الحياة .. بين الحقيقة والوهم (2) …. بيقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
22 مايو، 2024
اراء ومقالات, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
415 زيارة

نعم رفقاء الحياة .. نحن اليوم أحياء أو هذا ما يبدو لنا ، فليس لدينا تأكيد لحال مختلف عما نعيشه ، ولكن .. هل حقا ما نعيشه ونمارس حركته هو حياة حقيقية ؟؟ ، أم هي صورة من صور الحياة مؤقتة ، سوف تنتهي لننتقل لغيرها ، أم نحن نمارس أشكالا من الحياة متعددة بقوانين مختلفة ، وأروع ما فيها غموضها ، فلا ندرك الاختلاف والفوارق إلا نادرا ، فنستسلم لما نحن فيه ، ونمارسه بلا أدنى محاولة لفهم ما يحدث حقيقة ، ولا شك بالطبع أن اختلاط التباينات والاختلافات والصور وتسارع عجلة الزمن وصدمات تسارع التطور التكنولوجي ، قد أصابتنا بالتشتت ، فاختلطت علينا الصور والمفاهيم ، وعدنا لا نفرق بين الحقائق والأوهام والخيالات ، والمؤكد في كل هذا أننا قد اختلطت علينا الأمور بشراسة ، حتى استسلم الغالبية العظمى من البشر لتراتيب الحياة ، فابتلعته وهرسته عجلة الحياة ، فصار لا يعي شيئا ، وأغرقه اللهث خلف متطلباته المتلاحقة والمتزايدة حتى عن حدود أدراكه وفهمه ، فارتفعت معدلات التشتت والرهق ، ثم الإحباط والاكتئاب والتوحد في النفوس ، رغم محاولات الانغماس في ضوضاء الحياة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من شتات النفوس .

ولعل كثير منا قد يحاول أن يعي ما يحدث له في أحلامه عند النوم ، فغالبا ما نرى حلما طويلا مليئا بالأحداث وكأنه استمر لأكثر لأيام ، ثم نستيقظ لنجد أننا قد نمنا مجرد ساعات قليلة ، ولا نتعجب كيف مررنا بأحداث أيام كاملة في ساعات نوم قليلة ، وربما يتكرر الرجوع لنفس المكان عند النوم مرة أخرى لنكمل أحداثا أخرى ، وهكذا اعتدنا أن تتكرر معنا هذه المفارقات الزمنية ، ولكننا لسنا متفرغين لنعيد التفكير في هذه المعضلة الزمنية ، والحقيقة أن الموضوع منطقي وبسيط ، فالإنسان في حقيقة أصله ، هو مجرد نفس ، والنفس لها قوانينها المختلفة عن الجسد ، وعند النوم تتحرر النفس من الجسد ، فلا تخضع لقوانين الجسد ، بل لقوانينها الخاصة الزمنية والمكانية والتفاعلية ، خاصة لو تذكرنا أن النفس قد دخلت الجسد للمرة الأولى عندما كان جنينا في نهاية الشهر الرابع للحمل ، بعملية أسماها سبحانه وتعالى بـ (الإنشاء) ، وعندها فقط قد أصبح المخلوق الجديد (إنسانا) ، وهذا الإنسان له قوانينه التي تحكمها قوانين المادة على الأرض ، وأهمها قوانين الزمكان التي عرفناها ودرسناها ودرجناها لنحسن فهمها والتعامل معها ، ولكن عندما تغادر النفس الجسد (للنوم أو الوفاة) ، تختلف كل قوانين التعامل ، فالزمن الذي يمر عليك وأنت داخل الجسد مستيقظا ، يختلف قياسه تماما عن قياسه وأنت خارج الجسد ، وبالتالي فأنت عندما تحيا أياما على الأرض كإنسان ، وهذه الأيام لاتمثل إلا ساعات قليلة ، وربما دقائق لنفسك في جسد آخر في (زمكان) آخر ،والعكس صحيح .

نعم أخي رفيق الحياة .. لا تتعجب ، فتلك أحد أهم الحقائق التي يجب أن تعيها ، والتي على أساسها يجب أن تعي أن رحلة حياتك على الأرض ليست سوى رحلة مؤقتة متقطعة بالنوم ، فلابد وأن تغادر الرحلة وأحداثها كل يوم لبضعة ساعات ، وذلك لسببين ، أولا .. لأن جسدك لا يتحمل وجودك فيه (كنفس) سوى تلك الساعات القليلة التي تكون فيها مستيقظا ، فالنفس تشغل منظومة الجسد عن صيانة نفسها وتستنزفها ، وثانيا .. النفس لا تحتمل سجنها داخل الجسد لفترات طويلة حتى وإن كانت تستمتع باستخدامه ، وهو ما يجعلنا نعتقد بأن حياتنا التي نعيشها هي صورة متماثلة لحيوات أخرى ، ربما عيشناها أو نعيشها بالتزامن مع حياتنا الواعية ، لدرجة عدم قدرتنا على التمييز ما بين الأصل والصور المماثلة ، وليس الموضوع بسيطا ، ولكنه أيضا ليس معقدا ، لو حاولنا توسيع حدود فهمنا ومداركنا ، لفهم طبيعة الخلق والتكوين للإنسان ، والتي لا يعرف حقيقتها كاملة ، ولايستطيع أن يتحدث عنها بوضوح وبلاغة سوى الخالق العظيم ، ولذلك فأسباب الحيرة والتشتت ، هو أننا قررنا أن نتجاهل آيات الخالق العظيم وعلومه التي أرسلها إلينا ، ونبحث عن الحقائق في خيالات وظنون البشر الضعفاء محدودي القدرات والفهم ، ولسنا بصدد إثبات صدق الخالق العظيم وآيات كتابه العزيز ، لأن من يشكك في ذلك فالعيب في قدراته على الفهم والتدبر ، وحسبه نفسه التي يبددها ويهدر عمره في الهروب من الحقائق بالظنون والأوهام ، ولا يلومن إلا نفسه .

وبالحديث عن عجائب خلق النفوس ، فربما نقابل أشخاصا للمرة الأولى في حياتنا ، ولكننا نشعر أننا نعرفهم من زمن بعيد ، وسرعان ما تتآلف النفوس وتصبح أقرب وأعز من الإخوة والأقارب ، وربما العكس بالنفور والكراهية والعداء ، وكل هذا دون وجود سبب حقيقي ملموس لما تشعر به النفوس ، وتتصرف تبعا له تلقائيا ، وهنا لابد أن نذكر حقائق ثلاثة هامة ، أولا .. هذا يثبت أن للنفوس أدواتها التي تختلف عن الحواس الخمسة ، وهذه الأدوات شديدة القوة والتأثير في حركة حياة الإنسان ، وهذه القدرات نسميها مسميات مختلفة مبهمة وغامضة ، فيسميها البعض جهلا بالحاسة السادسة أو التخاطر ، أو الشفافية ، ولكنها في الحقيقة هي استخدام النفس التلقائي لقدراتها وذاكرتها عن حيواتها المختلفة ، سواءا قبل هذه الحياة أو متزامنة أو متوازية معها ، ثانيا .. أن هناك ذاكرة أساسية خلفية للنفوس بخلاف الذاكرة السطحية المتجددة التي نحيا بها ونستخدمها في ممارسة حركة حياتنا ، وهذه الذاكرة تحتفظ بكل ما تعرضت له النفس في مختلف صور حيواتها الأخرى ، ولكن حجم قدرات عقولنا على استدعاء واستيعاب المخزون في الذاكرة الأساسية عادة ما تكون محدودة جدا ، فتختفي تلك المخزونات خلف مرئيات المعاصر من أحداث الحياة ، أيا كانت هنا أو هناك في عالم موازي ، حتى تجد فرصتها للخروج والاستدعاء ، والذي يكون محدود جدا ، ثالثا .. تثبت هذه الظواهر أن هذه الحياة التي نحياها ليست هي الحقيقة الوحيدة ، بل هي آخر أو ربما أقرب صور الحيوات التي نحياها متزامنة أو متتابعة أو متوازية ، وهذه حقيقة تحتاج لشرح طويل لفهمها وإدراك أبعادها .

ومن عجائب النفوس التي نغفل عنها ، أن النفس البشرية في سجنها الحالي داخل هذا الجسد الذي نحيا به ، ليست مستقرة ، بل هي في حالة تواجد مؤقت وموقوت ، فكما قلنا .. لا تحتمل النفس استمرار التواجد داخل الجسد ، ولذلك تغادره يوميا للنوم ، ولكنها أيضا قد تغادره هاربة لو صادفها موقف أو حدث أكبر من استيعابها ، والهروب هو سلوك نفسي أصيل في النفس وتمارسه منذ بدايات دخولها للجسد بنهاية الشهر الرابع للحمل ، فعند تعرض الأم لحادث أو سقوط بعد الشهر الرابع ، تهرب نفس الجنين فورا ، فتتوقف حركته تماما لأيام متتالية ، وهو ما يوضح حقيقة أن نفس الجنين قد انزعجت عند وقوع حادث للأم ، فهربت من الجسد الجديد ، ويستمر هذ السلوك مع الأطفال بعد الولادة ، فتهرب نفسه عند الانزعاج أو الغضب بالنوم ، وقد يستمر هذا السلوك مع التقدم في العمر لكثير من الناس ، فتهرب نفوسهم بالنوم عند صعوبة المشاكل عليهم ، ونجد سلوك الهروب واضحا في حالات الإغماء عند التعرض لموقف أو حادث لدى بعض الناس خاصة الإناث ، وقد يتفاقم الهروب ، فتزيد فترة الهروب لنسميها غيبوبة في الحالات الشديدة .

وهنا نتوقف لنعرف أسباب الأرق الحقيقية ، فغالبا ما نكون متعبين ومرهقين ونريد النوم ولكن يصيبنا الأرق ، وهنا لابد أن ننتبه أن الجسد لم يعد يحتمل وجود النفس فيه ، ولكن النفس خائفة وترفض المغادرة لانشغالها بمشكلة تؤرقها ، وتحاول إيجاد حل لها ، أو لديها خوف وهلع من أمر أو حدث متوقع ، أو تنتظر حدثا سعيدا تتوق إليه ، وهنا النفس لا تستجيب لتعب الجسد وتصر على البقاء في الجسد رغم تعبه ، وأحيانا تكون النفس هي المتعبة وتريد المغادرة ، ولكن الجسد يعاني خللا في ميكانيزمات أو كهرباء النوم العصبية الكيميائية ، كاختلال الهرمونات نتيجة اختلال كهرباء الجسم ، فأدوية النوم تعالج مشاكل الجسد ولكنها لا تعالج مشاكل النفس ، ولذلك أحيانا تفشل أدوية النوم في علاج الأرق ، بينما لو استطعنا علاج النفس جيدا ، فسوف تستطيع النفس ضبط ميكانيزمات النوم وكيميائيتها الكهربية في الجسد ، فالهدوء النفسي هو أهم عناصر الوصول لحالة النوم العميق ، والضروري لصحة الجسد والنفس معا ، ولا يصل الإنسان للهدوء النفسي ، إلا لو أقنع نفسه بناموس الله في خلقه ، وهو أن كل ما يحدث وسوف يحدث على الأرض هو بيد الله ، وأن قلقه وحساباته لن يغيروا شيئا مما هو مكتوب ، ولن يحدث إلا ما كتبه الله ودبر له ، والأهم .. أنه لو أسلم نفسه لله ، فإن الله لا يخذل نفسا توكلت عليه مطلقا ، حتى وإن كانت عاصية فسبحانه أرحم بعباده من الأم برضيعها .

وبالتالي .. فنحن نفوس تحيا فقط بالتواجد داخل جسد حي (فيه روح) ، وتلك هي حالة الاستيقاظ ، والتي هي فقط الزمن الذي تمارس فيه النفس حركة الحياة التي نعرفها ونتعامل معها ، وبالتالي فمغادرة النفس للجسد هو انقطاع للحياة سواءا للنوم يوميا أو عند الوفاة ، فكلا من الحالتين مماثلة تماما للأخرى ، ولذلك يقول سبحانه .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42، والفارق الوحيد أنه عند الوفاة تفقد النفس القدرة على العودة ودخول الجسد ، لأن الجسد (قد مات) بخروج الروح منه ، ولابد للجسد العودة إلى أصله (التراب) ، ولكن النفوس لا تموت ، ولكن النفوس فقط (تذوق الموت) ، تذوق آلام نزع الروح من الجسد ، أما عن الروح .. فهي في حقيقتها المجردة تمثل سر إحياء للجسد (كالكهرباء) الذي نستخدمها لتشغيل الأشياء ، وبالتالي فنحن لسنا أرواح ، بل نفوس ولا علاقة للأرواح بنا مطلقا ، ولا علاقة لنا بالأرواح ، فالروح من أمر الله وحده لإحياء كل جسد حي بداية من الخلية الأحادية ومرورا بالبكتريا والفطريات والحشرات والحيوان … ونهاية بخلايا جسد الإنسان .

والروح تدخل الجسد البشري وهو ما زال حيوانا منويا وبويضة ، فنحن لم نشهد أو نشعر بدخول الروح لأجسادنا وهي ما زالت في صورة (جرثومية) ، فلا نعلم شيئا عن دخولها للحيوان المنوي أو البويضة ، ولكن شاء الله سبحانه وتعالى أن نكون حاضرين لعملية نزع الروح من الجسد ، وأن نذوق ونشعر كنفوس بآلام خروج الروح من الجسد ، ولا نملك حيلة ولا قدرة على منع أو تأخير خروج الروح ، ولا يستطيع مخلوق في الكون أن يتدخل في عملية دخول الروح .. ، أو خروجها من أي جسد (إنسان – حيوان – نبات – حشرة) ، ولذلك يجب أن نصحح أكذوبة أخرى ، فملك الموت لا علاقة له بالروح ولا يراها ولا يسمها ، لأن ملك الموت موكل بالنفوس .. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11، ولا يمس الروح ولا يقترب منها مخلوق مطلقا ، لأن الروح سر الإحياء هي من أمر الله وبيده وحده ، وهو ما قرره سبحانه بقوله تعالى .. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، وبالتالي فأنت كاذب ومدعي بالباطل عندما تقول أن فلانا هو توأم روحي ، أو روحي فيه ، أو وصفك لأي حدث أو مشاعر بأنها روحانية .

وقد يعتقد البعض أن نفوسنا اليوم هي نفسها نفوسنا يوم القيامة ، بنفس انفعالاتها ومشاعرها وقدراتها ، لأننا لم نفهم ولم نتدبر بلاغ الله لنا بأنه أنشأ نفوسنا (الحالية) من نفس واحدة (كاملة) ، بقسمة النفس الكاملة لنصفين ، فكان الناتج نفسين ناقصتين ، تحتاج كل منهما للتكامل مرة أخرى ، ليكونا طرفي الحياة الدنيا ، وتكون كل منهما في حالة مؤقتة من النقص والاحتياج للتكامل ، بمعنى أننا في حالة نقصان (نصف نفس) ، وهو ما يشعرنا دوما بالحاجة للتكامل مع غيرنا ، وذلك هو ناموس الخالق في خلقه ، فكل خلق الله على الأرض في حالة مؤقتة من النقصان والحاجة للتكامل ، فناموس الدنيا مبني على الضعف والاحتياج للتكامل ، وتحديدا شهوة التكامل بين الذكر والأنثى ، وتلك هي الأساس والسر خلف عملية استمرار الاستخلاف ، فإذا استمتع الذكر والأنثى بلحظات التكامل ، ونتج عن تكاملهما جيلا جديدا ، أحبوه واعتنوا به ، فتستمر عملية الاستخلاف على الأرض ، ولا شك أن عملية نقصان النفوس قد خلقه سبحانه بشطر النفس الكاملة إلى نصفين متماثلين تماما ، وكل منهما بشطره يحتاج للتكامل مع شطره الآخر ، وهو قوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء .. }النساء1 ، ولم تكن عملية الشطر هذه كما تتخيلها عقولنا القاصرة ، بل كانت عملية (إنشاء).. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، وكل شطر (نصف نفس) منهما جعله الله صالحا أن يحيا في جسد ذكر أو أنثى ، فإذا دخلت لأي جسد فسوف تتعامل بقوانينه وناموس خلقه ، ولا تتعجب فنفسك لو ولدت في جسد أنثى ، فسوف تحيا وتتعامل كأنثى ، ولو دخلت في جسد ذكر فسوف تحيا وتتعامل كذكر ، فحالة الذكورة والأنوثة هي حالة مؤقتة للحياة على الأرض ، وتنتهي بانتهاء الأجل على الأرض .

وبالتالي فهذه الحالة المؤقتة (نصف نفس ناقصة تحتاج للتكامل) ، وتلك الحالة من أسس متطلبات الحياة الدنيا ، فلولا النقصان والحاجة للتكامل ، ما حرص الذكر والأنثى على التكامل ، وما نتج عن محاولتهما للتكامل أجيال جديدة تستكمل رحلة الاستخلاف على الأرض ، فإذا وصلنا إلى يوم القيامة … وانتهت رحلة الاستخلاف على الأرض لنوع أو فئة من المخلوقات مثل (بني آدم) ، فما عاد هناك سببا أو ضرورة لاستمرار النفوس في حالة النقص ، فلابد من عودة النفوس للتكامل مجردة دون أجساد ، فيقول سبحانه في سورة التكوير عن أحداث يوم القيامة … {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }التكوير7 ، فتعود النفوس لحالتها الأصلية الأولى متكاملة ، فلم يعد وجود لنفوس ناقصة ، بعدما تكاملت النفوس ، وحينها يتلاشى وجود الوالدين والأولاد والأنساب فيقول لنا الخالق العظيم عن يوم القيامة .. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 ، ولا يخطر على بال أي نفس أن تسأل أو تتساءل عن أولادها وأنسابها أو عائلاتها ، خاصة عندما تتذكر الحقيقة كاملة ، وتكتشف أنك قد مررت برحلة الحياة عشرات المرات من قبل ، ولك مئات الأولاد والوالدين وآلاف الأقارب ، فمن منهم تتذكر أو تسأل عنه ، فقد كانت علاقاتكم سويا مجرد لقاء في أحد رحلات الاختبار على الأرض ، وكانت بنفوس ناقصة قد تكاملت ، فتلاشى وجود النفوس الناقصة التي تعاملنا معها ، فلا تهتم النفوس الكاملة إلا بنفسها ومصيرها .

وهذا هو الرد القاطع من الله سبحانه وتعالى على الذين يظنون ويدعون جهلا بأنه سوف يجتمع مع فلان في الجنة ، فأين نفس فلان التي تريدها ، وهي قد عادت وتكاملت مع نصفها الآخر ، أو أكذوبة أن حور العين للرجال في الجنة ، وكيف يكون حور العين للرجال ، وقد اختفت الرجولة والأنوثة ، فحور العين للنفس الكاملة في نشأتها الأخيرة ، ولم يعد هناك شيئا من متطلبات الحياة الدنيا ، فحقيقة الخلق شيء مختلف عن ادعاءات البشر وخيالاتهم ، وظنونهم أن خلق الله محدود بقدراتهم على التخيل والفهم ، فيوم القيامة لا ذكر ولا أنثى ، ولا والدين ولا أقارب ولا أنساب ولا علاقات باقية من الدينا ، إلا علاقات نفوس ببعضها طبقا لحالات النفوس الكاملة بعد عودتها لحالتها الأولى ، بل إن هناك ما هو أخطر من ذلك وأهم ، وهو أنك في رحلة اختباراتك في الدنيا قد جئت في حيوات مختلفة وبصور ومعطيات مختلفة ، فكم من النفوس احببتها أو تريد أن تصاحبك في الآخرة وكيف ستجتمع بها بعدما اكتملت النفوس الناقصة واختفت نفوسنا الناقصة تماما ، وعادت النفوس لأصل خلقها ، وهو قول الله تعالى .. {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ }الأنبياء104 ، فعادت النفوس من حالة المستودع المؤقتة (نفس ناقصة) إلى حالة المستقر (نفس كاملة) ، والمشار إليه في قوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 .

ولا ننسى .. أن عملية خلق نفوسنا أيضا .. قد بدأت بعملية (إنشاء) ، ولم تكن عملية شطر (قطع للنفس من أصلها) فقط ، بل كانت عملية (إنشاء) نتج عنها (نفوسا بديعة) رغم نقصانها ، وكفى قدرتها على ممارسة حركة الحياة باستخدام جسد مادي حي ، ورغم أنها نصف نفس ، إلا أن الله بعملية الإنشاء جعلها الله نفسا قائمة بذاتها ، وقادرة على تحمل أعباء الحياة ، ولكنها بعودتها يوم القيامة لأصلها (نفسا كاملة) ، فلابد أن يكون لها تعاملات مختلفة ، وقدرات مختلفة ، وأساليب حياة مختلفة ، هي الحياة الحقيقية (الحيوان) ، {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }العنكبوت64 ، فحياتنا بالنسبة للحياة الحقيقية كنفوس كاملة هي لعب ولهو مؤقت بهدف محدد (الاختبار) .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، هذا لو كنا مدركين وواعين لمعان آيات الله ، وبالتالي لابد أن نعي أن حور العين هي للنفس الكاملة ، وأن الأجساد التي سوف يمنحنا الله إياها يوم القيامة ، سوف تكون مختلفة وتتناسب مع كمال النفوس ، وهي النشأة الآخرة التي أشار الله لها سبحانه في سورة العنكبوت بقوله تعالى .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 .

والخلاصة أن .. الحياة التي نحياها ليست هي الحقيقة الكاملة ، بل هي جزء صغير غير كامل من حقيقة حياتنا كنفوس ، فحياتنا اليوم هي أحد رحلات اختباراتنا في الدنيا ، فقطار الحياة نركبه رحلات متتالية ، وكذلك بين سبحانه في قرآنه العظيم ، وبالتالي .. فحياتنا اليوم حياة ناقصة موقوتة من خلال جسد مادي حي ، ولكنه ضعيف ومليء بالثغرات مقارنة بالكمال ، لأن النقص والضعف والاحتياج هم أركان ناموس الله في خلقه للدنيا ، أما الجسد (المطية التي نستخدمها للرحلة هذه المرة) ، فالحقيقة الواضحة أن علاقتنا به مؤقتة خلال رحلة الدنيا ، فقط من أجل أن نتميز عن بعضنا بشكله ورسمه ، ونستخدم هذا الجسد لممارسة الحياة لهذه الفترة مؤقتة ، ثم نغادره كما اعتدنا مغادرته يوميا ، وكما غادرنا غيره من قبل ، ولكن عند الوفاة (لانتهاء الرحلة) نغادره بلا عودة له مرة أخرى مطلقا ، وقد ندخل في حياة أخرى في جسد آخر بمعطيات أخرى مختلفة ، سواء بعدها أو متزامنا أو متوازيا معها ، وتلك قصة أخرى .. ، ولكننا في النهاية نمر بحالة حلم نشعر أنه طويل نسبيا ، ولكن حقيقته أنه يمر مر السحاب ، وسرعان ما ننتقل منه إلى غيره ، وإلى حيوات مختلفة .

أخيرا .. كفى أن الله لامنا وسخر من قولنا (أن حياتنا الدنيا هي كل ما لدينا لنحياه لمرة واحدة فقط وبعدها إلى القبر ثم إلى يوم القيامة) ، ووصف قولنا هذا بأنه (جهل ومحض افتراء وظنون كاذبة) وهو قوله تعالى .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، ومع ذلك ما زلنا نعتقد وندعي كذبا أن حياتنا اليوم ، ستنتهي إلى القبر ثم إلى يوم القيامة ، ولا حيوات أخرى لنا ، ولا فرصة أخرى لنرتقي ، وأن نفوسنا اليوم هي نفوسنا يوم القيامة ، وأن أحوالنا ووجودنا كذكر وأنثى هو نفسه أحوالنا يوم القيامة ، وهو قمة الجهل والضلال ، وما وصلنا لهذه البهتان لأننا هجرنا القرآن العظيم ، وتجاهلنا آيات الله وصدقنا ظنون وخيالات وضلالات شياطين الإنس والجن ، وهو ما يعد شركا بالله تعالى ، رغم أن الله أوضح لنا طبيعة النفوس وأحوالها وأمراضها وعلاجاتها في أكثر من (400) اربعمائة آية ، وهو ما يزيد عن ضعف آيان الفقه (الفروض والحدود والمعاملات) ، التي ألفنا فيها ملايين الكتب والمجلدات ، كما بين سبحانه الغرض من خلقه للإنسان ، وهي مهمة العبودية أو (العبادة الحقيقية) ، وليست الأكذوبة الكبرى بأن العبادة في المناسك والفروض (الصلاة والصيام والزكاة وذكر الله والحج) .. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..
جمال عمر