العقد الثامن .. وأجيال الحضارة …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
13 يوليو، 2024
اراء ومقالات, الأسرة والمجتمع, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
341 زيارة

عزيزي الإنسان .. تعودنا طويلا على تصديق أكاذيب البشر وضلالاتهم ، بل تحولت إلى فكر وثقافة وحقائق غير قابلة للنقاش بالانفجار الإعلامي في العقود الأخيرة ، وهو ما يصيب الإنسان بكثير من الحيرة والتخبط في محاولة فهم ما يحدث حوله في العالم ، وهو ما يحتاج لكثير من الحكمة للتعامل مع المعطيات والمتغيرات ، ولذلك دعنا نتوقف قليلا في لحظة تأمل في التاريخ البشري ، لعلنا نفهم سويا ناموس الخالق العظيم في تراتيب تطور حركة حياة الإنسان على الأرض ، وهو ما يسمح لنا بالوصول للحكمة ، في فهم تطور الحياة ومستقبلها للبشر ، وذلك أن الحكمة المطلقة في تعريف كتاب الله ، تعني .. فهم ناموس الخالق في حركة حياة البشر ، وبمعنى أدق فهم القوانين التي تحكم تطور وتتابع أحداث حركة حياة البشر ، وهو ما يسمح للإنسان ببساطة أن يقول مثلا .. هذه الدولة سوف تزدهر مستقبلا ، أو سوف تسقط واقترب انهيارها ، وذلك من منظور تاريخي مؤيد ببعض العلامات والدلائل من أحداث حركة حياة الإنسان والمجتمعات والأمم ، فلا شيء في الكون لا يخضع لناموس الخالق في خلقه ، مهما اختلفت الآراء وتباينت التوقعات والأسباب ، فناموس الله نافذ ولا راد لقضاءه إلا هو سبحانه .

ولعلنا نبدأ بما يعرفه كثير من المتعلمين والمثقفين ، وهو منحنى التوزيع الطبيعي ، أو يصر الغرب بتسميته بمنحنى جاوس ، رغم أنه يعود اكتشافه إلى العديد من العلماء المسلمون مثل ابن خلدون أبو علم الاجتماع في العالم ، وابن الهيثم والخوارزمي ، فقد تكلموا عنه وسجلوه واستخدموه ، فهو قانون جاء استنباطه من حياة الإنسان نفسها ، والتي وصفها الخالق العظيم في آيات بعينها بقوله تعالى .. {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ }الروم54 ، وكما هي حياة الإنسان فكل شيء في الكون يبدأ ضعيفا ثم يشتد ويصبح قويا فإذا وصل لقمة قوته بدأ رحلة الهبوط للضعف ثم الفناء ، وكذلك حضارات الأمم والدول ، تبدأ ضعيفة ثم تشتد وتزداد قوتها حتى تصبح في قمة قوتها ، فتبدأ في الضعف ثم الانهيار ، وهكذا تتوالى الحضارات متوافقة من ناموس الخالق في حركة حياة البشر ، فالبشر بدأت حركة حياتها ضعيفة جاهلة ، ثم تزداد علوم البشر ويزدادو قوة على الأرض ، حتى إذا وصلوا لقمة علومهم وقوتهم ، بدأوا في الانهيار والضعف مرة أخرى ، إلا إذا فجروا وتجاوزوا الخطوط الحمراء التي وضعها سبحانه للبشر ، فحينها لن يأمنوا أن يمحوهم سبحانه في لحظة ، وهو ما كرره سبحانه مع العديد من الأمم ، كأمة نوح وفرعون وقوم هود وثمود وقوم لوط .

ومن أشهر قوانين هذا الناموس ، هو أهمية الأسس والقواعد التي تبنى عليها الحضارة ، فعلى قدر تكامل واستقامة وقوة الأسس التي بنيت عليها الحضارة ، يكون قدرتها على الآتي .. { الحد الأقصى لمستواها الحضاري من التقدم والتطور – قدرتها على الاستمرار لأطول فترة ممكنة – مدى ارتفاع الحد الأدنى لها عن الصفر ، والذي يضمن عدم الانهيار الكامل للصفر} ، فالحضارات القوية لا تسقط للصفر مطلقا ، ولكنها تتوقف عند حد يسمح لها بالقدرة على النهوض سريعا ، وصناعة حضارات جديدة متتالية ، وهنا لدينا أمثلة عديدة ، فمثلا حضارة الرومان بنيت على أسس الإلحاد والاعتماد على قوانين من صنع أهواء البشر ، فلم تستمر أكثر من ثلاثة قرون ، وعندما سقطت كان سقوطها مدويا ، ولم يتبق منها سوى مجموعة أساطير وتماثيل ، على النقيض من حضارة المسلمين التي استمرت مسيطرة على العالم لأكثر من ثمانية قرون ، وعندما انهارت لم تصل للصفر ولم تختفي ، بل ظلت علومها وأخلاقياتها وقيمها أساسا لجميع الحضارات الموجودة على الساحة العالمية على كوكب الأرض ، بل ظلت رغم ضعفها هي التهديد الحقيقي لشياطين الإنس والجن ، ولذلك تتزايد عليها المؤامرات يوما بعد يوم ومنذ قرون طويلة وحتى يومنا هذا .

ولو عدنا لعلوم الاجتماع والتاريخ وتوقفنا قليلا عند أجيال البشر ، فسوف نلاحظ أن الجيل يقدر عمره بحوالي ثلاثون سنة ، تزيد أو تنقص بنسة 10% ، لأن علماء الاجتماع يصفون الجيل بمرحلة التعاقب الطبيعية من أب إلى ابن، ويعرّف تقليديا على أنه «متوسط الفترة الزمنية بين ولادة الآباء وولادة أبنائهم.» ومدة الجيل من (20 -30) سنة ، ويقدره علماء التاريخ بثلث قرن من الزمان وهو ما يساوي 33 سنة ، وكلاهما صحيح فالجيل متوسطه يقدر بـ (30) سنة ، وهو ما ينقلنا للقانون الثاني من ناموس الله في خلقه ، وهو قانون الصراع بين الأجيال المتعاقبة ، وأهمية هذا القانون تكمن في نتائج الصراع ، فلو أن الاختلاف والصراع بين الأجيال نشأ وتنامى لحدود الانفجار القبيح ، فسوف تمحى آثار الأجيال ويهدم ما تم بناؤه ، بينما التوافق والتعاون بين الأجيال يمكن الأجيال من البقاء والتجدد ، بمعنى أنه دوما سوف يكون هناك صراع فطري ما بين الأجيال المتعاقبة ، فأجدادنا كانوا دوما يعيبون على آبائنا ضعفهم وانحلالهم ، ووالدينا أيضا كرروا نفس الاتهامات لنا ، ونحن نكرره مع أبنائنا ، فالإنسان لديه الرغبة الفطرية للإتيان بالجديد والاختلاف والتميز ، وسوف تسمعها معلنة وصريحة وبعفوية ، من طفلك الصغير ، ومن زوجتك أو ابنتك عندما تقول لك أنها مختلفة عن كل الإناث غيرها ، وتلك النزعة الفطرية يجب أن يراعيها الوالدين ، ويوجهونها بحرض وحكمة ، حتى لا تتحول لمعاول هدم وانحلال لمجرد الاختلاف والإعلان عن التميز .

وهنا نتوقف كثيرا أمام هذا المفهوم الخطير وتبعاته على حركة حياة الإنسان أولا ثم المجتمعات والأمم م ، فمثلا في العائلات الكبيرة والعريقة ، سوف تجد لها كبرائها ، وهم محترمون وقراراتهم مطاعة ومحترمة ، ولذلك سوف تجد هذه العائلات مستقرة ومتطورة ومستمرة عبر الأجيال ، وذلك حتى تبدأ مراحل الانهيار بجيل لا يحترم من سبقه ، فيبدأ الصراع وينتهي بهدم تلك العائلة تماما ، وينتهي ذكرها وتاريخها عند هذا الجيل ، كذلك الدول تبدأ نهضتها بجيل يحمل على عاتقه بناء الأسس والدعائم لهذه الدولة ، حتى يأتي الجيل التالي فإن احترم الجيل الجديد ما فعله الجيل السابق فسوف يبني عليه وتستمر الدولة وترتقي ، ولكن لو بدأ صراع الأجيال بلا ضوابط وحدود بالتسفيه والاستهزاء بالرموز والقدوة (كما يحدث اليوم في العالم) ، فسوف تبدأ الدولة في الانهيار ، وهذا ما استغلته الماسونية في هدم الدول العربية الغبية والحمقاء ، مثل سوريا والعراق والسودان واليمن ، مع بعض المحفزات المسرعة كالخيانات والانتماءات العرقية والدينية ، فسوريا التي كانت الدولة الوحيدة في العالم بلا ديون ، والعراق الذي كان يصنف أنه أقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط ، والسودان سلة غلال العالم ، واليمن السعيد ، وليبيا أغنى دول العالم ، كل هؤلاء تم إسقاطهم ، بإشعال الصراع بين الأجيال مع قليل من المخفزات من المؤامرات والخيانات ، وهو نفسه ما يحاولون فعله مع المصريين مرارا وتكرارا .

وهنا لابد وأن نتذكر القانون الثالث لتطور حياة البشر ، وهو قانون العقد السابع ، وهو ما يغفل عنها الكثيرون ، فالإنسان يبدأ في الانهيار صحيا وفكريا ونفسيا ببداية العقد الثامن من عمره ، وبالتالي فإن الحضارات في كل أمم الأرض ومنذ آدم وإلى يوم القيامة ، تخضع حرفيا لهذا القانون من ناموس الله ، بمعنى أن أخطر السنوات على أي حضارة ، بداية من العقد الثامن لها ، حيث يشتد الصراع بين الأجيال ، ولو لم يكن لديهم الأسس الأخلاقية والفكرية المتمثلة في الحكمة لتجاوز الاختلاف وتبعات الصراع فهذا معناه بداية الانهيار ، ولذلك سوف تجد أن عقدة العقد الثامن المشهورة ، والتي يتحدثون عنها كدليل على اقتراب نهاية إسرائيل ، فهي سنة كونية وليست حالة خاصة باليهود ، ولن نذهب بعيدا فألمانيا العظمى بدأت رحلة انهيارها في الحرب العالمية الثانية في العقد الثامن لقيامها ، والاتحاد السوفيتي سقط في العقد الثامن لقيامه ، والثورة المصرية وما نسميه بالجمهورية الأولى ، بلغت ذروة سقوطها في العقد السابع في 2011م ، مبكرا قليلا تحت ضغط مؤامرات الماسونية بمؤامرة الربيع العبري ، ولابد أن نذكر أن مصر بفضل الله قد تتجاوز اليوم عقدة العقد الثامن بنجاح كبير أبهر الأصدقاء قبل الأعداء ، لتبدأ الجمهورية الثانية تاريخها الجديد ، وهذا بالقطع ليس تطبيلا بل تقييما تاريخي حقيقيا ، طبقا لناموس الله في حركة الحياة .

ولذلك .. فإن نهاية إسرائيل وسقوط أمريكا وانهيار الغرب ، قد أصبح حقيقة لا مفر منها وقادمة بأسرع مما يتخيل بشر ، وذلك لأن الأسس الأخلاقية والفكرية قد تم تدميرها تماما ، لدرجة استباحة دماء البشر من أجل مصالحهم وتقنين الشذوذ والانحراف بين البشر ، لدرجة أن معرفة الشخص لأباه في الغرب قد أصبح شيئا نادرا ، مما أوجد دوافع قوية للفجور والبغي من أجل المصلحة ، فلا يوجد رادع ذاتي نفسي لدى البشر في هذه الكيانات والدول ، فلا إيمان بإله رب سميع عليم ، ولا خوف من حسابه وعقابه ، ولا يوجد ما يستحون منه فيما بينهم (العيب) ، ولذلك فتلك الحضارات مرهونة بحادث كبير أو كارثة طبيعية ، أو ظرف يهدد حياة أو معيشة البشر وسوف يتحولون لحيوانات ضارية يأكل بعضهم بعضا ، وعلى رأسها إسرائيل وأمريكا والغرب (أدوات الماسونية) ، وما نراه يحدث فلسطين اليوم ، ليس إلا إصرار من إسرائيل على وضع الملامح الأخيرة لأسباب وعلامات زوالها المحتوم والقريب جدا ، قبل نهاية العقد الثامن طبقا لناموس الخالق في خلقه .

أما عن مصر .. فلا داع للقلق عليها في هذه المرحلة مطلقا ، ولا خوف من سقوط الشعب في كمين الثورة والفوضى مرة أخرى ، بل ولا خوف على هذه الدولة من السنوات القادمة مهما كانت المؤامرات ، أولا .. لأن نهضة مصر الحالية لم تبدأ من الصفر ، بمعنى أن الحد الأدنى الذي بدأت منه كان كبيرا وحقق لها القدرة على القفز للأمام بصورة غير مسبوقة ، رغم كل ما يشكو منه المصريون وما يعانون منه ، ولكن العقل الجمعي المصري يعرف جيدا حجم التحديات والمتربصين به ، ويعرف قدراته على تجاوز الأزمات ، رغم أنه يمارس التنفيس عن متاعبه بشتى ألوان الكلام والصراخ والسخرية والنكات ، ولكن ذلك تحديدا يعد أبرز علامات استقراره النفسي وقدرته على التقدم خلال الجيل الحالي والذي بدأ من ثورته في 30 يونيو 2013م ، وهو ما لابد أن نخطط له من اليوم ، ففي بداية العقد الرابع من هذا القرن ، سوف يكون على مصر واجبات حتمية من تجديد الدماء في نهضتها ، والاستعداد لتجاوز أزماتها بانقلاب حضاري للأمام يمنع حدوث الانهيار في العقد الثامن لها والمقدر له في نهاية القرن الحالي ، وهو ما لابد من الاستعداد له من الآن ، فالتقدم العلمي الحقيقي يعني أولا ضرورة تصحيح المفاهيم الدينية والأخلاقية لحماية التقدم والحضارة ، وهو ما يكمن في قدرتنا التنبوء بمتغيرات المستقبل والاستعداد لها .

أخيرا … لو شئت أن يكون لك ذكر في الدنيا ، فاحرص على تربية أبنائك بأمانة ولا تستسلم لانهيارات الأخلاق في العصر الذي تحياه ، ولا تنسى أن التربية لا تؤتي ثمارها بالمحاضرات والتعليمات ، ولكنها تثمر فقط بما تفعله ، فلو كنت أنت أو أمه معتادين الكذب ، فلا تلومن ولدك لو وجدته يوما نصابا كبيرا ، ولو كنت مهملا كسولا ، فلا تحلم أن يكون ولدك عالما أو طبيبا أو مهندسا أو ذو قيمة في حياته ، ولو كنت تمارس الرشوة والواسطة فلا تلومن ولدك لو وجدته متهما بالسرقة واستغلال النفوذ وسوء استخدام السلطة مثلا ، ولو كنت لا تصلي وولدك يراك نائما في ظهر الجمعة ، فلا تلومنه لو وجدته يوما ملحدا أو كافرا ، ولو رآك وأنت تختلف وتتعصب وربما تتشاجر مع أمك أو أبيك أو أخيك ، فلا تلومن ولدك لو يوما أهانك أو طردك من البيت ، فحتى سوء الأخلاق له مستويات في تطوره ، ولو شئت البقاء على حلاوة علاقاتك بأبنائك ، فاحرص على تربيتهم كما أمرنا طب القلوب وسيد الخلق ، لاعبهم سبع ، وأدبهم سبع ، وصاحبهم سبع ، ثم اترك حبلهم على غاربه ، ولن يعرف ولدك قدرك ، إلا عندما يرزق بأبناء ويذوق حلاوة ومرارة رحلة تربيتهم .
جمال عمر