
لماذا يجب أن يربي الإنسان أولاده ، ولماذا هذا الاهتمام البالغ بالتربية من الإنسان عبر التاريخ .. سؤال يتردد كثيرا في مخيلتي ، ورغم أن إجابته بديهية ويعرفها حتى الأطفال ولكن هنا سنتوقف عند أهم ما يجب أن نفهمه ونضعه نصب العيون ونحن نربي أبناءنا ، فالموضوع ليس عشوائيا ولا مجرد تربية الأبناء على ما تعلمناه وتعودنا عليه ، لأن التربية هي ترويض نفوس متمردة بفطرتها ، فالنفس البشرية متمردة بالفطرة وذلك بلاغ الله لنا .. {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }القيامة5 ، فكل منا يتمنى في قرارة نفسه لو يستطيع أن يفعل ما يشاء دون حدود أو قيود ، والأخطر أن النفس البشرية بفطرتها { .. إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }يوسف53 ، وتلك حقيقة فطرية ، فكل نفوسنا تتخيل لو تستطيع فعل الخطير والغريب ، خاصة عندما تقع النفس تحت ضغوط القهر أو الظلم أو الإذلال ، وليس هاتان الفطرتان فقط هي ما تهدد استقرار البشرية ، ولكن هناك صفة فطرية أهم وأخطر من التمرد والأمر بالسوء كفطرتان ، ألا وهي صفة (الإبداع) الفطرية .. وهي الرغبة الفطرية للإتيان بالجديد .

نعم (الإبداع) .. فهو الرغبة الفطرية في نفس كل إنسان منذ يومه الأول على الدنيا ، ومع أول صرخاته بعد الولادة ، فالنفس دوما مشتعلة بهذه الرغبة ، والتي لا راد لها ولا هوادة فيها ، فكل نفس تريد دوما أن تأتي بجديد لم يأتي به أحد من قبله ، وهذه الرغبة الفطرية يمنحها الخالق العظيم لفئة العمار في كونه ، لتكون لهم دافعا لتطوير حياتهم ، وحافزا للاجتهاد والعمل والكد والكدح من أجل الجديد ، وبالتالي فالإبداع هو أهم أسرار إعمار الأرض ونجاح الاستخلاف على الأرض ، وبدون فطرة الإبداع لكنا اليوم ما زلنا نسكن الكهوف ، ونرتدي أوراق الشجر ، ونصارع الحيوانات على البقاء والسيطرة ، ولكنا مستسلمين كسالى لا يحركنا سوى الغرائز البدائية مثل الحيوانات ، فالكلب مثلا ما زال عبر ملايين سنواته على الأرض ينام في أي مكان ويأكل كل ما يصل لفمه ويقضي حاجته في أي مكان بلا تمييز أواعتبارات ، وكذلك الغالبية العظمى من مخلوقات الله ، حتى بعض المخلوقات التي منحها الله تميزا بإنشاء مستعمراتها كالنمل والنحل لا تخرج عن إطار ما جعله الله نمطا ثابتا في حركة حياتها ، فلم نرى سفينة فضاء صنعها النمل أو صممتها نحلة أو يقودها قرد أو سمكة سردين أو خفاش .

فالإبداع (الرغبة في الإتيان بالجدديد) هو الدافع والحافز الفطري لتطوير حركة حياة البشر على الأرض ، وبالإبداع تطورت الحياة كثيرا ، فابن آدم ينتج كل يوم اختراع واكتشاف جديد يغير شكل الحياة ويضيف أشياء جديدة لحياة الإنسان ، ولكن ذلك لا يكون صحيحا إلا بالاستخدام الصحيح لفطرة الإبداع ، لأن ابن آدم كثيرا ما يقع ضحية الاستخدام السيء للإبداع ، فطفلك الصغير تدفعه فطرة الإبداع أن يثبت لك أنه متميز عن إخيه ، فإذا فشل ولم يجد ما يميزه أمامك ادعى كذبا أنه فعل ما لم يفعله ، فإذا لم يجد ما يدعي فعله ، ادعى كذبا على اخوته أو نظرائه أنهم فعلوا شيئا سيئا ليظل هو الأفضل لديك ، وبالرغم أن ذلك كان تصرفا طفوليا ، إلا أنه خطا أحمر وعلامة تحذير قوية أن طفلك يحتاج للتقويم والتربية ، لأن هذا التصرف سوف يعتاد عليه ويستسهله ويتحول به لكاذب متمرس ومدعي خطير يفسد حياة غيره ليشعر أنه الأفضل ، وهو بذلك نواة مجرم خطير لو ترك له الحبل على غاربه بحجة صغره .

ولذلك لا عجب أن المجتمعات تنهار فيها الأخلاق والقيم بسوء التربية ، مثلما نرى ذلك جليا وواضحا في المجتمعات الغربية حيث تجد الغالبية العظمى لا يعرف له والدا ، وأكثر من 70% منالناس قد تربى في ملاجيء أو بيوت بديلة ، وبالتالي فلا قيم ولا مباديء سوى المنفعة الشخصية على حساب أي شيء وأي شخص ، برغم القوانين والعقوبات الصارمة ، وهو ما تراه جليا في انفجارمعدلات الجريمة لو غابت الرقابة أو انقطعت الكهرباء حتى عن العاصمة أو نيويورك ، بل أخطر من ذلك سوف تجد العنصرية النفسية هي من أبرز سمات المواطن الأمريكي والأوروبي ، حتى بين بعضهم البعض في الدولة الواحدة ، فهناك من يرى نفسه من جنس متفوق ، والبعض من أحفاد السمية ، والآخرون من دول أوروبا الشرقية الأقل عرقا وجنسا ، والبعض من آسيا والآخرون مسلمون وترى قمة العنصرية في تعاملات الشرطة والقضاء والمباحث الفيدرالية مع أفراد المجتمع الواحد .

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد ، بل تحول منذ عقود طويلة مضت ، إلى حقد مجتمعي وسياسي من الأوربيون والأمريكان على العرب والمسلمين ، فقط لأن لديهم ترابط أسري ، وكل منهم يعرف والده وعمه وخاله ويتباهون بعائلاتهم ، وتخطى الأمر الحقد النفسي وتعداه إلى مؤامرات ممنهجة لإفساد المجتمعات المسلمة ، ووجدوا في الانفتاح الأثيري عبر الانترنت الفرصة السحرية لدخول كل بيت عربي ومسلم وتدمير قيمه بكل ما يثير الغرائز ، ويزين الانحراف ويدمر أخلاقيات البيوت والمجتمعات باسم التطور والتقدم ، حتى رأينا فنانين (رسل الفساد) وهم يتباهون بالمساكنة والأم العزباء والعلاقات الجنسية دون حدود أو قيود تحت مسميات الحرية والتطور ، وتبعهم كثير من شباب الأسر المتسيبة خاصة من اغتنت من الانحراف والمخدرات والتجارات المحرمة ، ورأينا الإبداع في أساليب استقطاب الشباب وتضليله ، فبينما تمنع جامعات أوروبا وأمريكا دخول الطلبة للحرم الجامعي بملابس خليعة أو مثيرة ، نرى شبابنا المسلم ينتشر بينهم السراويل الضيقة لتدمر رجول الرجال ، وتثير شهواتهم بسراويل البنات والسيدات .

والأمر في حقيقته أخطر وأكبر من احتمالات فساد تربية طفل أو حتى جيل من الشباب ، لأن من هذه النوعية من البشر ، أنتجت البشرية خدام إبليس ومن يستخمون الإبداع لتزوير قيم الله في خلقه ، فخدام إبليس هم من زوروا رسالات الله لعباده عبر التاريخ ، بداية من أوراق إدريس ومرورا بالتوراة والإنجيل واللذان اختفت النسخ الأصلية لهما في الفاتيكان ، وألفوا الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ، وراعى خدام إبليس مليء الكتاب المقدس بكل أشكال الخرافات والانحرافات الجنسية والعلمية والمنطقية ليكون حاملا لأدلة فشله وتحريفه ، ونتج عن ذلك أن تحول الغالبية العظمى من المسيحيين للإلحاد وحصر الدين في المناسبات ، بل وبارك الفاتيكان زواج الشواذ من بعضهم البعض ، بل وباركت كنائس أوربية في زواج النساء بالكلاب ، وتبنت أمريكا وأوروبا قوانين نشر الشذوذ وتشجيعه بالقوانين ، لدرجة محاولات فرضه على الدول العربية والمسلمة كشروط للتعاون والتعاملات الدولية ، وأصبحت سيطرة إبليس على بعض البشر معلنة ويتباهون بها ، وهو ما ينذر بسخط الله وغضبه على البشر واقتراب عقاب الله المدمر .

ولعل (الإبداع) والذي كان سوء استخدامه سببا مباشرا في انحدار وانهيار قيم البشر على الأرض ، أن يكون هو المنقذ للبشرية لو أذن الله لبعض خلقه أن يجددوا دين الله وينقذوا البشرية من ضلالاتها ، فالله وحده هو القادر على تصحيح مسار البشر بأيدي بعض عباده ، وذلك لأن المسلمين وهم من يفترض أنهم الملة الوحيدة صاحبة الكتاب الوحيد الصادق والمحفوظ بقرار الله .. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9 ، قد انجرفوا لتزوير مفاهيم دين الله لدرجة أنهم أضبحوا يعيشون في زخم من الضلالات المقدسة ، والتي تخالف آيات كتاب الله ، ولا يجرؤ أحد أن يواجه تلك الضلالات خوفا من تهم ازدراء الأديان وهجوم من يرون أنفسهم أوصياء على الدين ووكلاء الله على الأرض ، رغم أنهم يعترفون أنهم نقلة علم دون تدبر أو تعقل ، ويرون في أي تدبر تهديدا وجوديا للدين ، وهو ما نتج عنه تشويه سمعة المسلمين في العالم ، وهم لا يحركون ساكنا ، ويدعون أن الفقه وعدد آيات أقل (200) مئتي آية هو دين الله ، وينكرون حقيقة أن 60% من آيات كتاب الله هي آيات علوم بحتة ، أنزلها الله دستورا لحياة البشر وهي صلب الأساسا في دين الله .

أخيرا … ينسى كثير من أعوان إبليس من الكافرين والمشركين والملحدين في الدنيا أن الله غالب على أمره ، وأنه سبحانه يمهل عباده ولا يهملهم ، ولعلهم يرجعون ، ولا يعلمون أن الله قال في محكم تنزيله وقوله الحق .. {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }المجادلة21 ، ويتناسى من يصرون على الحفاظ على تزوير مفاهيم دين الله من المسلمين أنهم يعينون إبليس عن جهل وحماقة ، ولو أنهم تدبروا وأخلصوا النوايا لله ، لأصلح الله بهم وأصلح بالهم ورفع شأنهم وذكرهم ، وهم يعلمون أن من يصر على الضلالات هو مرتد عن دين الله ومبتدع لدين موازي ، وأن الله قادر أن يستبدل من ارتد عن دين الله مفضلا ضلالات دنياه على دينه .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }المائدة54 ، فالله لا يقبل المساومة ولا إشراك البشر وضلالاتهم في حكمه { … إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }الطلاق3 …
جمال عمر
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر