السعادة في رمضان .. (2) …. بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر على الأرض بكل الخير والصحة والسعادة ، بمناسبة شهر رمضان المعظم ، وكالعادة .. لا نخص بالتهنئة المسلمين فقط ، مثلما يفعل الجهلاء وتجار الدين الذين يكررون نفس الفكر العنصري ، ويدعون أن من ولد مسلما هو فقط من أولياء الله وعياله وخاصته ، وهي فكرة حمقاء موروثة ممن سبقونا “يهودا أو نصارى” ، فكل عام وكل إنسان خلقه الله وجعل له رزقا في الدنيا راض وسعيد بحياته ومعطياتها ، فقمة درجات السعادة هي في الشعور بالرضا عن معطيات الله لك في الحياة ، ومعجزة الله في خلقه لابن آدم ، أن النفس لا تصل للسعادة ، ولا تتفجر في جسده هرمونات السعادة ، إلا لو ذاق المشقة والكبد والتعب في سعيه لإعمار الدنيا ، والأروع أن النفس بفطرتها شديدة الحب لخير الدنيا والناس من حولها ، { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ  } العاديات8  ، ولذلك فالنفوس المرفهة المدللة التي اعتادت أن تأخذ فقط ما تشتهي ، هي دوما أقرب للاكتئاب والإحباط بل والانتحار ، والأجساد المرفهة ضعيفة مترهلة أقرب للمرض والعجز من الأجساد المتعبة المرهقة من العمل والكد والكدح .

ومن قمم إعجاز الله في خلقه للبشر ، أنه لا تتفجر هرمونات السعادة في جسد الإنسان عند حصوله على المتعة من إدمان تحقيق شهواته مطلقا ، لأن المتع تفجر هرمونات المتعة الوقتية فقط (الدوبامين – الأندروفين) ، والتي إن لم تلحقها هرمونات السعادة (السيروتونين – الإكسيتونين) ، تنقلب هرمونات المتعة سريعا إلى عنصر تدمير لصاحبها ، حيث تولد في النفس نهما مرهقا لمزيد من المتع وهو (الإدمان) ، وهو ما يدفع محترفي المتع للإرهاق النفسي والإحباط والاكتئاب ، وعجبا لمعجزة خلق الله للنفوس ، فلا تتفجر هرمونات السعادة (السيروتونين – الإكسيتونين) في جسد الإنسان إلا عندما ينجح في إسعاد غيره ، ويتعب ويكد من أجل من حوله ، وتكتمل سعادة الإنسان من أية متعة ، فقط عندما تكون متعته مشتركة ومرتبطة مع متعة غيره ، وهو ما يحدث بين الأزواج لو كان كل منهم حريصا على إسعاد الآخر ، فعندما تدرك النفس أنها قد أسعدت مخلوقا غيرها ، تتفجر في جسدها هرمونات السعادة بتركيزات عالية ، ولذلك سوف تجد الأم الكادحة المنهكة من أجل بيتها وأولادها ، هي أسعد مخلوقات الله على الأرض ، ولا تكل ولا تمل من كدها وكدحها لراحة أسرتها ، مهما اشتكت وصرخت من متاعبهم ، فشكواها غالبا ما تكون فخرا وتباهيا بما تفعله ، وأحيانا تكون مجرد تنفيس وتفريغ لطاقات سلبية ناتجة عن ميول فطرية للتخلص من تأثير المعاناة ، فتكسبها مزيدا من القوة والصبر والتحمل ، فالمشقة والكد والتعب هم بذور السعادة الحقيقية ، وهو ما يجب أن يصحح مفاهيمنا عن الهدف الحقيقي لقول الله تعالى .. {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} البلد4 ، وذلك أن الخالق العظيم يريد الخير دوما بعباده وخلقه.

ولذلك .. فشهر رمضان بمشقة شعائره ومراسمه ، يعد أجمل وأروع مناخا للسعادة ، وما أدراك ما رمضان في (مصر) ، بلادنا العامرة بذكر الله ثم بطقوسه وموروثاته الرائعة ، وهو ما يجعله شهرا زاخرا بمظاهر وعلامات تضاعف من الإحساس بالسكينة والسعادة ، وإضافة لما يحمله الشهر من عبق وذكريات وسكينة تعم الأجواء والشوارع والمنازل ، يمتاز رمضان بتزايد مشاعر الود والتراحم بين البشر ، فلا يوجد صائم واحد لا يقدم زكاته وصدقاته في هذا الشهر ، حتى لو كانت لقمة أو تمرة أو حتى بسمة وكلمة طيبة ، فشعورك بأنك قدمت منفعة أو إفطار لصائم ، أو ساعدت ضعيفا أو مريضا أو فقيرا محتاجا ، كل هذا يفجر هرمونات السعادة بكثافة عالية في جسدك ، ويمنحك شعورا بالرضا عن نفسك التي حققت أهم وأكبر رغباتها وشهواتها الفطرية بالقدرة على العطاء ، فالنفس التي لا تعطي .. هي نفس فقيرة محرومة كئيبة لا تنال السعادة مطلقا ، ولا تصل لقمة السعادة في الرضا مهما خطفت من ألوان المتع في الدنيا ، ولذلك تجد أجواء النفوس في رمضان هانئة ولها عبق خاص ، تشتم رائحته في أنفاس الطرقات والبيوت وتسحرك نغماتها الأثيرية من تراتيل ونداءات الآذان والصلوات والتواشيح والأغاني ، بعيدا قدر الإمكان عن حمى الفضائيات وشياطين الإنس المتسللة للنفوس والبيوت باسم الفن والدراما الرمضانية .

ولنتوقف قليلا أمام قوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183 ، ففي هذه الآية الكريمة يختتمها سبحانه بتوضيح بليغ يجيب باختصار عن السؤال الذي نخطيء دوما في الإجابة عليه .. لماذا فرض الله الصيام على البشر ؟؟ .. ، فالصيام هو أقدم مناسك الخضوع والاستقامة والتي فرضها الله على كل خلقه عبر تاريخهم على الأرض ، وهو قوله تعالى .. { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ .. }البقرة183 ، فأهم أسباب فرض الصيام هو تهذيب النفوس ، ويذكر سبحانه سبب فرض الصيام بجملة مختصرة بليغة ، وهي قوله تعالى (لعلكم تتقون) .. بمعنى أنك لو امتنعت عن الحلال في الصيام ، فلعلك تستحي أن تفعل الحرام وأنت صائم ، فإذا اعتدت أن تمتنع عن الحرام شهرا كاملا ، فلعلك تعتاد أن تمتنع عن الحرام بعد رمضان ، فتكون من المتقين (لعلكم تتقون) ، أو بمفهوم آخر .. لعلكم تعتادون اتقاء غضب الله وسخطه في ارتكاب المحرمات وأنتم ممتنعون عن الحلال خلال رمضان ، فتخرجون من شهر الصيام وقد اعتدتم الامتناع عن الحرام ، فالصيام تربية وتهذيب للنفس لعلها باستقامتها خلال رمضان ، تستمر في استقامتها بعد رمضان وحتى رمضان التالي ، فيكون رمضان علاجا وتقويما سنويا دوريا للنفوس (لعلكم تتقون) .

ولذلك ليس عجيبا .. أن يكون النداء هنا ليس للمسلمين .. ولكنه للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) ، لأن النفس التي أسلمت لله عندما ترتقي في إسلامها تصبح مؤمنة وهي درجة أعلى في القرب من الله ، ولذلك فالنداء (يا أيها الذين آمنوا) هو تحفيز لكل مسلم أن ينتقل من مرتبة الإسلام لله فقط إلى مرتبة الإيمان ، وفارق كبير بين المسلم والمؤمن ، حيث وضحه سبحانه بقوله تعالى .. {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }الحجرات14 ، فالمسلم هو من يسلم الناس من أذى لسانه ويده ، أما المؤمن فهو .. من يأتمنه الناس على أموالهم ونفوسهم وأعراضهم ، فالله يدعو كل مسلم أن يرتقي لمراتب الإيمان ، لأن الإيمان هو ما يحمي ابن آدم من الزلل والسقوط فيما يغضب الله ، ويصون المجتمعات من الشرور ، لأن الإيمان هو يقين في القلب ، يمنحه السكينة والرضا ، ويرفع قدور حبه لغيره من البشر ، حتى قال رسولنا الكريم (والله لا يؤمن ثلاثا .. من لا يحب لأخيه ما يحبه لنفسه) ، والإيمان يزيد النفس قوة وقدرة على التصدي لما يجرها لسخط الله وغضبه من الشهوات وفتن الدنيا ووسوسة القرين وهمزات الشياطين .

 ولذلك سوف نجد أن المؤمن على وجه الخصوص .. قد حظى باهتمام آيات القرآن العظيم كثيرا ، فالمؤمن في كتاب الله مبشر برضا الله {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين} البقرة223& يونس87& الصف13 ، والله يتولى المؤمن ويتكفل به { وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ } آل عمران68 ، { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } الأنفال64 ، والمؤمن هو محل فضل الله { وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} آل عمران152 ، وبشر الله المؤمنين بالفضل الكبير {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً }الأحزاب47 ، والله لا يضيع أجر المؤمنين { وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}آل عمران171 ، كما الله وعد المؤمنين بعظيم الأجر { وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} النساء146 ، والمؤمن دوما في معية الله { وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} الأنفال19 ، والله وعد المؤمنين أن ينجيهم من كل كرب وهم وغم {وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ }الأنبياء88& يونس103 .

بل أن الله قد جعل (نصره للمؤمنين) وعدا عليه حقا .. بقوله تعالى .. { .. وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } الروم47  ، بل ووعد المؤمنين بألا يجعل للكافرين عليه سلطانا ولا تأثيرا بقوله تعالى .. {.. وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا }النساء141 ، والمؤمنون فقط هم من تنفعهم التذكرة {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ }الذاريات55 ، كما وعد الله من يؤذيهم أو يفتنهم عذاب جهنم {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ }البروج10 ، كما وعد الله المؤمنين بجناته ورضوانه {وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }التوبة72 ، كما وعد الله المؤمنين بالنور بين أيديهم يوم القيامة وجزاهم بالجنة {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }الحديد12.

فالصيام هو تدريب عظيم للنفس لترتقي إلى مرتبة المسلم إلى مرتبة المؤمن ، وبالتالي فالخاسر .. هو من لا ينتهز فرصة التأهيل الرمضانية الرائعة بمشقتها ، ويرتقي بنفسه ليكون مؤمنا ، فالإيمان يستوجب رضا الله ومغفرته لعبده المؤمن ، ولذلك ما قاله رسولنا الكريم .. “رغم أنف امريء دخل رمضان وخرج ولم يغفر الله له” ، والرغم هو التراب والمعنى “دست أنفه في التراب من الذل والخسارة من لم يخرج من رمضان مغفورا له” ، فرمضان شهر نفحات الله تعالى ، فلله عتقاء من النار في كل ليلة ، ويعتق في آخر ليلة مقدار ما عتق من النار في الشهر كله ، وفيه ليلة خير من ألف شهر ، هي ليلة القدر ، لا يرد الله فيها دعاء ، ويغفر فيها لمن يشاء ، ويتنزل سبحانه في كل ليلة منه ليغفر ويستجيب لمن يدعوه ، وتصفد الشياطين ، وتفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار ، فهو شهر خيرات ونفحات من الله على خلقه وعباده ، وطوبى لمن فاز برضا الله وغفرانه ورحمته في هذا الشهر ، حتى ولو فاز بلحظة رضا لله من الشهر كله ، فهي خير له من الدنيا وما فيها .

وأخيرا .. يجب أن لا ننسى .. أن نكثر من الدعاء بكل الخير لغيرنا من البشر ، وتلك ليست دعوة للحب والتعاطف ، ولكنها ذكاء في التعامل مع الله ، فكل خلق الله عياله وعباده ، ومن دعا واهتم و أحب غيره من عيال الله وخلقه ، أحبه الله ورعاه واستجاب له ، ووهبه كل الخير بكل دعوة دعاها لغيره ، ولا ننسى أيضا أن إعمار الأرض وقضاء حوائج الناس ومصالحهم مقدم ومفضل على فعل المناسك والفروض ، بمعنى أن استقامتك في عملك مفضل عند الله على صيامك وصلاتك وقيامك وتهجدك ، فمن سهر الليل في صلاة التهجد والقيام ، ثم استيقظ متعبا فمنعه تعبه عن آداء عمله أو قضاء مصالح الناس ، فقد استوجب سخط الله وغضبه ، ولم يقبل الله منه صلاة ولا صياما ولا قياما ، فمصالح الناس وقضاء حوائجهم جعلها الله مقدمة ، وخير حتى من الاعتكاف والانقطاع للمناسك ، حيث قال صلوات ربي وسلامه عليه { لساعة يقضيها أحدكم في حاجة أخيه ، قضاها الله أو لم يقضها ، لهي أحب إلى الله من اعتكاف أحدكم في مسجدي هذا شهرا أو شهرين } ، وتلك حقيقة (فساعة واحدة تقضيها لمساعدة إنسان أيا كانت نتيجتها فهي أحب إلى الله من اعتكافك في مسجد رسول الله ولو شهرين) فلابد أن نكون حريصين أن لا يكون صيامنا مانعا أو معوقا أو مسببا للتقصير في العمل أو الواجبات ومصالح الناس ، حتى لا يكون صيامنا وبالا علينا بسيئات مضاعفة وخسرانا علينا ونحن لا ندري ، ولا ينالنا منه إلا الجوع والعطش ، وليس من العقل ولا الدين أن تصوم لتفطر بمال حرام تكتسبه من عمل قصرت فيه ، أو نصوم لنهذب نفوسنا فنوبقها بفعل المحرمات بالإضرار بمصالح الناس ، ونحن ممتنعون عن الحلال ، وختاما فإن لدينا فرصا عظيمة ومتكررة يوميا ، أن نجعل رمضان أيام خير وبركة ورضا وسعادة نمنحها لغيرنا ، ونحن على يقين أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم إلى أين ؟؟؟ … بقلم : جمال عمر

ماذا يحدث في العالم ؟؟ ، وإلى أين ؟؟ ، سؤال أصبح معتادا ومقلقا ، …

تعليق واحد

  1. جعلنا الله و اياكم من المؤمنين القانتين لله و بفضله نجبر الخواطر و نساعد المحتاج لنشعر بالسعادة و الله يرضى عليكم و علينا… جعلها الله في ميزان حسناتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *