عزيزي الإنسان .. لا تكن فردا بالقطيع …. بقلم : جمال عمر

بعيدا عن شبح الحرب العالمية التي تبدو مهرولة نحو البشر ، واشتعال الصراعات في مختلف أرجاء المعمورة بيد ابن آدم المكلف بإعمارها بالعلم والعمل والكد والكدح ، وبعيدا عن هلع الإنسان وجزعه وعشقه للطمع والجشع وخطف حقوق غيره أملا أن تسعده ولا تشقيه ، نتوقف قليلا لنتدبر أحوالنا المتردية ، فلا شك .. أن الإنسان المعاصر قد أصبح مشتتا وغير مستقر النفس ، وتلك حالة يعاني منها الغالبية العظمى من البشر في مختلف بقاع العالم باختلاف جنسياتهم ولغاتهم ومعتقداتهم ، كنتيجة مباشرة لسوء استخدامه لتطور وسائل التواصل ونقل المعلومات ، وممارسة الإنسان لاحترافية صناعة الفساد بالأخبار المثيرة خاصة المليئة بالجرائم والفضائح والأكاذيب ، وكل ذلك في زخم السباق المحموم للتريند والشهرة والتمويل وجنى الملايين ، بداية من جرائم أو فضائح أو طلاق الفنانات والفنانين ، بل وكل العالمين في مجال الفن عموما ، وناهيك عن عهر جلسات تصوير الفنانات والداعرات باسم الفن ، ومرورا بالزلازل والبراكين المصطنعة ، وتصاعد الإبادة الجماعية للفلسطينيين ، واندلاع الحرب بين إيران واسرائيل ، وتنبوءات الكوارث ونهاية العالم وظهور الفضائيين ، والرماديين والزواحف والروبوتات والزومبي ، ونهاية بقضايا محكمة الأسرة ، والزوجة التي قتلت زوجها وابناءها من أجل عيون عشيقها ملك التوكتوك ، وشباب قتلهم الشابو والآيس والميث في امبابة وحلوان والتجمع والرحاب .

والنتيجة أن عقل المواطن المسكين أصبح ضحية مستباحة بين شتات الأخبار الزاخرة بكوارث وأكاذيب لا حصر لها ، نعم أكاذيب أو مبالغات مفجعة ، فأنت لا تستطيع أن تصدق أي شيء تسمعه حتى ولو مؤيد بالبراهين القاطعة ولو لدقائق معدودة ، لأنك سرعان ما تجد من يكذبه وبالأدلة ، فمن وماذا ولماذا تصدق ؟؟ ، وناهيك عن كم الأخبار عن الجرائم المروعة من شتى بقاع الأرض ، والمخلوطة بضمائر فاسدة ، تتعمد إبهام الخبر وغموضه ، فتنقل لك الخبر دون أن تذكر مكانه ، حتى تقنعك لوهلة أن هذا يحدث على مسافة أمتار قليلة منك ، فقط من أجل جذب انتباهك ، وقبل أن تنتبه لحقيقة أخبار المؤامرات الماسونية على بلدك والمنطقة ، تخطفك الأضواء لصراعات اللعب والترفيه والسفاهة ، وصراعات خطف الأندية لبعض لاعبي الفرق الأخرى ، مصحوبا بالتباهي بالقدرة على تحقيق أية مكاسب ولو زورا وبهتانا ، لدرجة أن ضمائر وفكر قطاع عريض من القطيع (المواطنين) قد أصبح مريضا ، يعشق الخطف والزور وانعدام الأخلاق وتدمير القيم ، فالأهم أصبح هو المكسب والتحفيل والاحتفال به .

وفي زخم كم المؤامرات التي تحاك ضد مصر ، واشتعال الحدود المصرية الإسرائيلية ، والملفات الأثيوبية والسودانية والليبية والسورية بجانب الفلسطينية ، تتصاعد التوترات وتبلغ مداها بقافلة جزائرية تونسية تحركها وتديرها وتمولها عناصر إخوان الماسونية بأوامر وتعليمات أجهزة مخابرات غربية ، تحاول دخول الحدود الغربية لتخترق الدولة من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق ، لمسافة أكثر من ألف ومائتي كيلومتر ، مرورا بالقاهرة ووصولا لرفح في سيناء ، متزامنا مع مئات الزوار من مطار القاهرة ومخطط لقاءهم مع المسيرة المشبوهة في الاسماعيلية ، بهدف معلن وهو اقتحام الحدود بحجة مساندة أهل غزة ، والهدف الحقيقي والرئيسي هو إعادة خلق الفوضى التي فشلوا فيها لعقود مضت ، سواء بتفجيرها بالقاهرة والمدن المصرية خلال مرور القافلة داخل مصر ، أو من خلال إدخال الفلسطينيين لسيناء قصرا ، بالتنسيق مع الكيان الاسرائيلي ، لتنفيذ التهجير وتفريغ القضية الفلسطينية رغم أنف مصر ، مع نداءات على صفحات التواصل لعناصر الإخوان والعملاء ، للتصدي للأمن والقوات المسلحة ومنعهم من التصدي للقافلة ، وبمساعدة عناصر اليسار المصري داخل نقابة الصحفيين وبعض النقابات الأخرى ، حتى تصبح مصر معرضة للأخطار من داخلها إضافة لمختلف الاتجاهات السابقة .

وكل ذلك في ظل تشويه فكر الشباب بفواحش وفضائح وإبهارات الفن والفنانات لإفساد أخلاق شعب وقيمه بقاذورات الدراما ، ومن قبلها تفكيك الأسر والبيوت ونشر فكر الصراع والتحدي في كل بيت ، بل وفكر العشق والغرام والحق في الفجور ونزع حياء البنات والنساء ، لدرجة نشر فيديوهات تحدثك فيها أنثى عن نشوى الجماع ومهارة الرجل والمرأة في السرير ، دون أدنى قدر من الأخلاق أو الحياء ، ليفجعك فجأة مخطط قذر يديره أحد الأندية الشعبية ، في مسلسل من محاولات نشر الفتنة والفوضى بأي وسيلة ، بداية من إعلان يتحدون فيه الشعب والدولة بصورة لاعب إرهابي هارب ومدان وعلى قوائم ترقب الوصول ، ثم التراجع عنه خوفا من العواقب ، يعقبه الانسحاب من مباراة جماهيرية لصناعة أزمة ، يعقبه تحريض الجماهير علنا بواسطة مذيعين فاقدين للضمير والأخلاق ، ثم التباهي بخطف لاعب من فريق منافس لإشعال الفتنة قبل أن تهدأ ، ثم تتذكر أن معظم قيادات هذا النادي ينتمون لجماعة إخوان المسلمين ، وذلك عندما ترفض السفارة الأمريكية دخول رئيسه لأمريكا لدواع أمنية ، في إطار حملة الغرب وأمريكا لتحجيم خطر هذه الجماعات على بلادهم (أمريكا وأوروبا) .

وحدث ولا حرج عن فوضى مشاهادات المواطن الغلبان يوميا من فيديوهات التيك توك والريلز والقصص الشخصية والهرتلات والنكات والافتكاسات ، وأوهام الفاسدات من البنات والنساء والحيزابونات ، وقصص الرومانسية والفجور والتنطع والإباحية باسم الحرية ، وأحلام الفتيات الباحثات عن الرغبات والشهوات والأهواء ، ونقاشات حول الدعارة باسم حرية الصداقة والمساكنة ، وعروض السلع الاستهلاكية المغرية ومرورا بإعلانات النفخ والشفط والشقط والتضخيم والفحولة والأنوثة ، من قوة الحصان وجبروت الأسد ، والوصول لأنوثة كارديشيان ورقة نانسي ، وباشميل الشيف نونا ، وكوارع الشيف الشربيني ، وشاي الكبوس وخطوط جولدي وتايجر لما يسيطر ، وفيلا الأحلام في مجموعة طلعت مصطفى في حدود قدرات محدودي الدخل تحت العشرين مليون ، وكريم سم النحل ، وأغنية قنبلة الفن الشعبي (اديك تقول ماخدتش) ، وطقطوقة فنانة الإحساس (حط إيده منغير ما يقولي) ، وصرخات مدحت شلبي (الله الله الله .. الله عليك يا حبيب والديك) ، وفتاوى شيوخ الفضائيات في حرمة قص الأظافر قبل أكل لحم العيد ، وجواز التضحية بديك بلدي مسروق من عشة جارتنا أم شوشو ، وتحليل سياسي عسكري جزعبلي من المحلل الاستراتيجي الأسطوري أبو مشمش الساعاتي ، وأوكازيون ملابس العيد الفلكية ، وكوتشي ابو سوكة التوماتيكي ، وبوكسرات أم ميدو المزيكا ، وترامب يعلن أن بايدن كان روبوت يحكم أمريكا ، وانت فين والحب فين لأم كلثوم ، لتنظف مسامعك من قاذورات شاكوش وبيكا وكزبرة ، ومطرب الصواعق سنجور النتن ، وبالتالي فلابد أن تنهي بآيات بينات من مقريء الحرم المكي قبل النوم ، لعلها تطفيء سعير الدماغ وهلع المخ للمواطن الغلبان لعله يستطيع أن يعانق النعاس .

وما أكثر ما يفتك بعقول الإنسان الغلبان الراكض في خضم القطيع من أجل لقمة العيش ، وبالقطع فالغالبية معذورة ، فهي قد فقدت ملكة التأمل والتدبر ومراجعة النفس ، فالغالبية يجهل تماما لماذا جاء إلى الدنيا ، فغاب عن ابن آدم  أنه جاء لللدنيا ليختبر فيها ، وله مهمة وحيدة لا ثاني لها ، وهي العبادة الحقيقية ، وهي إعمار الأرض كخليفة عليها بالعلم والكد والكدح ، وأنه مكلف باتقان السعي لإعمارها ، وبالتالي فلا حيلة في الرزق المكفول والمقدر ، ولا علاقة بين السعي والرزق مطلقا ، وهو ما يزوره كثير من رجال الدين بادعائهم العكس ، بحجة الخوف من كسل العامة وامتناعهم عن السعي ، فتحولت الحياة لصراعات مهلكة على الرزق ، وسقط الإنسان في مستنقعات الأوهام ، فهو مشتت ومنهك وأسير لفكر القطيع اللاهث خلف الرغبات والشهوات والمتعة ، فالكل يريد أن يمتلك كل شيء ، ويستمتع بكل شيء ، رغم أنه لن ينال إلا ما قدره الله له ، ولكنه جهال جهلوه وخدعوه ، فاستباح كل شيء ، حتى ولو كان حراما ويفسد حياته ، والكل لا يرى سوى روعة ما يحلم به ليكون مثل غيره أو أفضل .

والأخطر هو جهل الإنسان بطبيعة خلق نفسه وجسده ، والتي فطرها الخالق العظيم ولها قوانين ثابتة لا تتغير ، أولها .. أن النفوس والأجساد لا تقوى ولا تشتد إلا بالكد والتعب والمعاناة ، وثانيها .. بأن ميزان المعطيات في الدنيا لا يختل مطلقا ، فما تكسبه لابد وأن تخسر شيئا مقابله ، وثالثها .. أن السعادة لا تدرك إلا بكم العطاء لغيرك ، بينما المتع كلما زادت كلما زاد معها كم الشقاء والإدمان والعذاب بها ، رابعها .. قمة السعادة في قدرة الإنسان على تحويل المتع إلى سعادة وذلك بإشراك غيره معه فيها ومنحه ما يحبه لنفسه ، خامسها .. كلما زادت رفاهية الإنسان كلما زاد فساده واقترابه من الشرك والكفر ثم الانتحار ، سادسها .. أن الإنسان بلا أمل في الغد .. هو بالفعل .. قد توفى بالأمس ، سابعها .. أن الإنسان بطبيعة نفسه يتوق لقوة عليا يستظل ويعتصم بها ، ولو هداه الله واعتصم بربه لكفاه وهداه ووقاه شرور نفسه والدنيا من حوله ، ولكنه غافل ومضلل يتخذ من المخلوقات أربابا فيضل في الدنيا ويشقي نفسه ويعذبها ، فيبتدع المسيخولوجيا ، فتجد من ينتظرون المسيح والمهدي والمسيخ والسوبر هيرو وباتمان ووسوبرمان وسبيدر مان ، وينسى أن الله أقرب إليه من حبل الوريد ، ولا يكلفه سوى أن يلجأ إليه فيجيبه ويرضيه ويسعده .

أما عن مصر كأمة … فالبرغم من كل ما تتعرض له .. وبالبرغم من كل السلبيات التي نعاني منها بداية من فساد أخلاقيات المواطن ، ومرورا بمعضلات اقتصادية تتفاقم بسوء الأخلاق ، وانتهاءا بالخونة الصمتون أتباع تجار الدين والمغيبين بين جنباتنا ، ورغم كل هذا … فلا خطورة ولا خشية على مصر وشعبها وأرضها ، وليس ذلك ثقة في البشر ، فلا توجد حسابات منطقية تشير لحصانة هذا الشعب ، ولكن اطمئناني أبنيه على ثقة في الله ، ويقينا بجودة الصنعة للصانع والخالق الأعظم الذي خلق البشر وأبدع خلقهم ، وكذلك قيومية الله على خلقه والتي تتجلى في أمانته المطلقة على عباده ، فسبحانه أمين عليهم ويعلم مستقرهم ومستودعهم ، ولا يقبل لهم ضرا ولا هوانا ، خاصة لو كانوا أهل وطن سماه الله في كتابه العزيز بـ (البلد الأمين) ، نعم .. قد يذيقهم بعضا مما يضمرونه من شرور في نفوسهم  في الدنيا لعلهم إليه يرجعون ، ولكنه أبدا لن يخزلهم ولن يخزيهم خاصة لو كان سبحانه قد خلقهم من ذرية هذا الشعب الكريم ، الذي كرمه سبحانه ورفع قدره ، ومن نعم الله على عباده والتي سوف يحاسبهم عليها أن يرزقهم الله الانتماء لشعب يحبه ربه ويرعاه ، على أرض هي كنانة الله في أرضه ، والمحروسة بعين الله ، ومهما تعرض المصريون لمتاعب ومصاعب ومؤامرات ، فهم في رباط إلى يوم القيامة ، وقد منحهم الله عقلا جمعيا متفردا ومتميزا ، يبهر أصدقائهم قبل أعدائهم .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *