الموت .. بين الحقيقة والأوهام (3) …. بقلم : جمال عمر

توقفنا من قبل عند حقيقة أن الله قد شطر النفس قسمين متماثلين ، وكل نفس منهما قابلة للدخول (الإنشاء) في جسد ذكر أو جسد أنثى ، ليتوافر لكل نفس ما يصلح أن يكون زوجا لها من النوع الآخر ، وكل منهما هي نفس ناقصة تحتاج لما يكملها ، وتلك هي حكمة الدنيا المبنية على الضعف والاحتياج ، لتكون محاولات التكامل بينهما كذكر وأنثى هي بداية ميلاد أجيال جديدة ليستمر الاستخلاف ، وهكذا هي كل صور حياة مخلوقات الله على الأرض ، وكان من الممكن أن لا ننتبه جيدا لهذا التصنيف وقسمة النفس ، إلا أنه سبحانه شاء أن ينبهنا ويربط لنا التسلسل المنطقي لحياة النفوس ومآلها ، بمشهد كبير من أحداث يوم القيامة ، وذلك بتزويج النفوس (وإذا النفوس زوجت) ، وهي النفوس التي انقسمت لضرورة الحياة على الأرض ، وحينها يختفي الوالدة والوالدة والأعمام والأخوال والأنساب ، فيؤكد سبحانه على ذلك بقوله ، {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 ، نعم اختفت الأنساب ، ولا يتسائل عنها أحد ، لأنهم اكتشفوا الحقيقة ، فكل ما مضى من أنساب كان متكرر لممارسة الاختبارات بين النفوس في الدنيا ، ولا داع مطلقا لاستمرار انقسام النفوس ، وما يتبعها من أنساب.

العائدة من عصر الفراعنة .. أم سيتي - YouTube

ولو أعدنا التوقف عند المشهد السابع من مشاهد يوم القيامة في سورة التكوير { .. وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} التكوير7 ، نجد أن النفوس التي كانت ناقصة لحكمة استمرار الاستخلاف على الأرض ، يتم تزويجها مباشرة بعد انتهاء الدنيا ووصولنا ليوم القيامة ، فلم يعد هناك سبب أو داع لاستمرار انقسام النفس ونقصها ، فيتم تزويجها كأحد أهم أحداث يوم القيامة ، وذلك قبل أن يكون هناك حساب ولا ميزان ، وهنا لابد وأن نتوقف كثيرا عند مفهوم تزويج النفوس ، التي أنشأها الله بقسمتها وذلك لخلق زوج لها منها ، فعند قيام الساعة لن تكون هناك نفوسا ناقصة ، ولن يكون هناك آباء ولا أمهات ولا أخوة ولا أنساب ، فقد اختفى كل أساس (الأب والأم) ، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ، فكل نفس كانت يوما ما (أبا) للبعض و(أما) للبعض و(عما وخالتا) للبعض و (جدا أو جدة) للبعض ، وكل ذلك اختفى وتلاشى باختفاء النفوس الناقصة (بتزويج النفوس) ، وبتمام عملية التزويج هذه ، تكون النفس قد عادت لمستقرها ، الذي أخببرنا عنه سبحانه بقوله .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، وبهذه العودة لم يعد هناك معنى لخرافات زواج الرجال من حور العين ، وحيرة النساء فيما لها يوم القيامة ، فحور العين للنفس الكاملة .

المكتوب .. ما بين الأرزاق والهبات (2) …. بقلم : جمال عمر – اقلام مصرية

ويتبادر للذهن سريعا ، وكيف سيكون شكل الحساب للنفوس ، وكيف بنفسي الحالية وهي نصف نفس ، عاشت حيوات كثيرة على الأرض ولها كتاب حساب خاص مسجل فيه نتائج وأحداث تلك الحيوات ، والنصف الآخر لنفسي كذلك سوف يكون سجل حسابه عن حيوات عاشها ، وبالتالي سوف يكون هناك اختلاف كبير بين حساب كل (نصف) نفس منا ، فإذا عدنا نفسا واحدة كاملة ، فكيف سيكون حسابنا معا ، هل سيكون محصلة الحسابين (خيرا وشرا) ، أم هناك شكل آخر للحساب ؟؟ ، وهنا نتوقف عن ارهاق عقولنا بما ليس في قدراتنا حسابه أو تقديره ، لأسباب كثيرة ، أولا .. لأننا قد عرفنا أن الله يرد الديون خلال رحلات الاختبار لكل نفس ، بمعنى أن كل نفس بمجرد خروجها من جسد لآخر مرة للوفاة ، يتوفاها ملك الموت ومعه رسل الله ، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ }الأنعام61 ، هذه الرسل هي حفظة ، يحفظون النفس ، ثم يسألونها عن أساسيات سبعة بعينها ، أولها ما عرفناه من أحاديث رسول الله ، وهي (1) إيمانه بالله (فمن ربك) ، (2) دينه الذي مات عليه ، (3) النبي الذي صدق رسالته ، (4) نوعي صلاته (الصلاة والصلة بالله) هل أداها أم ضيعها ، (5) عمره فيما أفناه ، (6) ماله مما اكتسبه وفيما أنفقه (7) ديونه التي تحملها من عباد الله .

ملك الموت بكى مرة واحدة وهو يقبض روح البشر – الشروق أونلاين

وهذه الأسئلة لا ثواب عليها ولا عقاب ، ولكنها تذكرة بما كان عليه في الدنيا ، وما سوف يكون في رحلته التالية ، وبناء على إجاباته عن هذه الأسئلة ، سوف تتحدد كثيرا من معطيات حياته التالية ، خاصة السؤال السابع ، وهو الديون التي تحملتها النفس من عباد الله في حياتها ، فلو كانت النفس معتادة على الصدق في الدنيا ، فسوف تعترف بديونها { قتلت فلانا ، وعذبت فلانا ، وأخذت حق فلان} ، ولو اعترفت بصدق عن ديونها ، فهي أمام احتمالين ، الأول أن تعود للدنيا لترد الدين فقط ، لو كانت مثلا قتلت طفلا رضيعا ، فلابد وأن تعود لتولد وتقتل في نفس ظروف جريمتها ، والاحتمال الثاني هو تحملها ديون لبالغين محاسبين ، وعندها لابد وأن تعود النفس لتولد وتحيا ويكون أحد اختباراتها الأساسية هو رد الدين الذي تحملته من قبل ، مثل رجل عذب امرأة في حياته السابقة لسنوات طويلة ، فعودته تكون في جسد انثى ، وتحيا لتذوق ما فعلته في حياتها السابقة على يد رجل في نفس الظروف ، أو امرأة تسببت في عاهة مستديمة متعمدة لطفل وعاش بها 50 سنة بعدها ، فلابد وأن تعود وتولد في جسد ذكر ، ويرزقه الله بما يصيبه بنفس العاهة ويعيش بها عمره مماثلا لما كان سببا فيه من قبل ، وذلك مفهوم قوله تعالى في سورة الواقعة ، {فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }الواقعة86 ، 87 ، وقول رسول الله { البر لا يبلى والذنب لا ينسى ، والديان لا يموت ، افعل ما شئت ، فكما تدين تدان } ، فكل الديون مردودة في الحياة ، وما لا يرد اليوم وأنتي حي فسوف يرد إليك في حياة قادمة ، إلا أن تكون كاذبا وتنكر الديون ، وتلك طامة كبرى لأن كذبك سوف يكلفك أن يرحل القصاص منك إلى يوم القيامة على الأشهاد .

تناسخ الارواح(كراس كوهةرين) في فلسفة الديانة الايزدية . خيري شنكالي تقمص  الروح أو التناسخ أو رجوع الروح إلى الحياة بجسد آخر هي فكرة فلسفية ودينية  وعلمية مرتبطة بالجسد والروح والذات. وهي عملية

والسبب الثاني لختلاف الحساب يوم القيامة عن كل خيالاتنا وتصوراتنا ، هي أننا ننظر للمسألة من منظور عقول محدودة القدرة على فهم قدرة الله على حساب خلقه ، بل والأخطر أن عقولنا قاصرة تماما عن فهم عجائب تدبير الله للنفوس في الدنيا ، رغم أننا نعرف جيدا أن ما يحدث معنا ولنا في حياتنا لا نملك فيه اختيارات حقيقية ، بل هي أوهام تصور لنا أننا نختار أن نفعل ما نشاء ، نعم نحن نختار في ضمائرنا ، في نوايانا ، ولكن ما يحدث كفعل واقع يشارك في حركة الحياة ، هو فقط مراد الله ومشيئته ، والأعجب أن اختياراتنا نفسها تكون مبنية على خلفية فكر وثقافة وظروف وبيئية وأيدولوجية ، وكلها بيد الله وحده ، تماما مثلما تحبس ولدك في غرفة وليس لها سوى باب واحد فمن المؤكد سيخرج منه أو حتى تجعل لها سبعة أبواب وكلهم جميعا يؤدون لمكان واحد ونتيجة واحدة ، فمهما كان اختياره فسوف يؤدي ما تريده أن يفعل ، وهكذا هي الدنيا وقدراتنا على الاختيار فيها ، فنحن نختار ما قدر الله لنا أن نختاره وا شاء سبحانه أن يحدث فقط ، ولا يمنع هذا أن نخترا ونريد ويحدث أشياء أخرى غيرها ، وذلك حتى لا ننسى أن الأمر بيد الله وحده ، {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }الإنسان30 ، {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }التكوير29 .

نظريات الحضارات القديمة في نشأة الكون وبدء الخلق

ثالثا .. من المؤكد أن جمع النفوس (تزويجها) وعودتها للتكامل سيغير طبيعة النفس التي نعرفها ونشعر بها الآن ، فما عاد هناك دافعا للإحساس بالنقص والاحتياج وما يستتبعها من رغبات وشهوات وأحقاد وغيرة وحسد وأنانية وغيرها ، وبالتالي فالحساب حينها لابد وأن يختلف ، وهو ما شاء الله أن يطلعنا على ملامحه فقط ، ونحن ما زلنا في رحلة اختباراتنا في الدنيا ، رابعا .. لأن الخالق العظيم قال لنا .. { .. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ }الأعراف156 ، فالرحمة لمن يتق الله ويجود برزق الله على عباده وهو مؤمن بالله بالغيب ، بل ومن هو يحسن الظن بالله ، القائل .. (أنا عند ظن عبدي بي ..) ، وهو سبحانه السائل لنا بقوله .. {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ }الصافات87 ، فإن ظن العبد بربه خيرا ، فله من الله كل الخير ، ومن أساء الظن بالله فله ظنه السيء ، ليصدق قول الحق المكرر تسعة مرات في كتابه العزيز (.. أنفسهم يظلمون) .. ، أشهرها قوله تعالى .. {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }يونس44 ، وقوله تعالى .. { .. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }العنكبوت40 ، وقوله تعالى .. { .. فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }التوبة70 ، وفي النهاية نحن على يقين بأنه سوف يكون هناك جدالا كبيرا في هذا الشأن ، ليصدق قول الحق فينا .. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً }الكهف54 .

حقيقة الأكوان المتعددة والاكوان المتوازية | هل هناك نسخة اخرى منك في الكون  الموازي؟ حقائق صادمة

خامسا .. وهو أمر جلل .. من قال لك أن حياتك التي تحياها الآن هي حياتك الوحيدة ، وأنها الحياة لمرة واحدة وبعدها سوف نظل في (البرزخ) ، أو في القبور حتى يوم القيامة ، ألم يصادفك حكم الله في هذا الاعتقاد قاطعا ومزلزلا بقوله تعالى .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24، حيث وصف سبحانه وتعالى هذا الاعتقاد (بالحياة لمرة واحدة) بأنه جهل بالحقائق ، وما هو إلا ظنون الجهلاء ، فما هي الحقيقة ؟؟ ، وهنا نتوقف عند حقائق أبسطها السؤال المكرر (أين نذهب بنفوسنا عند النوم وما حقيقة ما نراه ؟؟) ، والسؤال الأهم .. هل خطر على قلبك أنك ربما تنتقل من هذا الجسد الذي تتركه في حالة سكون إلى حياة أخرى بجسد آخر ، تعيش به في (زمكان آخر) ، بمعنى مكان وزمان مختلفين ، ولك فيهما جسد آخر حيا ، تتركه ساكنا (نائما) وتأتي للحياة في هذا (الزمكان) بجسدك الذي تعرفه جيدا ، وأن الساعات التي تقضيها نائما (غائبا) عن جسدك ، أنت تحياها بجسد آخر في (زمكان آخر) ، وهذه الساعات القليلة تقضيها هناك ربما ساعات أكثر وربما أياما ، لاختلاف معدلات تغير الزمان بين الحياتين ، وهل تلك حقيقة أم خيالات وأوهام … وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

تعليق واحد

  1. سبحان الله العاطي الواهب النفس
    تحياتي و تقديري لهذا المقال و جزاك الله كل الخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *