السعادة .. في رمضان (1) ….. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
13 مارس، 2024
اراء ومقالات, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
705 زيارة

رمضان كريم ، وكل عام وكل البشر على الأرض بخير وصحة وسعادة ، فرمضان جعله الله خيرا على الناس جميعا وليس فقط على المسلمين “كما يدعي تجار الدين” ، فكل خلق الله عياله ويحبهم سواسية ، ويحاسب كل منهم على قدر معطياته في الدنيا ، وما أمرنا الله إلا أن نتسابق في الخيرات ، وأن نسعى جميعا لتحقيق السعادة ، ولذلك سوف تجد من يقول لك ، أن الإنسان مخلوق باحث عن السعادة ، وتلك عبارة ممتعة وربما تلقى رواجا في نفوس كثير من البشر ، ولكنها عبارة خداعة في كل معانيها ، لأسباب بسيطة ، أولها .. أنك لو بحثت عن السعادة خارج نفسك فلن تجدها ، فالسعادة تبدأ وتنتهي في نفسك وحدك ، فلا تبحث عنها عند غيرك ، وثانيا .. أن كلمة السعادة نفسها لفظ نسبي وغير مطلق ، فكثير منا يرى السعادة في طرف آخر يستمتع معه فيذوق معان الهناء والرضا والاكتفاء ، وكثيرون يرون السعادة في الغنى والثراء ، وآخرون يرونها في العزوة والآولاد والأهل ، ومعظمنا يراها في بعض من كل شيء ، ومع ذلك فالسعادة في كل نفس بشرية تختلف في قدورها عن غيرها اختلافا جذريا ، حتى أن البعض قد يجد سعادته في لحظة صفاء مع النفس يرضى فيها بكل معطيات الحياة التي لا يملك منها شيئا ، سوى أن يراها في بسمة طفل أو ضحكة إنسان بريئة .

عند هذا الحد ، فقد تفرق دم السعادة بين المعاني والكلمات ، ولا تعريف حقيقي للسعادة يمكن لإنسان أن يعتبره مطلقا يصلح لكل البشر ، إلا أن السعادة الحقيقية دوما لها شروط ، وشروطها الأساسية لا تأتي من خارج النفس الباحثة عن السعادة ولكنها شروط يجب أن تتوافر داخل النفوس ، وانعدام الفرصة لتوافر هذه الشروط هو ما يجعل رحلة البحث عن السعادة شاقة وفاشلة من قبل أن تبدأ ، والتي تبدأ حقيقة في السنوات الأولى لعمر الإنسان بين يدي أمه أو من يربيه ، وتلك هي المعضلة ، فإيجاد السعادة يتعلمها الإنسان في طفولته ، ومن الصعب أن يتعلمها بعد نضوجه وتحمله مسئولية حياته ، حيث يزداد الأمر صعوبة إذا تحمل مسئولية أخرى بشريك حياة وأبناء ، فالفاشل في الحصول على السعادة وحيدا .. لن يستطيع إيجادها وقنصها مع الآخرين ، خاصة وهو يزداد حملا يوما بعد يوم ، بل ستتحول رحلة البحث عن السعادة إلى رحلة البحث عن التعاسة والاكتئاب ، لأنه يبحث عن شيء في غير مكانه خارج نفسه التي اعتادت قتل السعادة والبكاء على فقدها ، ولكن إذا عرفت حقا حقيقة السعادة ومصادرها ، فسيصبح الأمر جميلا ورائعا ، وستعتاد الحصول عليها وممارسة طقوسها بتلقائية ، فتتحول حياتك لسيمفونية سعادة مليئة بالرضا والهناء وكذلك زاخرة بالمتناقضات والمتاعب المقبولة والمولدة للسعادة أيضا ، ولكن السعادة تتطلب شروطا نفسية أساسية والتي تعتبر الطاقة اللازمة لمصانع السعادة في نفسك لتعمل بكفاءة وهي “التقدير والصبر والرضا”

فالشرط الأول لإدراك السعادة هو قدرتك على تقدير ثمن السعادة ودفعه مقدما ، “فكل شيء له ثمنه” ، ولا شيء في الحياة بلا مقابل ، فإذا أردت أن تحيا سعيدا فلابد وأن تبذل الجهد لإسعاد غيرك ، وهذا لن يكون إلا إذا تعلمته صغيرا في سنوات عمرك الأولى ، عندما كنت لا تدرك إلا بساطة متطلباتك من الحياة ، فالطفل المدلل الذي لايرى أحدا بجانبه ويرى أنه لا يوجد من يستحق شيئا سواه ، واعتاد أن يفعل ما يحلو له ويأخذ ما يتمناه ، دون حدود أو قيود ، هذا المدلل لن يصبح يوما قادرا على اقتناص السعادة مطلقا ، لأنه تربى على مخالفة أول قوانين “ناموس” الكون ، وهو أنه “لا شيء بلا مقابل” ، ولا فعل بدون رد فعل ، فهو اعتاد زورا أن يأخذ دون مقابل ، فهو لم يتعود أن يبحث أو يتعب نفسه أو يدفع مقابلا للوصول لما يسعد غيره ، وبالتالي فلن تتولد أو تنمو داخله أي نوع من القدرات على إيجاد السعادة مطلقا ، وسنجده دوما ممثلا لصور الفشل المتكررة في حياته ، زوجا فاشلا ووالدا فاشلا وأخا فاشلا وموظفا فاشلا ، وإن اختلفت درجات الفشل حسب ما استطاع علاجه وتعلمه .

الشرط الثاني للسعادة من ناموس الكون يتمثل في الصبر على متاعب الدنيا برضا وتفاؤل ، وهذا يتطلب الإيمان المطلق بصدق المقولة “لا راحة في الدنيا” ، وهي مقولة صادقة ويؤكد أصحاب التراث أنها أحد ثلاثة نواميس مكتوبة على ساق عرش الرحمن ( لا راحة في الدنيا – لا حيلة في الرزق – لا شفاعة في الموت) ، والأولى عبارة حقيقية حتى من واقع فطرة خلق نفوسنا وأجسادنا ، فالطفل المدلل الذي لا يكلف بأي مجهود بدني ينشأ شابا كسولا جسده ضعيف ، في حين سترى أصحاب الأجساد القوية هم فقط من تتعب أجسادهم وتتحمل المشقة بنفوس راضية ومتحمسة ، وكذلك النفوس التي اعتادت الحياة السهلة لن تستطيع تحمل مشاق الحياة ، وسوف تكون أكثر النفوس حزنا واكتئابا وأسرع يأسا ، ولذلك سوف تجد أكثر الناس سعادة ورضا وقدرة على ممارسة الحياة بسعادة أكثرهم تحملا للمشاق النفسية والجسدية ، ولكنك أيضا سوف تجد هؤلاء هم أكثر الناس التزاما بالحدود والقيود ، فقناعتك مبكرا أنه لا راحة في الدنيا ، سيغنيك عن تكرار الشكوى والحزن من متاعب الدنيا ، فالمتاعب لابد منها ، وحياتك ستستمر بمتاعبها شئت أم أبيت ، وبالتالي تبدأ سعادتك الحقيقية عندما تستطيع التمتع بمشاق الحياة وتفاصيل متاعبها ، تماما مثلما يحول المصريون جميع عيوبهم ومشاكلهم إلى نكات يسخرون منها ومن أنفسهم ، وهو ربما شرط صعب على الكثيرين ، ولكنه الحقيقة المؤكدة .

الشرط الثالث للسعادة هو الرضا والقناعة النفسية ، وهو شرط نسبي يتفاوت بين الأشخاص والمجتمعات والمستويات ولكنه في النهاية هو شرط أساسي للقدرة على إيجاد السعادة واستمرارها ، فالنفوس المتنطعة والصعب إرضائها ، لا تجد السعادة مطلقا مهما ادعت أو حتى كذبت على نفسها ، فالاكتفاء والقناعة يعد من أهم شروط الإحساس بالسعادة ، تماما مثل زوج يرى في زوجته كل ما يرضيه ويكفيه ، وآخر دوما يتقلب بين النساء باحثا عن ألوان وأنواع تستهويه حتى يمل منها فيبحث عن غيرها ، فهو لا يكتفي مطلقا بما لديه ، ولا عجب أن نكتشف أنه هو نفسه الطفل المدلل الذي اعتاد أن يأخذ ما يريد متى يريد ، وبالتالي فقد قدرته على إسعاد غيره ونفسه منذ نعومة أظافره ، ثم فقد قدرته على القناعة والرضا بما قسم الله له ، فمثله لابد وأن يشقى عمره كله .

وبقدر توافر شروط الاستعداد النفسي لصناعة السعادة في نفسك ، بقدر قدرتك على العيش سعيدا أكبر وقت ممكن من حياتك ، ولعل رمضان هو أكبر نفحات السعادة الزمنية في الكون في كل عام ، ففي رمضان ترتقي النفوس وتسموا ، وتشعر النفوس بغيرها ، وتسعى لقرب ربها ، وتحمد الله على ما رزقها ، وتشارك به مع غيرها راضية راجية رضا الرحمن ، ولذلك يجب عند الحديث عن السعادة أن نتوقف لنرى موقع السعادة في معان دستور البشرية الرباني “القرآن الكريم” ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا …
جمال عمر
جزاك الله كل الخير و وفقك لرقي فكرك و قلمك