النقاب الأليكتروني .. وعفن الدماغ … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
أسبوعين مضت
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
165 زيارة

لا شك أن صفحات التواصل أصبحت واقعا حياتيا لكثير من البشر من مختلف طبقات وفئات المجتمعات في مختلف دول العالم ، ولاشك ايضا أنها أصبحت ذات تأثير لا يستهان به سواء في المجتمعات الغربية أو الشرقية متقدمة أو متخلفة على حد سواء ، وذلك لخصوصيات سماتها المتفردة ، والتي تشابه لحد كبير ظاهرة “النقاب” الذي ابتدعه اليهود واحترفن ارتدائه نساء الشيعة والوهابية والسلفية ، وذلك أنك على شبكات الإنترنت تختفي تماما ولا يبدو منك إلا حروفك أو ما تريده فقط من صورتك أو هيئتك ، وبالتالي فلا يعرف أحد عن أحد شيئا إلا ما يسمح به ضميره أو فكره وغالبا خياله أو يتمنى أن يظهر به لغيره زورا وضلالا أو حقائق مجملة أو محورة كثيرا في أفضل الأحوال .

ولا جدال أن أي إنسان تتعامل معه يوميا كزميل العمل أو صديق لا تستطيع أن تعرف حقيقته إلا إذا اقتربت منه وتعاملت معه في مواقف وأحداث مختلفة ومتباينة ، أو كما نقول في لغتنا العامية “عاشرته” ، فرأيت تعبيرات وجهه ، وردود أفعاله في نبرات صوته وأحاديث عينيه ، وإشارات يديه ـ أو باختصار لغة جسده ، والتي ترسم بوضوح حقيقة الشخص الذي تتعامل معه ، وبالتالي تستطيع أن تحدد بها قرارك النفسي بصدقه أو كذبه ، جده أو هزله ، اتزانه وحكمته أو اختلال مفاهيمه ، رجاحة عقله أم خبله ، قدور مصداقيته ، وأهمية التفاعل معه أو تجاهله والابتعاد عنه .

والنفس البشرية بطبيعتها غالبا ما تميل لتغيير حقيقتها أو مظهرها في عيون وعقول الآخرين ، سواء للأحسن أو الأسوأ ، وذلك تبعا لما تراه النفس ضروريا حينها طبقا لفكرها ومعتقداتها الشخصية ، وبالتالي فالاختفاء التام خلف الجهاز السحري على شبكة الانترنت ، يعد الفرصة الذهبية لكل النفوس البشرية دون استثناء ، لإظهار ما تريده وتهواه وتتمناه دونما رقيب أو مصحح أو حسيب ، ومهما كان الشخص أمينا ، فلا مانع من الوقوع أحيانا في بعض التجمل أو التمنع أو حتى تمثيل أدوارا بعينها كان أو ما زال يحلم بأدائها ، ولا يستطيع القيام بها في واقعه الحقيقي

وبالتالي .. فالغالبية العظمى يقول بحروفه وصوره كل ما يحلم به تنفيسا بلا حدود عن انفعالاته دون اي اعتبار لغيره أو باقل قدر منه ، وهو ما يسمح له بأكبر قدر من تفريغ شحنات انفعالاته غضبا أو حبا أو كراهية أو سعادة أو حتى نشوة أو شذوذا ، في محاولات لإدراك تخيلي لما لا يستطيع تحقيقه في حياته ، فتغلب المبالغة والكذب والبهتان على ما تصفه الكلمات والحروف سواء كان الشخص جادا فيما يقول ، أو مدعيا بالباطل ، أو مدفوعا بلجان اليكترونية لنشر مفهوم معين ، أو حتى كان ساخرا مستهزءا يتعمد بالعبث بالآخرين .

ولكن العجيب أن الجميع أو الغالبية يصدقون بعضهم بعضا في معظم أكاذيبهم ، ويتفاعلون وينفعلون تبعا لها ، أو كأنهم يريدون أن يصدقوا الخيالات والتدافع خلفها ، معتقدا في البداية أنها حروف ولن يتأثر بتبعاتها ، وهو لا يدري أنها تعيد تشكيل نفسه وتشوهها تماما ، فمثلا قبل انتشار التواصل الاجتماعي ، ما كان التعصب لتشجيع كرة القدم ، يصل لهذه المنحدرات الأخلاقية أو المنحنيات الخطرة التي تهدد حياة البعض من الجمهور أو اللاعبين ، وما كانت مظاهرات الاحتجاج تصل لحدود لما حدث في السنوات الأخيرة ، مثل ما أسموها ثورات الربيع العبري والتي بدات وانفجرت بواسطة الانترنت ، وما كان وائل غنيم ببعيد ومنى الشاذلي والبرادعي ودومة واحمد ماهر واسراء عبد الفتاح وغيرهم الكثير من رموز الثورة السابق اعداهم في صربيا ، بل والأخطر أن التواصل الاجتماعي أصبح له نصيب الأسد بكونها سببا في أكثر من 75% من المشاكل الأسرية والفشل الأسري وقضايا الطلاق والخلع وتشريد الأطفال ، ولا عزاء للأغبياء .

وتعد شبكات التواصل الاجتماعي حقلا خصبا لنشر الإشاعات وتأصيل الضلال في نفوس البشر ، مهما كانت التحذيرات وحملات التوعية ، فما زالت صفحات التواصل صاحبة الريادة في نشر الإشاعات والأكاذيب بين الشعوب ، فهي حتى ولو كانت معروفة بكذبها ، فيكفي أنها تبث الشكوك وفقدان القدرة على تصديق الحقائق نفسها ، خاصة بعد توغل واحتراف الجميع لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تزوير الحقائق والصور والفيديوهات ، وطبقا لأحدث الدراسات النفسية اليابانية عن تأثير شبكات التواصل على المجتمعات ، فإن شبكات التواصل تنشر ثقافة “الخلل النفسي” بين الأفراد والأسر والمجتمع ، فتجعل الفرد وبالتالي المجتمع هشا ، يسهل السيطرة عليه وتفكيكه وتوجيهه لما يخطط له ، وهو تماما ما قرأناه من قبل في بروتوكولات حكماء صهيون ، وما تتعمد أجهزة المخابرات العالمية استغلاله لاختراق أي شعب مستهدف ، وما أكثر ما يتم تنفيذه لاستهداف الشعب المصري خلال السنوات الماضية وحتى اليوم .
.jpg)
والأخطر في شبكات التواصل الاجتماعي هو الفيديوهات السريعة كالريلز وتيك توك وكواي ، فهي بغض النظر عن طبيعة محتواها المدمر ، فإن عملية الاعتياد عليها يوميا تسبب الإدمان ، والخطورة ليست في ادمانها بقدر خطورتها في التسبب بما يسميه العلماء بـ (عفن الدماغ) ، وهو يكمن في ادمانك المعلومة السريعة التي تطلق هرمونات المتعة في الدم ، فتصيب الدماغ بالعفن وعدم القدرة على التركيز وتلقي العلم ، أو الصبر على تلقي العلم بأكثر من ثوان معدودة ، وهو ما يفقد الدماغ مرونته وقدرته على الفهم والتركيز ، وهو ما يساهم بقدر كبير في تدمير مستقبل الشباب وقدرات البشر ، ولا ينكر عاقلا مطلقا .. أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت تشكل خطرا كبيرا على استقرار المجتمعات ، برغم فوائدها المتعددة لتثقيف الأفراد والمجتمعات ، وتحقيق التواصل بينها ، ولكن الأضرار الجانبية أصبحت هي المسيطرة وصاحبة الريادة في حياة البشر في مختلف المجتمعات ، لسببين ، أولهما احتراف الغالبية الكذب وتغيير الحقائق مستغلا الاختفاء خلف الأجهزة “ظاهرة النقاب الأليكترونية” ، والثاني هو الاستغلال المذهل للمتربصين بالشعوب ، بمؤامرات مخططة لصناعة الفتن المتصاعدة وتشويه المجتمعات بنشر الإشاعات والأكاذيب ، واستهداف نفوس الأفراد والأسر ، والوصول بها لحالة فقدان المصداقية والإحساس بالأمان والاستقرار والرضا .

ولا شك .. أن التواصل الاجتماعي قد ساهم كثيرا في نشر ثقافة التبجح والتنطع ، وانعدام الحياء وتدني مستويات الأخلاق بين افراد المجتمع ، كما ساهم في نشر كثير من الإحباط واليأس وروح الكراهية والرفض واحتراف جلد الذات ، والإساءة للنفس والمجتمع ، وأخيرا ظاهرة التوحد والانفصال الأسري والاجتماعي ، خاصة وأن المعتاد اليوم في البيوت المعاصرة ، أن يقضي الشخص وقتا كبيرا يوميا على شبكات التواصل توازي أحيانا أضعاف ما يقضيه مع أفراد أسرته أسبوعيا ، بل غالبا ما تجد الزوجين يجلسان في نفس المكان لساعات طويلة وكل منهما مشغول على صفحات التواصل ، لدرجة أنهما يتبادلان الحديث بالحروف المكتوبة ، وهما في نفس الغرفة وربما يجلسان على نفس الأريكة أو السرير ، ولا عجب .. فقد أفقدهم التواصل الاجتماعي المنطق والفهم والقدرات التواصل الإنساني ، وهو ما يمثل بالفعل استبدال للحقائق والواقع بعالم افتراضي مدمر ولا وجود له ، أو بمعنى آخر .. “لا يملك لهم نفعا إن لم يضرهم” .

وناهينا عن كون شبكات التواصل قد نجحت بالفعل في تحويل سيدات وبنات من أسر عريقة ومحترمة ومعروفة بأدبها وأخلاقها لمسوخ بشرية احترفت البذاءات والوقاحة وفحش الكلمات والحروف والتي تصل لمستويات العهر والشذوذ بالألفاظ ، وخطورة ذلك أنها تغير طبيعة النفوس فيصبح شخصا مختلفا تماما عما كان طوال حياته من قبل ، وليسأل كل شخص محترف لهذه الصفحات نفسه بأمانة ، كم تغير للأسوأ أو الأفضل مقارنة بسنوات سابقة ، وليحذر كل منا أن يخدع نفسه ، فيصدق نزعة الكبر والتنطع على النفس ، التي اكتسبها من صفحات التواصل بسلاسة ومتعة عبر سنوات مضت ، والتي رغم أنه قد وجد فيها البديل المريح من صراعات العلاقات الإنسانية الحقيقية ، ولكنها في النهاية عالم خيالي افتراضي ، سيتركك محطما أو محبطا وحدك ، ولا منقذ لك إلا نفسك وواقع حياتك التي فرطت فيه لصالح هذا العالم الخيالي المدمر .

أخيرا .. لا تنتظر كإنسان مطلقا .. أن يجبرك أحد على خلع نقابك الأليكتروني ، أو أنك سوف تتغير غدا بدون وقفة مع النفس ، لتنقذ ما يمكن إنقاذه من عقلك وصحتك المعرضة لكم مهول من الأضرار الإشعاعية النافذة من جهازك مباشرة لخلايا مخك العضبية لساعات طويلة ، أو لإنقاذ حياتك النفسية والاجتماعية التي تنهار بسلاسة رهيبة ولذيذة ، والأخطر أنها تصنع منك إنسانا متوحدا وكاذبا مضللا ، يعيش في خيالات دائمة وأكاذيب مستمرة ، والأخطر أنها تملأ حيز عقلك العظيم بهراءات وهرتلات تفسد استقراره وتشغله وتتلف مفاهيمه وتخطفه من ضروريات وقيم حياته الحقيقية ، لتلقي به باستمتاع في غياهب الفشل والتدهور النفسي والاجتماعي والعلمي ، وبمعلومات لا قيمة لها كثيرا ، بل ربما لا تهمك ولكنها تخطفك وتشغلك عما هو الأهم في حياتك ومستقبلك ، فإن لم تستطع أن توقف انحدارك السريع ، وتفرغ عقلك لما هو ضروري ، وتنظم وقتك ما بين قليل من المتعة والاطلاع على العلوم المهمة وبعضا من خيالات البشر كترفيه مطلوب ، وما بين ما لابد وأن تراعيه لنفسك نفسيا وشخصيا واجتماعيا وما يجب أن تتعلمه وتعمله وتعتني به ، فلا تلومن سيدي وسيدتي إلا أنفسكم ، “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” …
جمال عمر