الموت .. بين الحقيقة والأوهام (3) …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
9 يونيو، 2025
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
674 زيارة

توقفنا من قبل عند حقيقة أن الله قد شطر النفس قسمين متماثلين ، وكل نفس منهما قابلة للدخول (الإنشاء) في جسد ذكر أو جسد أنثى ، ليتوافر لكل نفس ما يصلح أن يكون زوجا لها من النوع الآخر ، وكل منهما هي نفس ناقصة تحتاج لما يكملها ، وتلك هي حكمة الدنيا المبنية على الضعف والاحتياج ، لتكون محاولات التكامل بينهما كذكر وأنثى هي بداية ميلاد أجيال جديدة ليستمر الاستخلاف ، وهكذا هي كل صور حياة مخلوقات الله على الأرض ، وكان من الممكن أن لا ننتبه جيدا لهذا التصنيف وقسمة النفس ، إلا أنه سبحانه شاء أن ينبهنا ويربط لنا التسلسل المنطقي لحياة النفوس ومآلها ، بمشهد كبير من أحداث يوم القيامة ، وذلك بتزويج النفوس (وإذا النفوس زوجت) ، وهي النفوس التي انقسمت لضرورة الحياة على الأرض ، وحينها يختفي الوالدة والوالدة والأعمام والأخوال والأنساب ، فيؤكد سبحانه على ذلك بقوله ، {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 ، نعم اختفت الأنساب ، ولا يتسائل عنها أحد ، لأنهم اكتشفوا الحقيقة ، فكل ما مضى من أنساب كان متكرر لممارسة الاختبارات بين النفوس في الدنيا ، ولا داع مطلقا لاستمرار انقسام النفوس ، وما يتبعها من أنساب.

ولو أعدنا التوقف عند المشهد السابع من مشاهد يوم القيامة في سورة التكوير { .. وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} التكوير7 ، نجد أن النفوس التي كانت ناقصة لحكمة استمرار الاستخلاف على الأرض ، يتم تزويجها مباشرة بعد انتهاء الدنيا ووصولنا ليوم القيامة ، فلم يعد هناك سبب أو داع لاستمرار انقسام النفس ونقصها ، فيتم تزويجها كأحد أهم أحداث يوم القيامة ، وذلك قبل أن يكون هناك حساب ولا ميزان ، وهنا لابد وأن نتوقف كثيرا عند مفهوم تزويج النفوس ، التي أنشأها الله بقسمتها وذلك لخلق زوج لها منها ، فعند قيام الساعة لن تكون هناك نفوسا ناقصة ، ولن يكون هناك آباء ولا أمهات ولا أخوة ولا أنساب ، فقد اختفى كل أساس (الأب والأم) ، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ، فكل نفس كانت يوما ما (أبا) للبعض و(أما) للبعض و(عما وخالتا) للبعض و (جدا أو جدة) للبعض ، وكل ذلك اختفى وتلاشى باختفاء النفوس الناقصة (بتزويج النفوس) ، وبتمام عملية التزويج هذه ، تكون النفس قد عادت لمستقرها ، الذي أخببرنا عنه سبحانه بقوله .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، وبهذه العودة لم يعد هناك معنى لخرافات زواج الرجال من حور العين ، وحيرة النساء فيما لها يوم القيامة ، فحور العين للنفس الكاملة .

ويتبادر للذهن سريعا ، وكيف سيكون شكل الحساب للنفوس ، وكيف بنفسي الحالية وهي نصف نفس ، عاشت حيوات كثيرة على الأرض ولها كتاب حساب خاص مسجل فيه نتائج وأحداث تلك الحيوات ، والنصف الآخر لنفسي كذلك سوف يكون سجل حسابه عن حيوات عاشها ، وبالتالي سوف يكون هناك اختلاف كبير بين حساب كل (نصف) نفس منا ، فإذا عدنا نفسا واحدة كاملة ، فكيف سيكون حسابنا معا ، هل سيكون محصلة الحسابين (خيرا وشرا) ، أم هناك شكل آخر للحساب ؟؟ ، وهنا نتوقف عن ارهاق عقولنا بما ليس في قدراتنا حسابه أو تقديره ، لأسباب كثيرة ، أولا .. لأننا قد عرفنا أن الله يرد الديون خلال رحلات الاختبار لكل نفس ، بمعنى أن كل نفس بمجرد خروجها من جسد لآخر مرة للوفاة ، يتوفاها ملك الموت ومعه رسل الله ، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ }الأنعام61 ، هذه الرسل هي حفظة ، يحفظون النفس ، ثم يسألونها عن أساسيات سبعة بعينها ، أولها ما عرفناه من أحاديث رسول الله ، وهي (1) إيمانه بالله (فمن ربك) ، (2) دينه الذي مات عليه ، (3) النبي الذي صدق رسالته ، (4) نوعي صلاته (الصلاة والصلة بالله) هل أداها أم ضيعها ، (5) عمره فيما أفناه ، (6) ماله مما اكتسبه وفيما أنفقه (7) ديونه التي تحملها من عباد الله .

وهذه الأسئلة لا ثواب عليها ولا عقاب ، ولكنها تذكرة بما كان عليه في الدنيا ، وما سوف يكون في رحلته التالية ، وبناء على إجاباته عن هذه الأسئلة ، سوف تتحدد كثيرا من معطيات حياته التالية ، خاصة السؤال السابع ، وهو الديون التي تحملتها النفس من عباد الله في حياتها ، فلو كانت النفس معتادة على الصدق في الدنيا ، فسوف تعترف بديونها { قتلت فلانا ، وعذبت فلانا ، وأخذت حق فلان} ، ولو اعترفت بصدق عن ديونها ، فهي أمام احتمالين ، الأول أن تعود للدنيا لترد الدين فقط ، لو كانت مثلا قتلت طفلا رضيعا ، فلابد وأن تعود لتولد وتقتل في نفس ظروف جريمتها ، والاحتمال الثاني هو تحملها ديون لبالغين محاسبين ، وعندها لابد وأن تعود النفس لتولد وتحيا ويكون أحد اختباراتها الأساسية هو رد الدين الذي تحملته من قبل ، مثل رجل عذب امرأة في حياته السابقة لسنوات طويلة ، فعودته تكون في جسد انثى ، وتحيا لتذوق ما فعلته في حياتها السابقة على يد رجل في نفس الظروف ، أو امرأة تسببت في عاهة مستديمة متعمدة لطفل وعاش بها 50 سنة بعدها ، فلابد وأن تعود وتولد في جسد ذكر ، ويرزقه الله بما يصيبه بنفس العاهة ويعيش بها عمره مماثلا لما كان سببا فيه من قبل ، وذلك مفهوم قوله تعالى في سورة الواقعة ، {فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }الواقعة86 ، 87 ، وقول رسول الله { البر لا يبلى والذنب لا ينسى ، والديان لا يموت ، افعل ما شئت ، فكما تدين تدان } ، فكل الديون مردودة في الحياة ، وما لا يرد اليوم وأنتي حي فسوف يرد إليك في حياة قادمة ، إلا أن تكون كاذبا وتنكر الديون ، وتلك طامة كبرى لأن كذبك سوف يكلفك أن يرحل القصاص منك إلى يوم القيامة على الأشهاد .

والسبب الثاني لختلاف الحساب يوم القيامة عن كل خيالاتنا وتصوراتنا ، هي أننا ننظر للمسألة من منظور عقول محدودة القدرة على فهم قدرة الله على حساب خلقه ، بل والأخطر أن عقولنا قاصرة تماما عن فهم عجائب تدبير الله للنفوس في الدنيا ، رغم أننا نعرف جيدا أن ما يحدث معنا ولنا في حياتنا لا نملك فيه اختيارات حقيقية ، بل هي أوهام تصور لنا أننا نختار أن نفعل ما نشاء ، نعم نحن نختار في ضمائرنا ، في نوايانا ، ولكن ما يحدث كفعل واقع يشارك في حركة الحياة ، هو فقط مراد الله ومشيئته ، والأعجب أن اختياراتنا نفسها تكون مبنية على خلفية فكر وثقافة وظروف وبيئية وأيدولوجية ، وكلها بيد الله وحده ، تماما مثلما تحبس ولدك في غرفة وليس لها سوى باب واحد فمن المؤكد سيخرج منه أو حتى تجعل لها سبعة أبواب وكلهم جميعا يؤدون لمكان واحد ونتيجة واحدة ، فمهما كان اختياره فسوف يؤدي ما تريده أن يفعل ، وهكذا هي الدنيا وقدراتنا على الاختيار فيها ، فنحن نختار ما قدر الله لنا أن نختاره وا شاء سبحانه أن يحدث فقط ، ولا يمنع هذا أن نخترا ونريد ويحدث أشياء أخرى غيرها ، وذلك حتى لا ننسى أن الأمر بيد الله وحده ، {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }الإنسان30 ، {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }التكوير29 .

ثالثا .. من المؤكد أن جمع النفوس (تزويجها) وعودتها للتكامل سيغير طبيعة النفس التي نعرفها ونشعر بها الآن ، فما عاد هناك دافعا للإحساس بالنقص والاحتياج وما يستتبعها من رغبات وشهوات وأحقاد وغيرة وحسد وأنانية وغيرها ، وبالتالي فالحساب حينها لابد وأن يختلف ، وهو ما شاء الله أن يطلعنا على ملامحه فقط ، ونحن ما زلنا في رحلة اختباراتنا في الدنيا ، رابعا .. لأن الخالق العظيم قال لنا .. { .. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ }الأعراف156 ، فالرحمة لمن يتق الله ويجود برزق الله على عباده وهو مؤمن بالله بالغيب ، بل ومن هو يحسن الظن بالله ، القائل .. (أنا عند ظن عبدي بي ..) ، وهو سبحانه السائل لنا بقوله .. {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ }الصافات87 ، فإن ظن العبد بربه خيرا ، فله من الله كل الخير ، ومن أساء الظن بالله فله ظنه السيء ، ليصدق قول الحق المكرر تسعة مرات في كتابه العزيز (.. أنفسهم يظلمون) .. ، أشهرها قوله تعالى .. {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }يونس44 ، وقوله تعالى .. { .. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }العنكبوت40 ، وقوله تعالى .. { .. فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }التوبة70 ، وفي النهاية نحن على يقين بأنه سوف يكون هناك جدالا كبيرا في هذا الشأن ، ليصدق قول الحق فينا .. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً }الكهف54 .

خامسا .. وهو أمر جلل .. من قال لك أن حياتك التي تحياها الآن هي حياتك الوحيدة ، وأنها الحياة لمرة واحدة وبعدها سوف نظل في (البرزخ) ، أو في القبور حتى يوم القيامة ، ألم يصادفك حكم الله في هذا الاعتقاد قاطعا ومزلزلا بقوله تعالى .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24، حيث وصف سبحانه وتعالى هذا الاعتقاد (بالحياة لمرة واحدة) بأنه جهل بالحقائق ، وما هو إلا ظنون الجهلاء ، فما هي الحقيقة ؟؟ ، وهنا نتوقف عند حقائق أبسطها السؤال المكرر (أين نذهب بنفوسنا عند النوم وما حقيقة ما نراه ؟؟) ، والسؤال الأهم .. هل خطر على قلبك أنك ربما تنتقل من هذا الجسد الذي تتركه في حالة سكون إلى حياة أخرى بجسد آخر ، تعيش به في (زمكان آخر) ، بمعنى مكان وزمان مختلفين ، ولك فيهما جسد آخر حيا ، تتركه ساكنا (نائما) وتأتي للحياة في هذا (الزمكان) بجسدك الذي تعرفه جيدا ، وأن الساعات التي تقضيها نائما (غائبا) عن جسدك ، أنت تحياها بجسد آخر في (زمكان آخر) ، وهذه الساعات القليلة تقضيها هناك ربما ساعات أكثر وربما أياما ، لاختلاف معدلات تغير الزمان بين الحياتين ، وهل تلك حقيقة أم خيالات وأوهام … وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..
جمال عمر
سبحان الله العاطي الواهب النفس
تحياتي و تقديري لهذا المقال و جزاك الله كل الخير