعمار الدنيا ، وإتقانه لدوره سيكون جزاءه من الله بركات من السماء والأرض .. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ … }الأعراف96 ، والبركة أعظم وأكبر كثيرا من مضاعفة الرزق ، لأنها تراضي النفوس وتملؤها راحة وجبرا للخواطر .

والخامسة .. هي (لا راحة في الدنيا) .. وهو يقين بأن الدنيا ليست مكانا للمتعة والراحة .. بل هي محلا للكد والكدح بالعلم والعمل .. وبالتالي فابن آدم خلقه الله في (كبد) .. {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }البلد4 ، والإنسان هو من يختار كبده بنواياه .. فإن ساقه وسواسه الخناس أن يبحث عن الراحة والكسل ، ولم يختر كبده عملا وكدا وكدحا فسوف يجعل الله كبده مرضا فهو لا يحتاج للصحة ، وهما .. لأنه لايوجد لديه ما يشغله .. وغما .. لأن فطر النفس على عشق الكد والكدح ، .. فالنفس لا تسعد إلا بكدها وسعيها ونجاحها في التغلب على مصاعب الحياة ، .. وهي درجة جميلة وراقية من الفهم واليقين والإيمان ، وكذلك فطر الأجساد لا تقوى ويشتد عودها وترتقي صحتها إلا بالتعب والمشقة وتحمل الصعاب ، وهذا هو أحد إعجازات الله في خلقه بأن يجعل تمتعه بصحته النفسية والجسدية في كده وتعبه وتحمله ، وفساد جسده ونفسه في الراحة والكسل .

والسادسة .. هي .. (كما تدين تدان) فلا شيء يذهب هباء فكل ما سوف تفعله مع غيرك مردود لك في حياتك ، وأسوأ الردود هو عقاب النفس لذاتها ، فالنفس البشرية خلقها الله بفطرة العقاب الذاتي ، فما تفعله النفس البشرية من شر يؤذيها ويكبتها فتؤذي نفسها وتكرهها ، وتعاقب نفسها بنواياها وأفكارها فتزداد أيذاءا لنفسها وغيرها ، وكذلك وعد الله ابن آدم أن يرد له أفعاله مع غيره على أيدي غيرهم في حياته ، فيكون العقاب مزدوجا داخليا وخارجيا ، ولذلك نقول لمن يريد أن يرد السوء بالسوء .. (احذر فأذية غيرك لك خارجية) ولكن ردك السوء بالسوء هو أذية لك مزدوجة داخليا وخارجيا بتحملك ديون لو كنت جائرا في قصاصك ، فلنجعل نوايانا وأقوالنا وأفعالنا جميلة ولنعفو ولنصفح ونفعل ونقول الخير دوما لنجد راحة البال وتسعد بها نفوسنا عند فعلها وكذلك تسعدنا عندما يردها الله إلينا .

والسابعة .. (كل نفس ذائقة الموت) وهو يقين أننا جميعا جئنا في رحلة لها نهاية ، ولا مهرب منها ، ولا نعرف متى تنتهي الرحلة .. {.. وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } لقمان34 ، ولا يبقى منا بعد رحيلنا سوى ذكرى .. فلنجعلها جميلة قدر استطاعتنا ، خاصة وأن الموت ليس نهاية المطاف ، بل إن بداية حياة الإنسان الحقيقية تبدأ بعد أن يغادر جسده الذي يحيا بواسطته ، وهناك نشئات أخرى وحيوات أخرى قادمة ولكنها تعتمد على مدى نجاحك في حياتك الحالية ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

وأخيرا .. لا ننسى أن قيمنا السبعة كالتالي .. الأولى { لماذا خلقنا الله ؟؟ وما هي (العبادة) ؟ ، والثانية ما هي المناسك التي ادعينا كذبا أنها العبادة ، والثالثة هي (سواسية الخلق) ،  والرابعة هي (لاحيلة في الرزق) ، والخامسة هي (لا راحة في الدنيا) ، والسادسة هي .. (كما تدين تدان) ، والسابعة هي (كل نفس ذائقة الموت) ، ولا ننسى قول الله لعبده العاصي الذي يتخفى من الناس ولا يستطيع أن يتخفى من الله .. (عبدي لما جعلتني أهون الناظرين إليك) ، وكفانا من الله أنه (الرحيم الودود) يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ، فهلا استحينا من الله واستغفرنا وتوبنا إليه دوما .. وجعلنا الإحسان لنا طريقا مع الله .. كما يقول رسول الله (اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فهو يراك) ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *