الاتزان الكوني والشفرة الإلهية (5) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
21 سبتمبر، 2025
اراء ومقالات, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
620 زيارة

استعرضنا سابقا بعضا من مشاهد الحياة التي تؤكد أن التوازن هو العنصر الأساسي في خلق الكون وما فيه من مخلوقات وموجودات ، وهو العامل المؤثر على استقرار واستمرار الحياة على كوكب الأرض ، بل وعلى الأرضين السبعة التي لم تراها عيوننا ، ولكننا نعلم بوجودها ، نتيجة كثيرا من الأبحاث العلمية في ميكانيكا الكم ، ونتيجة أيضا لخبراتنا مع كثير من الحوادث الغريبة ، والتي لم يستطع الإنسان وضع تفسيرا منطقيا لها سوى حدوث عملية تماس لحظي بين الأبعاد نتيجة خلل معين ، وهو ما أحدث ثورة في الفكر الإنساني ، بل وتقوم كثير من الدول بأبحاثها السرية حول هذا الموضوع وكيفية التعامل معه ، بل ووصلت بعض الوكالات السرية لما يفوق قدرات التخيل ، ولكنها تتكتم على نتائجها ، وتستغلها لتحقيق تقدم في العلوم الدقيقة والفوق عقلية ، ولا ننسى أن بين أيدينا بعضا من آثار أمم سابقة لم تصل قدراتنا التكنولوجية للوصول لها ، فخنجر توت عنخ آمون مصنوع من حجر لا وجود له على الأرض ، بل ودقة مقاييس وتوجيه الأهرامات ما زالت معجزة هندسية لم تصل إليها قدراتنا العلمية والتكنولوجية ، والكهرباء السائلة ما زلنا لا نعرف عنها شيئا ، واستخدام طاقات الأثير ما زالت حلما وبعضها تم دفنه مع نيكولا تيسلا ، ونتوقف عند كثير من البوابات الغريبة في الصحراء ، والتي تقول روايات السكان المحليين أنها تفتح مرة واحدة أو عدة مرات في السنة ، والداخل إليها مفقود ، ومن يعود منها مصاب بالجنون والخبل ، فضلا عن فقده الاتزان مما رآه وتعامل معه ، ويخرج منها كائنات غريبة ومفزعة أحيانا .

فما هي حقيقة الأبعاد الموازية ؟؟ .. وتبدأ رحلة التعرف عليها بقول الله تعالى .. { .. وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }النحل8 ، فمبدئيا هناك الكثير مما خلق الله بخلافنا وبخلاف الكون الذي نراه ونسمع عنه ، ولكن الله لم يخبرنا به ، وترك لنا مهمة محاولة إدراكه ، بل وحثنا سبحانه على التفكر والبحث .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، ثم يشير لنا سبحانه بأنه قد خلق سبع أراضي مثل أرضنا التي نعيش عليها بقوله تعالى .. {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً }الطلاق12 ، فتلك حقيقة لا جدال فيها ، أن هناك سبعة أراضي متماثلة ونحن نعيش على واحدة منهن ، فأين الستة الباقية ، وتقول أحد النظريات أن الأراضي الستة الباقية تحيط بالأرض التي نعرفها ، وأن كل سماء لها حدودا على كل أرض ، فتكون السماوات فوق بعضها ، والأراضي تحيط بأرضنا من الخارج ، وتقول نظرية أخرى أن الأراضي السبعة طباقا فوق بعضها ، ولكل أرض سماءها وهو ما يشير له قول الحق .. {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ }الانشقاق19 ، بمعنى أن كل مستخلف على سطح الأرض سوف يغادر جنسه السطح بعد نهاية استخلافه لتنتقل ذرياته لطبقة أخرى تحت العلوية التي نعيش عليها .

وتقول نظرية أخرى تؤيدها نظريات ميكانيكا الكم ، أن الأمر أعقد من ذلك وأبسط ، بوجود سبعة أراضي متماثلة وفي نفس الحيز ولكن في بعد زمكاني مختلف ، بمعنى لكل أرض بعدا زمنيا مختلفا عن الستة الأخريات ، والأرضي السبعة يتحركن في حالة اتزان إلى جوار بعضها ، وعندما يحدث أي تماس بين أي أرضين فأنه يمكن الانتقال من بعد لبعد آخر وبالتالي من أرض لأرض أخرى ، ورغم أن تخيل ذلك قد يكون صعبا لبعض الناس ، ولكن ذلك هو الأقرب للحقيقة ، فالزمن خلقه الله قابلا للتغير والاختلاف ، فمثلا .. عندما تخرج نفسك من جسدك عند النوم ، فهي لا تخضع لقوانين المادة على الأرض ، بمعنى أنك سوف ترى رؤيا قد تستمر معك لساعات طويلة وربما لأكثر من يوم بمقاييس أحداث الرؤيا ، ولكنك تستيقظ لتجد أنك قد نمت لمجرد ساعة واحدة أو ساعتين فقط ، وربما ترى رؤيا أحداثها استمرت لأكثر من يومين ، ولكنك تستيقظ لتجد نفسك قد نمت لمجرد ساعات قليلة ، فمعايير الزمن قد اختلفت ، لأن نفسك قد غادرت البعد الزمني للأرض التي تحيا عليها وانتقلت لبعد مختلف ، تختلف فيه معايير الزمن ، وذلك لا يمنع أن الله هو الذي توفى نفسك ، وسمح لها أن تحتل جسدا آخر في بعد آخر ، يخضع لمعايير الزمن في ذلك البعد ، وعندما تغادر الجسد في ذلك البعد الآخر فسوف يكون جسدك الآخر هناك في حالة نوم لساعات قليلة ، سوف تقضيها نفسك في جسدك على الأرض (هنا) لأكثر من عشرين ساعة (مثلا) .

عزيزي القاريء لا تتعجب ولا تمل ، ولا تتهمني بالتخريف ، لأن الخالق العظيم قد أشار لما شاء سبحانه أن يحدث لنفسك عند خروجها من الجسد ، وذلك في سورة الواقعة عندما سرد سبحانه مشهد خروج النفس من الجسد للمرة الأخيرة دون عودة للجسد الذي مات بخروج الروح منه .. فيقول سبحانه وتعالى .. نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، فيبدأ سبحانه بطمئنة النفس ألا تقلق على من تركتهم خلفها في الدنيا ، بأن الله سوف يأتي لمن تركناه خلفنا بأمثالنا ، أو سوف يأتي سبحانه بأمثالنا في أبعاد أخرى ، أما النفوس التي انتهى أجلها ، فإن الله يوضح بأنه سوف ينشئها (نشأة أخرى مختلفة) ، ولكن فيما لا نعلم عنه شيئا الآن ونحن أحياء ، وعملية الإنشاء هذه ، قد علمنا الله كيف تكون ، ونبهنا لها بقوله (ولقد علمتم ال،شأة الأولى فلولا تذكرون) ، بمعنى أننا نعرف كيف تكون النشأة لوتذكرنا ، .. تذكرنا كيف يأتي الإنسان للدنيا .. ، وهو ما فصله في آيات سورة المؤمنون التي يفصل فيها سبحانه مراحل خلق الله لجسد الإنسان خلال الحمل بداية من الطين ثم النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام واللحم ، وباكتمال مراحل (أطوار) خلق الجسد (أربعة أشهر) ، يقول سبحانه (ثم أنشأناه خلقا آخر) ، وتلك هي اللحظة التي تدخل فيها النفس للجسد بعد اكتماله ، وهي تلك اللحظة التي تقول الأم أن جنينها قد تحرك ، ويقول عندها العلماء بأن الجنين قد أصبح له إرادة مستقلة .

وبالتالي .. فدخول الإنسان للدنيا يبدأ بعملية (إنشاء) نفسه في جسد حي مكتمل ، وهي تلك النشأة الأخرى التي يذكرها سبحانه في سورة النجم بقوله .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، ولو دققنا الفهم والتدبر في سورة الواقعة ، فسوف نكتشف أن النفس تدخل الجسد الحي ، فيقال قد استيقظ فلان ، فتستخدم النفس الجسد لممارسة الحياة ، ثم تخرج منه فيقال فلان قد نام أو في غيبوبة ، ولا تستطيع النفس دخول الجسد إلا إذا كان حيا (فيه روح) ، ولذلك عند الموت تخرج الروح بأمر ربها ، فلا تستطيع النفس البقاء في الجسد أو دخوله مرة أخرى ، وذلك لموت الجسد (خروج الروح منه) فنقول أنه قد مات (توفى الله نفسه) ، وعندها تكون النفس قد فقدت وسيلة التعامل مع الدنيا وما فيها ، ولكن النفس لا تموت ولكنها تذوق آلام الوفاة .. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ، ولكن كم مرة ستذوق النفس الموت ، ربما مرات كثيرة من أجساد متعددة وفي أبعاد مختلفة ، وهو ما يشير له سبحانه بقوله ستة مرات في كتابه العزيز .. { .. إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ .. } ، فالله سبحانه يعيد الخلق مرات ومرات ، وفي كل مرة يمهد الله للنفس بخلق جسد حي لها ، ولا تدخله إلا بعد اكتماله .

ولذلك لا علاقة للنفس بالروح مطلقا ، فالروح سر إحياء الجماد ، وهي نفسها في جسد الإنسان ، موجود مثلها في كل جسد أو خلية حية وكل مخلوق حي ، وتخرج الروح من الجسد الحي فيموت ، ولا تخرج إلا بإذن ربها ، ولا يمسها مخلوق ولا ملائكة فهي (من أمر ربي) ، ولا تدخل النفس القبر مع الجسد مطلقا ، لأنه جسد ميت قد انتهى استخدامه ولابد من عودته لأصله (التراب) ، والنفس بعد خروجها الأخير من الجسد تمر بمراحل الاستعداد للنشأة التالية ، لو كانت النفس ليست من الصديقين والشهداء ، وأيضا لو كانت النفس ليست من الكفرة الفجرة ، فما زال لديها فرصة للنجاة واستكمال رحلة الاختبارات في الدنيا ، لأن النفوس الكافرة الفاجرة لا يمنحها الله الفرصة مطلقا ، بل يتركهم بنامون حتى يوم الحساب ، وعندما يستيقظون يقولون .. {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }يس52 ، أما الصديقين والشهداء فهؤلاء يعيدهم الله للدنيا للاستمتاع والراحة حتى يوم القيامة ، لأنهم سبقوا باقي البشر بإنهاء رحلة اختباراتهم بامتياز (ضحوا بنفوسهم لوجه الله) ، فسماهم سبحانه بـ (السابقون) ، وهؤلاء جزاؤهم .. {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ }الواقعة89 .

فالمسألة أكبر من كل خيالاتنا وظنوننا الضعيفة والمحدودة ، فأنت في الدنيا نفس يمنحها الله جسدا لتمارس به الحياة وتختبر فيما آتاها الله من معطيات وهو قوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، ولا مانع أن يتم اختبار النفس في أكثر من بعد زمني في الدنيا ، فعندما ينام لساعات في بعد زمني ، فهو يغادر الجسد في هذا البعد ، ليدخل جسدا آخر في بعد زمني مختلف ، ورحمة من الله تعالى بالنفس فإنها لا تتذكر شيئا في كل مرة ، فلا هي تتذكر الجسد الآخر ولا أحداث الحياة الأخرى ، ولكن يراودها بعض مشاهد عند لحظة الاستيقاظ وتتلاشى بعد لحظات ، وقد حذرنا رسول الله أن نروي لأحد الرؤى السيئة ، لأنها قد تكون حدثت للنفس في البعد الآخر ، وإعادة سردها يؤكد حدوثها إن لم تكن حدثت ، بل ويرفع من احتمالية تتكرارها في هذا البعد الحالي ، ولكننا نلاحظ دوما أننا نستيقظ ولدينا حالة من السعادة والرضا دون سبب واضح ، أو لدينا حالة من الحزن والاحباط دون سبب واضح ، وحقيقة ذلك هو حالة نفسية نتيجة أحداث مررنا بها في بعد مختلف أثناء النوم ، ولابد من التخلص منها سريعا بالصلاة والاستغفار وفعل الخيرات .

أخيرا .. يبقى موضوع الأبعاد الموازية موضوع كبيرا وخطيرا ، والحديث عنه لا نهاية له ، ولكنه حديث له أهميته خاصة لمن يعتقدون أنهم يحيون حياة واحدة على هذه الأرض (في هذا البعد الزمني) ، لأنك لو كنت ستحيا حياة واحدة فمن الظلم أن تحياها وأنت مهضوم حقك في الحياة ، أو فقيرا أو حقيرا أو مغبونا ، ولكنك سوف تكون أكثر تقبلا لحياتك لو عرفت أنها رحلة من رحلات متعددة تقوم بها في الحياة في مختلف الأبعاد بمختلف الصور والمعطيات ، فالحياة بحقيقتها لا تستحق الحقد والحسد والتباغض والعداء والكراهية ، فأحداثها مجرد اختبارات وهي دول متداولة بين البشر ، وهو ما أشار له سبحانه وتعالى بقوله .. {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ }آل عمران140 ، وذلك هو ناموس الله في خلقه ، { … وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 ,,,
جمال عمر
صدق الله العلي العظيم مشكوره جهودك و جزاك الله خير الجزاء
مع ارق التحيات