هل ضلال البشر .. حرفة أم شهوة (2) …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
24 فبراير، 2024
اراء ومقالات, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
492 زيارة

توقفنا من قبل عند عدة حقائق ذكرها سبحانه وتعالى عن بني آدم ، أولها أن بني آدم هم آخر سلالة للإنس على الأرض ، وأنه سبحانه قد خلقهم ليكونوا خلفاء على الأرض ليعمروها ، وتلك هي المهمة التي خلقهم الله من أجلها ، وبالتالي فهي (العبادة) بمعنى هي مهمة العبودية ، ونتوقف هنا عند فروق المفاهيم والمعاني بين العبودية والعبادة ، فلو كان إعمار الأرض هي المهمة التي سخر الله البشر لينفذوها مجبرين ومرغمين ، لكانوا عبيدا لله لإعمار الأرض ، ولكنه سبحانه جعل الرغبة في إعمار الأرض فطرة في نفوس بني آدم ، وبالتالي فبني آدم يؤدونها برغباتهم الغريزية ، ثم جعل سبحانه لابن آدم إرادة تمكنه أن يفعل أو لا يفعل ، فتحولت مهمة العبودية من تسخير بلا إرادة إلى (عبادة) يؤديها ابن آدم (كفاعل) صاحب إرادة وهمة فطرية في تنفيذها ، ولأن العبادة (إعمار الأرض) جعلها الله فطرة في النفوس ، فلا يشعر كثير من المفسرين والعلماء بحقيقة أنها العبادة الحقيقية ، ويقعون في الفهم الخاطيء جهلا ، بأن العبادة لابد وأن تكون أفعالا وأقوالا للتقرب إلى الله .

ولا شك أن العبادة الحقيقية هي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح كما أرادها الله ، وهي عملية شاقة ومتعبة في الدنيا ، ولا شك أن إخلاص ابن آدم في تنفيذها سوف يجعله دوما في كبد ومشقة ، وهو بالفعل قرار المولى عز وجل في حياة البشر { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ } البلد4 ، وهو ما يفتح الأبواب لفهم كثير من المفاهيم فهما صحيحا ، أولها مسألة الكبد نفسها وعلاقتها بخلق الإنسان وتركيبه ، ثانيا .. المفهوم الحقيقي للكبد ، فهو ليس عذابا ولا مشقة يجب أن يهرب منها ابن آدم ، كما فعل الحمقى الذين ادعوا أن العبادة في آداء (مناسك الخضوع والاستقامة) هروبا من مشقة الإعمار والكد والكدح ، فهؤلاء استذلهم الشيطان فزوروا مفهوم العبادة ، ليتفرغوا للاستزادة من متع الله في الدنيا ، وذلك بلي أعناق آيات الله فيحللوا لأنفسهم المتع حتى ولو كانت حراما ، مثلما أحلت فئات منهم زواج المتعة ، ونكاح الخدم (كملك اليمين) ، وبعضهم استحل نكاح الطفلة والاستمتاع بها ، وبعضهم لم يحرم نكاح البهيمة ، وكأنهم جاءوا للدنيا فقط من أجل متع النكاح والطعام ، ولا عجب ، فهم أشركوا بالله بل وكفروا بقيومية الله عندما زوروا العبادة الحقيقية ، وحصروها في أقوال وأفعال ومظاهر التقرب من الله بآداء (مناسك الخضوع والاستقامة وهي الصلاة والصيام والزكاة والحج وذكر الله) والمبالغة فيها ، حتى أفسدوها وفرغوها من حقيقة هدف فرض الله لها ، وهو ضمان استقامة بني آدم في إعمار الأرض ، والتي هي (العبادة) الحقيقية التي خلقنا الله من أجلها.

أما عن الكبد .. فهو ليس بتعذيب ولا شقاء في الدنيا ، ولكن الكبد فعليا هو المتعة ، بل هو عين المتعة في حقيقة خلق البشر ، فمشقة إعمار الأرض هي أكبر وأروع ما يستمتع به ابن آدم بطبيعة خلقه ، لأنه سبحانه قد خلق (النفس) وهي لب ابن آدم وأصله ، عاشقة للكبد والمشقة ، فهي لا تقوى ولا يشتد عودها في الحياة إلا لو مرت بمصاعب نفسية ، وهو ما نراه واضحا كالشمس في الفرق بين طفلك المدلل ، وبين طفل نشأ وهو يعاني من مصاعب الحياة ، فالطفل المدلل سوف يكون ضعيف النفس ، ولا يتحمل مسئولية شيء في حياته ، بل سيصبح بذرة للفشل في الدنيا ، ونواة للانحراف والإجرام ، بينما الطفل الذي نشأ في بيئة صعبة ، سوف تكون نفسه مؤهلة لتحمل المسئولية ، ولذلك لن تجد رسولا قد رباه أباه ونشأ في بحبوحة من العيش أو الترف ، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام رباه عمه ، والذي تبرأ منه وهدده بالرجم ، وموسى ولد يتيما ومطاردا ، وعانى الكثير رغم أنه تربى في قصر فرعون ، ويوسف نشأ عبدا في قصر عزيز مصر ، وعيسى ولد بلا أب ومطاردا منذ صغره رغم المعجزات التي جاء بها ، وخاتم الرسل (محمد) ولد يتيما يربيه جده ثم عمه ، ويعمل منذ صغره ليجد قوت يومه ، لأن المشقة هي تربية وتهذيب للنفوس ، وأما عن جسد بني آدم فحدث ولا حرج ، فالجسد الذي لا يتعب ولا يشقى يشب ضعيفا ومهترئا ، بينما الأجساد التي تكد وتتعب تنشأ قوية وصلبة وقادرة على آداء مختلف أنواع العمل الجسدي والعقلي بكفاءة وقدرة ، فضلا عن القدرة على الاستمتاع بالدنيا وما فيها حتى نهاية الأجل ، فالكبد في الدنيا هو سر قوة النفس والجسد وبالتالي هو سر استمتاع ابن آدم بحياته ، ولذلك سوف تجد المثل القائل ( لا حياة بلا كبد ) منتشرا في كل لغات البشر قديما وحديثا .

ويأخذنا الحديث عن الكبد ، لنتوقف طويلا عن طبيعة خلق الله لابن آدم ، فسبحانه خلقه ليكد ويكدح لإعمار الدنيا ، وبالتالي فطبيعة خلقه لابد وأن تكون متوافقة مع المهمة التي خلقه الله من أجلها ، وليس من المنطق أن نسأل مخلوقا عن حقيقة خلق الإنسان ما دام للكون إلها وربا عظيما هو خالق كل شيء ، ومبدع خلق الإنسان ، خاصة وأنه سبحانه قد حدثنا في أكثر من (1000) ألف آية عن خلق الإنسان ، والتي أوضح فيها سبحانه أن ابن آدم قد جاء للحياة كنتيجة لتضافر ثلاثة عناصر أساسية ، وكل منهم في حد ذاته هو خلق منفصل ومتكامل لله وحده ، وهذه العناصر الثلاثة هي (الروح ، الجسد ، النفس) ، وأما لفظ (الروح) فقد ورد في القرآن الكريم في ثلاثة وعشرين موضعاً، وردت جميعها بصيغة الاسم ، ومن ذلك قوله سبحانه { ينزل الملائكة بالروح من أمره } النحل2 ، أما الروح بمعنى منح الحياة ، والتي يكون بها قِوام الكائنات ، فقد وردت حوالي ستة مرات فقط ، وأشهرها وأهمها قوله تعالى .. {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي}الإسراء85 ، وقال فيها المفسرون أن (الروح) في الآية تدل على أنها العنصر المركب في الخلق الذي يحيا به الإنسان ، وانتشر اللغط في كنه الروح ووظيفتها ، مع أن الله حسم الأمر لخلقه بقراره الأزلي أن الروح (من أمر ربي) ، فلم يشأ الله أن يعلم مخلوقا عنها شيئا سوى أن وجودها يبعث الحياة في كل جماد .

فخلاصة القول في الروح أنها سر الله في إحياء أي جماد ، وهي تدخل جسد ابن آدم لتحييه ، ولا يعرف مخلوقا كيف تدخل الجسد ، لأنها حقيقة .. تدخل جسد ابن آدم وهو حيوانا منويا في جسد الرجل ، وكذلك تدخل البويضة في جسد الأنثى ، ونعرف جيدا أن الحيوانات المنوية الميتة (بلا روح) تسبب العقم للذكر في جميع المخلوقات ، وليس الإنسان وحده ، وكذلك البويضات الميتة (بلا روح) تسبب العقم للأنثى في جميع المخلوقات ، وليس الإنسان فقط ، فعملية دخول الروح للجماد هي عملية إلهية خالصة ، وشاء الله أن لا يدركها مخلوقا ، وكذلك خروجها ، فلا يعرف مخلوقا كيف تغادر الروح الأجساد مطلقا ، وليس صحيحا ما وقع البشر فيه بالخطأ ، عندما قالوا أن ملك الموت يقبض الأرواح ، فالروح تدخل الأجساد وتخرج بأمر الله وحده ، ولا سلطة لمخلوق عليها ، وهو ما سوف نعرفه جيدا عند التعرض لآيات خلق النفس التي تزيد عن (300) ثلاثمائة آية ، فالجسد من سلالة من طين الأرض ، فهو تطور راقي ودقيق لطين الأرض ، وفق منظومة خلق دقيقة ومعجزة ، ولها شفرتها الهندسية الدقيقة والمحفوظة في نواة كل خلية منها في شكل (كروموسومات) ويسمونها الخريطة الجينية المنفصلة لكل مخلوق ، ولا تحيا هذه الشفرة إلا بوجود الروح فيها ، بينما تتعطل وترجع لحالتها الأولى كجماد بمغادرة الروح .

أما عن النفس ، فهي (الإنسان) ، هي الأصل ، لأن الخالق العظيم تحدث عن خلقه لجسد الإنسان من ماء في ستة آيات ، وتحدث عن خلقه لجسد الإنسان من تراب في ستة آيات أخرى ، وتحدث عن خلقه لجسد الإنسان من طين في سبعة آيات ، ولكنه عندما تحدث عن خلقه للإنسان كنفس ، تحدث سبحانه في (313) آية تحديدا ، وضح فيها طبيعة خلقه للنفس وحركاتها ودخولها وخروجها وبدايتها ومسارها ونهايتها وأحوالها وأمراضها ، ثم ضرب سبحانه مثالا محلولا لحركات وأمراض النفس وتأثيراتها وعلاجها في (111) آية هي سورة يوسف ، لتصبح الآيات المباشرة في خلق النفس عددها (313 + 111) = 424 آية متكاملة ، توضح كل ما يجب أن يعرفه الإنسان عن نفسه ، وهو ما أهملناه وتجاهلناه ، بل واعتمدنا في دراسة النفس على نتائج تجارب بعض العلماء على المختلين والمجانين والمرضى النفسيين ، فضللنا واستبدلنا حقائق علم (النفس الرباني) بعلم (بشري) عاجز وجاهل ومشبوه ومشكوك في صحته ، ولذلك لا عجب أن نجد أن نتائج الشفاء للأطباء النفسيين لا تزيد عن 3% عبر تاريخ علوم النفس والعلاج النفسي ، لأسباب أهمها كان الوقوع في الخطأ الجسيم بعلاج النفس عن طريق علاج الجسد الذي يمرض متأثرا بمرض النفس ، فيدمرون الجسد بالعلاجات الكيميائة والجلسات الكهربية ، مع بقاء وتفاقم المرض النفسي دون علاج .

ونتوقف عن حقيقة النفس ، فيقول فيها سبحانه ، { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَع قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} الأنعام98 ، وهنا يقرر سبحانه أن أصل كل النفوس (نفسا واحدة) ، فكل النفوس من سديم واحد ، وبالتالي فكل المواصفات الفطرية متطابقة في كل النفوس دون استثناء ، ولكنه سبحانه لم يقتطع كل نفس من الأصل ، مثلما تقسم قطع العجين ولله المثل الأعلى ، ولكنه سبحانه يقول (أنشأكم) ، وعملية (الإنشاء) هي أحد أهم عمليات الخلق ، وأعقدها حيث يتفق الناتج من الإنشاء مع الأصل في الصفات والمواصفات الأساسية ، ولكنه يختلف عن الأصل في بعض من الصفات الفطرية الناتجة عن عملية الإنشاء ، النفس تتعرض لعملية الإنشاء مرتان ، الأولى عندما خرجت من سديم النفس الواحدة ، والثانية عند إنشاء النفس في الجسد البشري في رحم الأم ، ومن آيات الله نكتشف أن عملية الإنشاء للنفس هي عملية مؤقتة ، لتحقيق أهداف موقوتة ، فمجرد انتهاء أجل الحياة ، تخرج النفس من الجسد بلا عودة فتنفك عملية الإنشاء الثانية بالوفاة ، وعند قيام الساعة (القيامة) ، تعود النفس لأصلها كنفس كاملة فتنفك عملية الإنشاء الأولى ، وبالتالي فناتج عملية إنشاء النفوس هو حالة مؤقتة ، والتي يوضحها قوله تعالى (مستودع) ، بينما عودة النفس يوم القيامة لأصل النفس الواحدة المتكاملة هي (المستقر) ، وهي الحالة التي سوف نعود إليه بانتهاء أجل الاستخلاف على الأرض ، ولذلك يؤكد سبحانه على هذا المعنى بقوله تعالى في سورة لقمان .. {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} لقمان28 ، فنفس كل منا سوف تعود لمستقرها في سديم الوحدة الأصلية يوم البعث .

ومما يؤكد هذه العودة أنه سبحانه قال في مطلع سورة النساء .. { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً }النساء1 ، ونلاحظ أنه سبحانه يؤكد دوما أنه خلقنا وأنشأنا من نفس واحدة ، وجعلها ذكرا وأنثى ، بل يؤكد أنه سبحانه خلق للنفس زوجها ، فكلا من الذكر والأنثى كانا واحدة واحدة (نفسا متكاملة) ، وبقسمتها خرج منها الذكر والأنثى ، وهو ما يوضح أن السبب الحقيقي لغريزة الجنس لدى الذكر والأنثى ، هي الرغبة في التكامل مرة أخرى ، وهو ما سوف يحدث حتما بمجرد قيام الساعة ، وهو ما يوضحه سبحانه في سورة التكوير .. {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} التكوير7 ، وهذه الحقيقة بعودة النفس كاملة يوم القيامة ، تنفي وتكذب أساطير البشر وخيالاتهم حول (حور العين) للرجال في الآخرة ، وقصص تحول الإناث لـ (حور عين) يوم القيامة ، وبالتالي فحور العين هي مكافأة للنفس الكاملة ، بعد حدوث العودة للتكامل للنفس الواحدة الكاملة ، وانتهاء مرحلة (الذكر والأنثى) والتي كانت من متطلبات الحياة الدنيا فقط ، ولذلك يقول سبحانه عن حال البشر يومئذ في سورة المؤمنون .. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} المؤمنون 101 ، وكيف يكون هناك أنساب وقد اختفى الذكر والأنثى ، وبالتالي فهم لا يتسائلون عن الأنساب وعن كل ما كان في حياتهم الدنيا .

ونتوقف هنا لنعيد التذكرة بأن النفس في حالتها في الدنيا في صور (ذكر وأنثى) ، ما هي إلا حالة مؤقتة للنفس وقد اقتطع منها شطرها (زوجها) ، فأصبحت نفس ناقصة ، لتظل في الدنيا باحثة عن التكامل بالفطرة ، فإذا التقيا الذكر والأنثى ، نتج عن لقائهما جسديا ، تكوين جسدا جديدا (فيه روح) ، فإذا اكتمل الجسد الجديد في رحم الأنثى ، أذن الله لبدء عملية إنشاء نفس جديدة داخله ، فيتحول الجسد الجديد لخلق مختلف يسميه سبحانه (خلقا آخر) ، وهو ما شرحه سبحانه في سورة المؤمنون بقوله تعالى .. { ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين }المؤمنون14 ، فالجنين يتطور من نطفة إلى جنينا كاملا في أطوار خلق لقوله تعالى .. {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا }نوح13 ، 14 ، وباكتمال أطوار الخلق بنهاية الشهر الرابع للحمل ، يأذن الله بعملية إنشاء النفس في الجسد ، فيبدأ الجنين حركاته الإرادية ، وتقول الأم حينها أن الجنين قد تحرك ، ويقول العلم أن الجنين أصبح له حركاته الإرادية ، ولذلك فقبل دخول النفس (بنهاية الشهر الرابع) ، فالجنين ليس إنسانا ولكنه خلق مختلف فيه روح وينمو ، ولكن بإنشاء النفس في الجسد ، يصبح خلقا آخر (إنسان كامل) ، وتبدأ حينها النفس الجديدة رحلة التدريب على استخدام الجسد لمدة خمسة شهور ، وفي رعاية تامة وكاملة داخل رحم الأم .

وهكذا تدخل النفس للحياة مرة أخرى مع جسدها الجديد ، وتظل دون تحمل أي مشقة أو مسئولية لمدة خمسة شهور ، من أجل أن تتعلم استخدام الجسد الجديد وتتوافق معه ، ومن المهم أن نعرف أن النفس لا تستقر في الجسد مطلقا ، فمنذ دخولها للمرة الأولى ، وهي تخرج من الجسد وتنطلق في عالم النفوس يوميا ، ثم تعود للجسد مرة أخرى ، وهي عملية النوم التي نمارسها يوميا ، لأن الجسد لا يحتمل وجود النفس فيه باستمرار ، ولابد للنفس أن تغادره ليعيد صيانة ما أتلفه وجود النفس فيه ، فالجسد (كون منفصل) دقيق ومعجز ومتكامل ، وقادر على صيانة نفسه وإصلاح مت تلف منه ، وهي عملية دقيقة ومعجزة ، وتستمر طوال حياة الجسد ، وتخرج النفس من الجسد لأسباب عديدة ، أولها النوم يوميا ، وأحيانا عندما تصاب بالهلع أو الحزن أو المرض فتهرب من الجسد ، مثل نوم الطفل بعد عقابه من والديه ، ونوم البنات عندما يصيبهن مشكلة أو مرض ، أو للإغماء والغيبوبة التي تصيب البعض عند الحوادث الكبيرة ، وخروج النفس هنا هو عملية هروب للنفس من الجسد ، وهي نفسها عملية الهروب التي اعتادت عليها النفس ، منذ أن كانت تدخل الجسد وهو جنينا في رحم الأم ، فكانت النفس تهرب عندما تتعرض الأم لأي حدث يزعج النفس الجديدة ، وتقول الأم أن الجنين توقف عن الحركة ، وقد يستمر هذا الهروب لأيام .

أخيرا .. نتفق أن الإنسان مجرد نفس ، شطرها سبحانه وتعالى فخلق منها زوجها ، وإذا شاء الله للنفس أن تحيا في الدنيا ، دبر لها تكوين جسد جديد في رحم أنثى ، ثم أنشأ الله النفس في الجسد بعد اكتمال نموه عبر أطوار خلق محددة ، ثم يمنح الله النفس فترة تدريب على استخدام الجسد الجيد في رحم الأم ، ولا تستقر النفس مطلقا في أي جسد ، فلابد أن تغادر الجسد لبعض الوقت ، لتسمح للجسد أن يعيد صيانته وإصلاح ما تلف منه بسبب استخدام النفس له ، وتخرج النفس من الجسد لسببين لا ثالث لهما وهما النوم أو الموت ، فالموت مماثل تماما للنوم ، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الزمر42 ، مع اختلاف واحد بين النوم والموت ، وهو أن النفس تستطيع العودة للجسد من النوم ، وذلك لكون الجسد ما زال حيا (فيه روح) ، بينما عند الموت لا تستطيع النفس دخول الجسد ، لأنه غادرته الروح التي تحييه ، وأصبح ميتا ، ولذلك فالنفس لا تموت ولكنها تذوق آلام خروج الروح من الجسد (تذوق الموت) .. { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } الأنبياء35 ، فسبحانه يتوفى الأنفس عند النوم وعند الموت ، فماذا ترى النفوس في الحالتين وما مصيرها بعد الموت ، وهل تصلح النفس أن تدخل الدنيا في جسد كل من (الذكر والأنثى) ، أم لكل نفس ناقصة جسدها المخصص ، وعند الموت هل يعيدها سبحانه لتدفن في قبر مع جسدها كما يقول الجهلاء والمضللون أم لها شأنا آخر شرحه سبحانه بآيات بينات محكمات ، وشاهدات على ضلال البشر ، وهذا ما سوف نستعرضه لاحقا …
جمال عمر
طيب الله انفاسك و بارك فيك و في قلمك و فكرك
جزاك الله كل الخير استاذنا القدير