الاتزان الكوني .. والشفرة الإلهية (2) …. بقلم : جمال عمر

استعرضنا سابقا بعض دلائل الاتزان الكوني ، المحفوظ بالشفرة الإلهية في تكوين الخلق وحركة حياة المخلوقات ، وتوقفنا عند تطور الحضارات وتأثير الشفرة الإلهية على قدرة أي حضارة على الاستمرار تبعا لمدى التزامها بنواميس الشفرة الإلهية ، ثم توقفنا عند أهم صور العلاقات الإنسانية ، وهي العلاقة بين الذكر والأنثى ، ورأينا كيف يختل الاتزان الكوني في تلك العلاقة عندما تكون عشوائية تبعا للأهواء البشرية ، وكيف تستقيم هذه العلاقة عندما تخضع لمنظومة الزواج التي علمنا إياها الخالق العظيم ، وبل وعرفنا لماذا تختل كثيرا من الزيجات كنتيجة مباشرة لعدم مراعاة الحفاظ على الشفرة الإلهية ، وهي احترام الميثاق الغليظ الذي يأخذه الله من الزوجين ، والذي يستوجب بداية تحقيق شروط القوامة ، وثانيا يستوجب وجود المودة والرحمة في إطار الحفاظ على الأدوار وعدم خلطها والتفريط فيها تحت ضغط حملات التدمير الغربية ، وشعارات المساواة والشراكة والندية وتحقيق المرأة لذاتها والتربية الحديثة ، وهو ما أخل بالاتزان الكوني في هذه العلاقة ، فرأينا ما يعاني منه العالم جميعا من صراعات وتدهور للأخلاق والقيم ، وانهيار الدول وتشويه الشعوب الغبية التي صدقت ادعاءات هذه المؤامرات .

ولابد أن نذكر أنفسنا بما وقعنا فيه ، وما زلنا نصر بحماقة على استمراره ، وهو الإصرار على عمل المرأة خارج البيت ، رغم أن أصحاب هذه الفكرة في الغرب ، قد عدلوا عن الفكرة تماما بعد دراسة علمية استمرت 50 سنة ، من بعد الحرب العالمية (1946 : 1995)م ، وبعد أن صدقناهم ورفضنا قرار الله في كتابه العزيز ، (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) ، واعتبرناه تخلفا ومخالفا لقيم الحضارة والتطور ، فإذا الله يخزينا ويكشف غباءنا وحماقتنا وجريمتنا في حق أنفسنا ، باعتراف الغرب بأن خروج المرأة للعمل قد هدم قيم المجتمعات وتسبب في تفكيكها وأدى لانتشار الانحراف والفساد ، ويهدد كل ما أنجزوه حضاريا بالانهيار السريع ، بعد اختفاء علاقات الزواج ، وانتشار العلاقات المحرمة ومعها الأمراض القاتلة والجرائم الاجتماعية وتشريد الأطفال ، وما يستتبعه من عقد نفسية أخرجت أجيال مدمرة وفاشلة تهدد استمرار التقدم والحضارة من أساسها . ومع ذلك ما زلنا مصرين على الغباء والحماقة ، وما زلنا ندفع الثمن غاليا من أجيالنا ومستقبلها ، خاصة بعد سقوط مجتمعاتنا ضحايا للتواصل الاجتماعي والفضائيات ، والمؤامرات الممنهجة لهدم الأسر وتفكيكها ، وتخريب عقول ونفوس الشباب ، وهو ما سيؤدي لرفض كثير من القراء لما أقوله ، لأنه يخالف واقعا اعتادوا عليه واستمرأوه .

وإذا أمعنا النظر في حركة حياتنا ومن حولنا ، فسوف نلاحظ أشياء صغيرة ولكن مدلولاتها كبيرة ومهمة ، فمثلا .. نسأل أنفسنا أحيانا ، لماذا لا يجد الفقراء والمعدمين فرصتهم للتعلم والرقي بمستويات حياتهم ، ولكنك بعد عبور سن الرشد (40 سنة) كما حدده الخالق العظيم ، { … حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً … }الأحقاف15 ، تختلف رؤيتك للأشياء والأحوال كثيرا ، فلو استطاع كل الشباب أن يتفوق علميا ، وأصبحوا جميعا في مراكز مرموقة ووظائف فاخرة (أطباء ومهندسين وأساتذة وعلماء وأدباء وفلاسفة و … ) ، فمن سيكون عاملا وحارسا ونادلا ، ومن سوف يقود السيارات والقطارات ومن سيصلحها ، ومن سوف يجمع القمامة ، ومن سوف يزرع الأرض ومن سوف يتاجر ويعمل في الأسواق ، باختصار .. فمن سوف يقوم بالأعمال الدنيا والتي يحتقرها البعض جهلا وحمقا ، ونتذكر سويا أن مصر اليوم تعاني من تبعات قرار ثوري اتخذه زعيم الثورة عام 1952م (جمال عبد الناصر) ، بمجانية التعليم حتى المستوى الجامعي ، وهو ما فرخ لنا ملايين الشباب حاملي الشهادات الجامعية ، ولكنهم عاطلين وبلا وظيفة ، وما زلنا نعاني من بقايا المشكلة ، لأننا لم نراعي الشفرة الإلهية ، والتي أشار إليها في كثير من آياته الكريمة بقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، وقوله تعالى .. {انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً }الإسراء21 ، وقوله تعالى .. {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }الزخرف32 ، وقوله تعالى .. { .. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }المجادلة11 .

فمن متطلبات الاتزان الكوني في حركة الحياة أن يكون الناس درجات مختلفة ، ويكون الجميع في حاجة للجميع ، فالفقير يحتاج لمال الغني ، والغني يحتاج لجهد الفقير ، والوزير يحتاج للغفير ليحرسه والخفير يحتاج لمال وسلطة الوزير لقضاء جوائجه ، وكل منهم مكلف ومحاسب على قدر درجته ومهنته وقدراته ومكانته وعلمه ودرجة اتقانه لعمله ، وهو ما يحافظ على الشفرة الإلهية في حركة حياة البشر ، فالكل يحتاج للطبيب ليعالج أمراضه ، والطبيب يحتاج لأموالهم ليحيا حياة تعينه أن يتقن عمله ، وتلك حكمة ناموس الحياة بين الضعف والاحتياج ، وذلك لتستمر عملية الاستخلاف على الأرض ، وتستقيم العلاقات بين البشر ، وهو ما يحافظ على الاتزان الكوني في حركة حياة البشر ، ولكن المشكلة الأزلية في فساد النفوس التي تحتقر وتسخر من صاحب الحرفة أو المهنة المتواضعة ، ظنا واعتقادا أن الله ميزهم عن غيرهم لأنهم يستحقون ذلك ، ويجهلون أنها مجرد معطيات محاسبون عليها ، وكلما كانت معطيات الله قليلة كلما كان الحساب يسيرا ، وكلما زادت معطيات الله كلما كان الحساب عليها عسيرا ، وناهينا عن نظرة البعض المشركة بالله ، بأن هذه الأفكار هي أفكار دينية قاصرة ، ليخزيهم الله تعالى عندما يرون دولة مثل اليابان تمجد جامعي القمامة وتصنع لهم نصبا تذكاريا ، تحترم فيه عملهم وترفع شأنهم ، وفي النهاية نصبح نحن أرض الديانات ومهد الحضارة نموذجا فاشلا حضاريا ونفسيا ودينيا ، وما زلنا نجهل حقيقة مفاهيم الاتزان الكوني في حركة حياة البشر .

تقديرا من الشعب الياباني عملت التماثيل لرجال النظافة

والمتدبر لما يحدث في العالم اليوم سوف يكتشف حكمة الله في تحقيق الاتزان الكوني في حركة حياة البشر في كل شيء ، فمثلا .. الولايات المتحدة الامريكية بدأت حضارتها على يد الماسونية ، والتي اختارت أن تبدأ تلك الحضارة بمجموعة من المجرمين المنفيين من أوروبا لخطورتهم ، وبدأوا باحتلال الأرض الأمريكية وتصفية أكثر من 50 مليونا من سكانها الأصليين ، ثم استقدام العبيد الأفارقة لتسخيرهم في صناعة حضارتهم ، ونجحوا بالفعل في بناء أقوى دولة في العالم في غضون ثلاثة قرون دموية ، فلما استتب لهم الأمر بنهاية الحرب العالمية الثانية ، بدأوا سلسلة مذابحهم خارج أرضهم في كل مكان في العالم ، فقتلوا الملايين وشردوا الشعوب ونهبوا الثروات في معظم بقاع الأرض ، وأشهرها فيتنام وأفغانستان وأمريكا اللاتينية والعراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن والسودان والصومال ، وظلوا يكذبون ويروجون لشعارات مزيفة لاختراق الشعوب والأمم ، حتى وصلوا اليوم لمرحلة الوقاحة والبجاحة ، فأعلنوا نواياهم مجردة على لسان خادم الماسونية المجنون ترامب ، وداخليا أصبحت أمريكا أرض الموبقات والعصابات الدولية والأقليات المتناحرة وألميليشيات العنصرية ، وكأنها بركان يغلي ويقترب انفجاره في أية لحظة ، ولا مانع لدى قيادات الماسونية من تفجيرها وإسقاطها ، الذي اقترب بشدة ، ولكن لابد وأن يكون هناك فائدة قصوى منها للماسونية التي صنعتها .

‫🔥 عاجل… أمريكا تنهار بالكامل ونتنياهو على وشك السقوط ونهاية الكيان تقترب  بسرعة جنونية! - YouTube‬‎

وهنا نتوقف لنرى أن الشفرة الإلهية مسيطرة على المشهد ، فمعطيات التقدم التكنولوجي المعاصر ، من المفروض أن تضمن بقاء أية حضارة كبرى مثل أمريكا لأكثر من عشرة قرون ، ولكن ما فعله قادة أمريكا داخليا وخارجيا ، نخر في عظام هذه الحضارة ، فلم تصل فترة جلوسها على القمة إلى قرن واحد ، وبدأت في التفكك بسرعة كبيرة ، لأنهم خالفوا الناموس الإلهي في خلقه ، بداية من خداع الشعب الأمريكي وتوريط أبنائه في حروب خارجية لا يستفيد منها سوى الصهاينة وقادة الماسونية ، وهو ما نتج عنه وجود الملايين من المعقدين نفسيا ، ومحترفي الجرائم المتسلسلة وزعماء عصابات السلاح والمخدرات وتجارة البشر ، وسقطت الحكومة الأمريكية في مستنقعات الفساد والانحراف ، بداية من تقنين الشذوذ وفرضه بالقانون ، وهو ما يعكس شراسة تحكم الأهواء في حركة حياتهم ، كما أنهم كانوا حريصين على سرقة العلماء من جميع بقاع الأرض ، وهو ما قتل الإنتماء والولاء ، وأصبح الولاء الوحيد هو للمال والثراء والترف ، وهو ما نراه جليا في أثرياء أمريكا ، وأخيرا أصبح الكذب وانعدام الضمير قيما مباديء تحميها القوانين ، فدفعوا الثمن غاليا ، باستعداد الجميع للخيانة بالثمن المناسب ، وأصبح قادتهم جميعا دمى وكلاب حراسة للماسونية والصهيونية ، وليذهب الشعب الأمريكي للجحيم .

THE OTHER: خيرة علماء المسلمين الذين إرتدوا عن الإسلام

ولا وجه للمقارنة بين أمريكا وبين حضارات المسلمين ، لأن المسلمين ظلوا أسياد العالم وأرض العلم والحضارة لأكثر من ثمانية قرون ، وهو ما لم تصل إليه أية حضارة من قبل مهما كانت عظيمة ، وتقول دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية الياباني ، أن أهم أسباب استمرار الحضارة ، هو الحفاظ على قيم ومباديء راسخة في وجدان الشعب عبر القرون وليس السنوات ، ولولا أن المسلمين فرطوا في مفاهيم دينهم الصحيحة ، وسمحوا لجواسيس اليهود كالعادة أن يصبحوا علماء للدين بينهم ، فتم تزوير معظم المفاهيم الأساسية لدين الله ، لما انهارت الحضارة الاسلامية في قرون سريعا ، ولما انقضت عليها بريطانيا وفرنسا وأمريكا ليتقاسموا نهب ثرواتها ، واختلالها بحجة حماية العروش ، حتى أصبح عدد القواعد الأمريكية والغربية في دول الخليج النفطية أكثر من ثلاثين قاعدة عسكرية ، تمتلك منها أمريكا 27 قاعدة عسكرية ، وهو أكبر من قوات أي احتلال عسكري لدولة ، ولكنه برضا ومباركة أصحاب العروش المهزوزة والمهترئة ، وهو ما سوف يكون سببا في زوال هذه العروش قريبا ، لأنهم تخطوا الخطوط الحمراء لناموس الخالق في حركة حياة البشر .

ولا شك أن .. لدينا مثال عجيب لدولة لا تخضع لأحد ، كانت على حافة الهاوية بعد عقود طويلة من التبعية والطاعة للغرب ، فإذا بها وهي على حافة هاوية التقسيم ، تنتفض وتصمد وتلفظ خبثها ، وتستعيد عافيتها ، ثم تصبح أقوى دول الشرق الأوسط ، ورغم كل المؤامرات المتزايدة ، تتقدم وتتجاوز عثراتها ، بل وترفض الانصياع للغرب وأمريكا ، بل وتجبر الجميع على احترام إرادتها ، ثم في لحظة توقع العالم كله بأن أمريكا سوف تعاقب مصر ، فوجئنا بأن أمريكا تقدم حوافز وجوائز لمصر ، بل ورئيس أمريكا يعتذر للسيسي ويطلب منه قبول اعتذاره ، فهو لم يكن يقدم سوى مقترحات قابلة للرفض والقبول ، وما بين مفاجأة الاعتذار وواقع فوارق القوة والمواقف على أرض الواقع ، لابد وأن نلاحظ أن ما حدث ليس إلا تنفيذا مذهلا للاتزان الكوني ، فما يخضع ترامب لإرادة السيسي ليس إلا دليلا قاطعا على أن الله يخضع أي شيء لمن يتوكل عليه ، فما حدث يضرب الله به مثالا حيا لنصره لمن يتمسك بدينه وقيمه وكلمته ، ويتوكل على الله حق توكله ، وإثباتا حيا لقوله تعالى ..{ .. وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }النساء141 ، ورغم شكوك البعض ورفض آخرين لهذه الفكرة ، فتلك هي الحقيقة ، وإلا فلماذا هذا السيسي فقط هو وحده من يأخذ كل ما يريد ، ومن أي دولة ، وكيف استطاع إعادة بناء جيشه بهذه القوة وبهذه السرعة ، وكيف فشلت جميع محاولات اغتياله والتي تعدت (1100) محاولة ، ولماذا هو وحده من تستقبله الدول العظمى استقبال العظماء .

أخيرا … كل ما سبق ما زلنا في مقدمة موضوعنا الأساسي وهو الشفرة الإلهية والاتزان الكوني ، فهذا الموضوع يحتاج منا فهما مبسطا للتوازن الكوني الذي يفرضه ناموس الخالق في حركة حياة خلقه ، لأن الاتزان الكوني لا يعني ما تراه عيوننا حولنا من إعجازات الخلق ، ولا إبداع الاتزان الكوني فيها فقط ، ولكن تعني ما لا تراه عيوننا وخارج قدرات حواسنا ، وهو ما لابد للإنسان من معرفته وفهمه وإدراك إبعاده ، على الأقل ليفهم قدره الحقيقي في الكون ، ويدرك حقيقة قصته من بدايتها إلى نهايتها في يوم القيامة ، والتي نجهلها وندعي فيها بالأساطير والأوهام ، لأننا نجهل إبداع الخالق في كونه ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

عالم النفوس .. بين الحقيقة والخيال (1) …. بقلم : جمال عمر

دخلت فتاة فرنسية تبلغ 19 عاماً تُدعى كليليا فيردييه، في غيبوبة طبية بعد محاولة لإنهاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *