لا تلوموني … فقد سقطت أوراق التوت … بقلم : جمال عمر

بداية .. لا يعنيني كثيرا ما قد يقال عني ، فأنا بالفعل من جيل رجعي ومتخلف وافتخر ، نعم أفتخر أنني لا أجرؤ على نطق كلمات وألفاظ بعينها ، أصبحت مستساغة ومنتشرة على ألسنة البنات والسيدات المتفرنجات والمحاولات اللحاق بركب التطور بجهل وسوء تربية ، وللأسف أن هذه الظاهرة التي كانت منذ سنوات قليلة لا تجدها إلا في النوادي الليلية وبين فتيات الليل ، أصبحت اليوم عادية بل ويفخر بها أصحابها ، حتى أن دكتورة متعلمة ومثقفة فجعتني ببوست على أحد صفحات التواصل تشكو قائلة .. (لبست جميع ألوان الخوازيق) ، على سبيل المزاح ، ولم أجرؤ على سؤالها أو عتابها ، لعلها يوما تفيق وتكتشف أنها أهدرت حياءها وكرامتها كأنثى بحروف بذيئة ، ولكن الأمر لم يقف عند واحدة ، بل تكتظ فيديوهات البنات والسيدات بأفظع من هذه الألفاظ ، التي تتعدى حدود خدش الحياء لتصبح دعوة للفجور والانحلال ، والغريب أن لمعظم هذه الفتيات والنساء ، عائلات وأسر أحسبها تعرف معنى الأدب والأخلاق والحياء والتربية والالتزام ، فكيف وصلنا لهذا المستوى من الانحلال .

بداية أذكر عبر عمري الغير قصير ، أن أفلام ومسرحيات ومسلسلات هدم الأخلاق الممنهجة ، قد بدأت منذ عقود طويلة ، عندما حاولوا اقناعنا أن بيوت البكوات والباشوات في القرن الماضي ، كانت مرتعا للاختلاط والخمور والحفلات والانحرافات ، ثم تلاها عهد نجوم الشاشة الغارقين في الحب والغرام ، ثم الواقعين في الحرام رغم أنفوهم تحديا لتقاليد المجتمع الرجعية باسم الحب والغرام ، حتى وصلنا لبداية الفجور العلني بمسرحيات (مدرسة المشاغبين) ، و (العيال كبرت) ، والتي أكدت على شرعية سقوط الأخلاق في البيوت والمدارس ، لتتوالى ألوان من الفن الداعر والداعي لكل ألوان التسيب والانحراف باسم التطور ، حتى وصلنا لمرحلة انفجار نواتج الصرف الصحي (الأخلاقي) ، بداية من عدوية وكتكوت الأمير ومرورا بالنقاش والمكوجي والقواد وصولا إلى نمبر وان في القبح والتدني ومنه إلى دربكة وويجز وبيكا وشاكوش وكزبرة وبنسة ومرزبة وسنجة وأخواته وما زلنا في انتظار باقي المخلفات البشرية .

ولا أدعي أنهم ولدوا من العدم في عصرنا الحالي ، ففي كل عصر كان هناك أشكال من التدني والقبح ، ولكنها لم تكن معلنة ومنتشرة بهذا الشكل الفج لدرجة انحراف مفاهيم وألسنة المتعلمين والمثقفين ، فمنذ أيام فجعت بأنثى خريجة الجامعة الأمريكية ، وهي تنهي خطبتها لشاب محترم ومثقف يلومها على بعض تصرفاتها قائلة (فكك من أمي وشوفلك واحدة من الحرملك بتاع أمك) ، وأعجبني رد فعل الشاب المحترم ، الذي انصرف دون كلمة واحدة ، فهي لا تستحق أن ينظر إليها مرة أخرى ، وليست المشكلة في البنوتة ، فقد فاجئتني والدتها السيدة الوقور والأستاذة بأحد كليات القمة بقولها .. (عيل بيئة معفن ، وخازوق وخلصنا منه ، الزبال مش فاهم انه خاطب مزة ضفرها برقبة أمه ، خليه يروح يخطب واحدة شبه أمه البيئة) ، وأم أخرى كنت أحسبها محترمة ، تروي .. ( تصدقوا خطيبة ابني البيئة مش عاجبها ان ابني يسألها عن ألوان الاندروير بتاعها بهزار ، وفسخت الخطوبة المتخلفة ، مش عارفة الدنيا مالها اتملت خوازيق ليه ) ، ولا تعليق على رقي وأدب وأخلاق هذه العائلات العريقة .

نعم .. أنا رجعي ومتخلف وأفتخر ، ومن جيل (سكنن رع) أو (سمنخ كارع) ، كما وصفتني أحد السيدات الوقورات عندما نقلوا لها رأيي الشخصي فيما حدث ، وشكرا لها على فهمها الراقي وأخلاقها الرفيعة ، ويبدو أنني بالغت في تقدير كبير العائلة الذي شكوت له ما حدث ، فانبرى يبرر ويشرح لي ما فاتني من تطور مستويات الأخلاق الطبيعية عبر الزمن ، فاستمتعت له بصمت وشكرته ، ونمت ليلتي أحاول اقناع نفسي أن شيئا لم يحدث ، ولكنني ما زلت مفجوعا محاولا فهم حقيقة ما حدث لبيوتنا وعائلاتنا وتربيتنا لابناءنا ، وكيف وصلنا لاعتياد بناتنا ونساءنا الخروج من البيوت شبه عاريات ، وترتدي ما يصف بدقة مفاتن جسدها دون حياء أو احساس بارتكاب خطأ في حق نفسها أو دينها أو مجتمعها ، ولكن ذكرتني نفسي بأنه لا فرق بين من لا تستحي نطق ألفاظ فاحشة ، ومن لا تستحي من عرض مفاتنها ، فمن تفعل هذا لابد وأن تفعل ذاك ، لأنها فقدت الحياء في نفسها ، وأصبحت أسيرة لعهر النفوس .

لا مجال أن يقنعني أحد بأن سلوكيات البنات والشابات حاليا ليست منحرفة ، وأبسطها أن تجد الشابات والبنات تستحل ولا تجد عيب أو حرمة في صناعة صداقات مع الشباب ، وتسمع مبررات لا حصر لها من ألوان الجدال العقيم ، وتنسى كل فتاة منهن أن الله حرم الاقتراب من الزنا بأي قول أو فعل ، وليس فعله فقط ، فكل كلمة أو نظرة أو حديث (شات) من باب الصداقة والاطمئنان على الأحوال ، ما هو إلا اقتراب سلس من الزنا ، فالشاب والفتاة لم يقولا شيئا خارجا ، ولكنهم يطمئنون على بعضهم عبر الواتس مرات ومرات خلال اليوم ، ولا ينامون إلا بعد الاتصال والاطمئنان من باب الصداقة ، فكلاهما مستمتع بالاهتمام والمشاعر العذرية ، فكل منهم يبحث عمن يحتويه ويشعره بقربه ، ولو من باب الصداقة البريئة ، وهذا تحديد كسرا لحدود الله ، وإصرار على الوقوع في الزنا ، لأنه حتى ولو لم يحدث الزنا فعلا ، فهو سوف يقع نفسيا وأحلاما وأمانيا في النفوس ، ثم يحدث الكسر للمشاعر عندما يهرب أحد الأطراف وغالبا الشاب ليجد متعة أكثر مع أخرى أكثر تحررا وتفتحا ، وما أكثر البنات اللاتي وقعن كسيرات الفلب ، وأصبحن مرضى نفسيين نتيجة علاقة صداقة بريئة (حرمها الله) ، ولكنهم غضوا القلب والعين والضمير عن تحريم الله ، وأشركوا بالله عندما أطاعوا أبالسة الإنس ، واعتقدوا أنه غير محرم ومن حقهم ، فلا عزاء لهم أو فيهم ، فقد استحقوا عقابهم الممتد حتى بعد زواجهم ، بفساد نفوس كانت بريئة وأصبحت ملوثة بصورة تهدد نجاح زواجها لو حدث ، ناهينا عن كم الضحايا من البنات والسيدات لهذه العلاقات الافتراضية على صفحات التواصل .

ولا تختلف كثيرا من تستبيح مشاعرها بدعوى الصداقة البريئة عن تلك التي تعرض مفاتن جسدها ببنطال ضيق في الطرقات ، بحجة أنها قد تعودت على ذلك وربما لا تعرف أنها جاذبة لأنظار الرجال والشباب ، ولكن يقينا ليست كل الإناث صابها العته وعدم الادراك ، فكل أنثى تعرف جيدا ماذا في كلامها أو مظهرها من إثارة للجنس الآخر ، فتلك فطرة في النفوس ، (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) ، ولكنها ربما غير مدركة أن تمتعها بصداقة أو بنظر الشباب والرجال لمفاتنها ، هو انحراف في النفس يسمى (العهر النفسي) ، وربما غير مدركة أنها قد فازت بسخط الله وغضبه بكل نظرة تفتن رجلا أو شابا أو تثير في نفسه الشهوة ، ومن المؤكد أنها لا تدرك أن خالقها سوف يعاقبها بتأخير كل ما تتمناه وربما الحرمان منه ، وأهمه زواجها وسعادتها بزوجها وبيتها ، فالاستمتاع بالحرام يؤخر وقد يمنع الحلال ، وكذلك جهاد النفس ومنعها عن الحرام يسرع من قدوم الحلال ويزيد من التمتع به ، بركة من الخالق الكريم العظيم ، ولكن أبناءنا وبناتنا لم ينشأوا على الثقة في الله ، بل نشأوا على الشرك بالله ، بتصديق أهواءهم وشياطين الإنس وتكذيب أوامر الله أو إنكار معرفتها .

ولا عذر لمن سقط في براثن الانحراف ، واستمتع بكل ما يشتهي تحت أي مسمى ، لأنه في النهاية سوف يسق ضحية لشهواته ، ومريضا نفسيا وجسديا بأمراض عضال تستهلك شبابه وعمره ، ليجد نفسه وقد سقط في مهالك أكبر من حدود خياله وعقله ، إلا لو تاب وعاد لصوابه واستغفر ، فالله يقبل التوبة ، ويحب عبده المستغفر ، ويتوب على عباده الصادقين في توبتهم ، ويعينهم ويكافئهم بما لا يخطر على قلب بشر ، ولنتذكر جميعا إعجاز الله في خلقه للبشر نفسيا وجسديا ، فالنفس المفرطة المنحرفة ، بفطرتها تكره نفسها وتكره كل من يعينها على الفساد والانحراف دون أن تعلنه طمعا في مزيد من المتع ، ولكنها ودون أن تدري تصدر أوامر تدمير ذاتية لجسدها ، على المدى البعيد ، وكذلك الجسد وهو ذلك الجهاز المعجز والشديد التعقيد ، لا يستقيم حاله ولا يدرك قمة صحته إلا لو التزم بكتالوج الخالق العظيم ، وأي مخالفة له تهني مزيدا من الأمراض والتدمير للجسد ، وأبسطها أن الله حرم الشبع من الطعام والإسراف فيه ، ومن يخالفه يظل عمره كله يعاني من الأمراض ومحاولة العلاج ، هذا بخلاف أمراض الفوضى الجنسية المسماة بالحرية الشخصية ، وكذلك السرطانات التي تفشت كنتيجة منطقية للسهر يوميا لسنوات طويلة ، بل وطالت الأطفال من أبناء  محترفي السهر كنتيجة منطقية لنقل خلايا مؤكسدة ومريضة لهم عن طريق الأم .

أخيرا .. سامحوني جميعا .. فلست قاسيا ولا مدعيا ، ولكنها الحقيقة العارية بكل قبحها ، والتي نتحمل جميعا نتائجها من تأخر سن الزواج وتزايد المشاكل الاجتماعية وارتفاع معدلات فشل الزواج وظهور جرائم اجتماعية قبيحة ومستوردة من الغرب ، ولا عذر لبعض الشباب والبنات بحجة أنهم يعانون مما حولهم من معطيات الحياة ، والإعلام وصفحات التواصل ، حتى ولو كان كل ما حولهم يهدم فكرة الحياء والعفة والطهارة ، ويكرس فكرة الرجعية والتخلف على من يقترب من قيم الدين والأخلاق ، لأن الإنسان بفطرته يعرف الحق من الباطل ، ويميز ما بين الاستقامة والانحراف ، وفي النهاية تبقى الثقة في الله واليقين بوجوده وقدرته وكرمه أساسا قويا يحمي صاحبه ، ويمنحه الراحة والسعادة في حركة حياته ، مهما واجه من متاعب في الدنيا ، والمفهوم الحقيقي لليقين بالله لا يعرف الشك ولا التجربة ، فالله لا يقبل الشك ولا التجربة لأنها شرك صريح بالله ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

جمال عمر

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

تعليق واحد

  1. اكيد مسامح لأن كل ما تكتب فهو وجع وكلنا الم لما نراه و نسمع
    جزاك الله كل الخير على قول الحق و نشر التوعية
    والله يجيرنا و اياكم من الأعظم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *