هل ضلال البشر .. حرفة أم شهوة (2) …. بقلم : جمال عمر

توقفنا من قبل عند عدة حقائق ذكرها سبحانه وتعالى عن بني آدم ، أولها أن بني آدم هم آخر سلالة للإنس على الأرض ، وأنه سبحانه قد خلقهم ليكونوا خلفاء على الأرض ليعمروها ، وتلك هي المهمة التي خلقهم الله من أجلها ، وبالتالي فهي (العبادة) بمعنى هي مهمة العبودية ، ونتوقف هنا عند فروق المفاهيم والمعاني بين العبودية والعبادة ، فلو كان إعمار الأرض هي المهمة التي سخر الله البشر لينفذوها مجبرين ومرغمين ، لكانوا عبيدا لله لإعمار الأرض ، ولكنه سبحانه جعل الرغبة في إعمار الأرض فطرة في نفوس بني آدم ، وبالتالي فبني آدم يؤدونها برغباتهم الغريزية ، ثم جعل سبحانه لابن آدم إرادة تمكنه أن يفعل أو لا يفعل ، فتحولت مهمة العبودية من تسخير بلا إرادة إلى (عبادة) يؤديها ابن آدم (كفاعل) صاحب إرادة وهمة فطرية في تنفيذها ، ولأن العبادة (إعمار الأرض) جعلها الله فطرة في النفوس ، فلا يشعر كثير من المفسرين والعلماء بحقيقة أنها العبادة الحقيقية ، ويقعون في الفهم الخاطيء جهلا ، بأن العبادة لابد وأن تكون أفعالا وأقوالا للتقرب إلى الله .

ولا شك أن العبادة الحقيقية هي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح كما أرادها الله ، وهي عملية شاقة ومتعبة في الدنيا ، ولا شك أن إخلاص ابن آدم في تنفيذها سوف يجعله دوما في كبد ومشقة ، وهو بالفعل قرار المولى عز وجل في حياة البشر { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ } البلد4 ، وهو ما يفتح الأبواب لفهم كثير من المفاهيم فهما صحيحا ، أولها مسألة الكبد نفسها وعلاقتها بخلق الإنسان وتركيبه ، ثانيا .. المفهوم الحقيقي للكبد ، فهو ليس عذابا ولا مشقة يجب أن يهرب منها ابن آدم ، كما فعل الحمقى الذين ادعوا أن العبادة في آداء (مناسك الخضوع والاستقامة) هروبا من مشقة الإعمار والكد والكدح ، فهؤلاء استذلهم الشيطان فزوروا مفهوم العبادة ، ليتفرغوا للاستزادة من متع الله في الدنيا ، وذلك بلي أعناق آيات الله فيحللوا لأنفسهم المتع حتى ولو كانت حراما ، مثلما أحلت فئات منهم زواج المتعة ، ونكاح الخدم (كملك اليمين) ، وبعضهم استحل نكاح الطفلة والاستمتاع بها ، وبعضهم لم يحرم نكاح البهيمة ، وكأنهم جاءوا للدنيا فقط من أجل متع النكاح والطعام ، ولا عجب ، فهم أشركوا بالله بل وكفروا بقيومية الله عندما زوروا العبادة الحقيقية ، وحصروها في أقوال وأفعال ومظاهر التقرب من الله بآداء (مناسك الخضوع والاستقامة وهي الصلاة والصيام والزكاة والحج وذكر الله) والمبالغة فيها ، حتى أفسدوها وفرغوها من حقيقة هدف فرض الله لها ، وهو ضمان استقامة بني آدم في إعمار الأرض ، والتي هي (العبادة) الحقيقية التي خلقنا الله من أجلها.

أما عن الكبد .. فهو ليس بتعذيب ولا شقاء في الدنيا ، ولكن الكبد فعليا هو المتعة ، بل هو عين المتعة في حقيقة خلق البشر ، فمشقة إعمار الأرض هي أكبر وأروع ما يستمتع به ابن آدم بطبيعة خلقه ، لأنه سبحانه قد خلق (النفس) وهي لب ابن آدم وأصله ، عاشقة للكبد والمشقة ، فهي لا تقوى ولا يشتد عودها في الحياة إلا لو مرت بمصاعب نفسية ، وهو ما نراه واضحا كالشمس في الفرق بين طفلك المدلل ، وبين طفل نشأ وهو يعاني من مصاعب الحياة ، فالطفل المدلل سوف يكون ضعيف النفس ، ولا يتحمل مسئولية شيء في حياته ، بل سيصبح بذرة للفشل في الدنيا ، ونواة للانحراف والإجرام ، بينما الطفل الذي نشأ في بيئة صعبة ، سوف تكون نفسه مؤهلة لتحمل المسئولية ، ولذلك لن تجد رسولا قد رباه أباه ونشأ في بحبوحة من العيش أو الترف ، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام رباه عمه ، والذي تبرأ منه وهدده بالرجم ، وموسى ولد يتيما ومطاردا ، وعانى الكثير رغم أنه تربى في قصر فرعون ، ويوسف نشأ عبدا في قصر عزيز مصر ، وعيسى ولد بلا أب ومطاردا منذ صغره رغم المعجزات التي جاء بها ، وخاتم الرسل (محمد) ولد يتيما يربيه جده ثم عمه ، ويعمل منذ صغره ليجد قوت يومه ، لأن المشقة هي تربية وتهذيب للنفوس ، وأما عن جسد بني آدم فحدث ولا حرج ، فالجسد الذي لا يتعب ولا يشقى يشب ضعيفا ومهترئا ، بينما الأجساد التي تكد وتتعب تنشأ قوية وصلبة وقادرة على آداء مختلف أنواع العمل الجسدي والعقلي بكفاءة وقدرة ، فضلا عن القدرة على الاستمتاع بالدنيا وما فيها حتى نهاية الأجل ، فالكبد في الدنيا هو سر قوة النفس والجسد وبالتالي هو سر استمتاع ابن آدم بحياته ، ولذلك سوف تجد المثل القائل ( لا حياة بلا كبد ) منتشرا في كل لغات البشر قديما وحديثا .

ويأخذنا الحديث عن الكبد ، لنتوقف طويلا عن طبيعة خلق الله لابن آدم ، فسبحانه خلقه ليكد ويكدح لإعمار الدنيا ، وبالتالي فطبيعة خلقه لابد وأن تكون متوافقة مع المهمة التي خلقه الله من أجلها ، وليس من المنطق أن نسأل مخلوقا عن حقيقة خلق الإنسان ما دام للكون إلها وربا عظيما هو خالق كل شيء ، ومبدع خلق الإنسان ، خاصة وأنه سبحانه قد حدثنا في أكثر من (1000) ألف آية عن خلق الإنسان ، والتي أوضح فيها سبحانه أن ابن آدم قد جاء للحياة كنتيجة لتضافر ثلاثة عناصر أساسية ، وكل منهم في حد ذاته هو خلق منفصل ومتكامل لله وحده ، وهذه العناصر الثلاثة هي (الروح ، الجسد ، النفس) ، وأما لفظ (الروح) فقد ورد في القرآن الكريم في ثلاثة وعشرين موضعاً، وردت جميعها بصيغة الاسم ، ومن ذلك قوله سبحانه { ينزل الملائكة بالروح من أمره } النحل2 ، أما الروح بمعنى منح الحياة ، والتي يكون بها قِوام الكائنات ، فقد وردت حوالي ستة مرات فقط ، وأشهرها وأهمها قوله تعالى .. {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي}الإسراء85 ، وقال فيها المفسرون أن (الروح) في الآية تدل على أنها العنصر المركب في الخلق الذي يحيا به الإنسان ، وانتشر اللغط في كنه الروح ووظيفتها ، مع أن الله حسم الأمر لخلقه بقراره الأزلي أن الروح (من أمر ربي) ، فلم يشأ الله أن يعلم مخلوقا عنها شيئا سوى أن وجودها يبعث الحياة في كل جماد .

فخلاصة القول في الروح أنها سر الله في إحياء أي جماد ، وهي تدخل جسد ابن آدم لتحييه ، ولا يعرف مخلوقا كيف تدخل الجسد ، لأنها حقيقة .. تدخل جسد ابن آدم وهو حيوانا منويا في جسد الرجل ، وكذلك تدخل البويضة في جسد الأنثى ، ونعرف جيدا أن الحيوانات المنوية الميتة (بلا روح) تسبب العقم للذكر في جميع المخلوقات ، وليس الإنسان وحده ، وكذلك البويضات الميتة (بلا روح) تسبب العقم للأنثى في جميع المخلوقات ، وليس الإنسان فقط ، فعملية دخول الروح للجماد هي عملية إلهية خالصة ، وشاء الله أن لا يدركها مخلوقا ، وكذلك خروجها ، فلا يعرف مخلوقا كيف تغادر الروح الأجساد مطلقا ، وليس صحيحا ما وقع البشر فيه بالخطأ ، عندما قالوا أن ملك الموت يقبض الأرواح ، فالروح تدخل الأجساد وتخرج بأمر الله وحده ، ولا سلطة لمخلوق عليها ، وهو ما سوف نعرفه جيدا عند التعرض لآيات خلق النفس التي تزيد عن (300) ثلاثمائة آية ، فالجسد من سلالة من طين الأرض ، فهو تطور راقي ودقيق لطين الأرض ، وفق منظومة خلق دقيقة ومعجزة ، ولها شفرتها الهندسية الدقيقة والمحفوظة في نواة كل خلية منها في شكل (كروموسومات) ويسمونها الخريطة الجينية المنفصلة لكل مخلوق ، ولا تحيا هذه الشفرة إلا بوجود الروح فيها ، بينما تتعطل وترجع لحالتها الأولى كجماد بمغادرة الروح .

أما عن النفس ، فهي (الإنسان) ، هي الأصل ، لأن الخالق العظيم تحدث عن خلقه لجسد الإنسان من ماء في ستة آيات ، وتحدث عن خلقه لجسد الإنسان من تراب في ستة آيات أخرى ، وتحدث عن خلقه لجسد الإنسان من طين في سبعة آيات ، ولكنه عندما تحدث عن خلقه للإنسان كنفس ، تحدث سبحانه في (313) آية تحديدا ، وضح فيها طبيعة خلقه للنفس وحركاتها ودخولها وخروجها وبدايتها ومسارها ونهايتها وأحوالها وأمراضها ، ثم ضرب سبحانه مثالا محلولا لحركات وأمراض النفس وتأثيراتها وعلاجها في (111) آية هي سورة يوسف ، لتصبح الآيات المباشرة في خلق النفس عددها (313 + 111) = 424 آية متكاملة ، توضح كل ما يجب أن يعرفه الإنسان عن نفسه ، وهو ما أهملناه وتجاهلناه ، بل واعتمدنا في دراسة النفس على نتائج تجارب بعض العلماء على المختلين والمجانين والمرضى النفسيين ، فضللنا واستبدلنا حقائق علم (النفس الرباني) بعلم (بشري) عاجز وجاهل ومشبوه ومشكوك في صحته ، ولذلك لا عجب أن نجد أن نتائج الشفاء للأطباء النفسيين لا تزيد عن 3% عبر تاريخ علوم النفس والعلاج النفسي ، لأسباب أهمها كان الوقوع في الخطأ الجسيم بعلاج النفس عن طريق علاج الجسد الذي يمرض متأثرا بمرض النفس ، فيدمرون الجسد بالعلاجات الكيميائة والجلسات الكهربية ، مع بقاء وتفاقم المرض النفسي دون علاج .

ونتوقف عن حقيقة النفس ، فيقول فيها سبحانه ، { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَع قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} الأنعام98 ، وهنا يقرر سبحانه أن أصل كل النفوس (نفسا واحدة) ، فكل النفوس من سديم واحد ، وبالتالي فكل المواصفات الفطرية متطابقة في كل النفوس دون استثناء ، ولكنه سبحانه لم يقتطع كل نفس من الأصل ، مثلما تقسم قطع العجين ولله المثل الأعلى ، ولكنه سبحانه يقول (أنشأكم) ، وعملية (الإنشاء) هي أحد أهم عمليات الخلق ، وأعقدها حيث يتفق الناتج من الإنشاء مع الأصل في الصفات والمواصفات الأساسية ، ولكنه يختلف عن الأصل في بعض من الصفات الفطرية الناتجة عن عملية الإنشاء ، النفس تتعرض لعملية الإنشاء مرتان ، الأولى عندما خرجت من سديم النفس الواحدة ، والثانية عند إنشاء النفس في الجسد البشري في رحم الأم ، ومن آيات الله نكتشف أن عملية الإنشاء للنفس هي عملية مؤقتة ، لتحقيق أهداف موقوتة ، فمجرد انتهاء أجل الحياة ، تخرج النفس من الجسد بلا عودة فتنفك عملية الإنشاء الثانية بالوفاة ، وعند قيام الساعة (القيامة) ، تعود النفس لأصلها كنفس كاملة فتنفك عملية الإنشاء الأولى ، وبالتالي فناتج عملية إنشاء النفوس هو حالة مؤقتة ، والتي يوضحها قوله تعالى (مستودع) ، بينما عودة النفس يوم القيامة لأصل النفس الواحدة المتكاملة هي (المستقر) ، وهي الحالة التي سوف نعود إليه بانتهاء أجل الاستخلاف على الأرض ، ولذلك يؤكد سبحانه على هذا المعنى بقوله تعالى في سورة لقمان .. {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} لقمان28 ، فنفس كل منا سوف تعود لمستقرها في سديم الوحدة الأصلية يوم البعث .

ومما يؤكد هذه العودة أنه سبحانه قال في مطلع سورة النساء .. { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً }النساء1 ، ونلاحظ أنه سبحانه يؤكد دوما أنه خلقنا وأنشأنا من نفس واحدة ، وجعلها ذكرا وأنثى ، بل يؤكد أنه سبحانه خلق للنفس زوجها ، فكلا من الذكر والأنثى كانا واحدة واحدة (نفسا متكاملة) ، وبقسمتها خرج منها الذكر والأنثى ، وهو ما يوضح أن السبب الحقيقي لغريزة الجنس لدى الذكر والأنثى ، هي الرغبة في التكامل مرة أخرى ، وهو ما سوف يحدث حتما بمجرد قيام الساعة ، وهو ما يوضحه سبحانه في سورة التكوير .. {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} التكوير7 ، وهذه الحقيقة بعودة النفس كاملة يوم القيامة ، تنفي وتكذب أساطير البشر وخيالاتهم حول (حور العين) للرجال في الآخرة ، وقصص تحول الإناث لـ (حور عين) يوم القيامة ، وبالتالي فحور العين هي مكافأة للنفس الكاملة ، بعد حدوث العودة للتكامل للنفس الواحدة الكاملة ، وانتهاء مرحلة (الذكر والأنثى) والتي كانت من متطلبات الحياة الدنيا فقط ، ولذلك يقول سبحانه عن حال البشر يومئذ في سورة المؤمنون .. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} المؤمنون 101 ، وكيف يكون هناك أنساب وقد اختفى الذكر والأنثى ، وبالتالي فهم لا يتسائلون عن الأنساب وعن كل ما كان في حياتهم الدنيا .

ونتوقف هنا لنعيد التذكرة بأن النفس في حالتها في الدنيا في صور (ذكر وأنثى) ، ما هي إلا حالة مؤقتة للنفس وقد اقتطع منها شطرها (زوجها) ، فأصبحت نفس ناقصة ، لتظل في الدنيا باحثة عن التكامل بالفطرة ، فإذا التقيا الذكر والأنثى ، نتج عن لقائهما جسديا ، تكوين جسدا جديدا (فيه روح) ، فإذا اكتمل الجسد الجديد في رحم الأنثى ، أذن الله لبدء عملية إنشاء نفس جديدة داخله ، فيتحول الجسد الجديد لخلق مختلف يسميه سبحانه (خلقا آخر) ، وهو ما شرحه سبحانه في سورة المؤمنون بقوله تعالى .. { ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين }المؤمنون14 ، فالجنين يتطور من نطفة إلى جنينا كاملا في أطوار خلق لقوله تعالى .. {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا }نوح13 ، 14 ، وباكتمال أطوار الخلق بنهاية الشهر الرابع للحمل ، يأذن الله بعملية إنشاء النفس في الجسد ، فيبدأ الجنين حركاته الإرادية ، وتقول الأم حينها أن الجنين قد تحرك ، ويقول العلم أن الجنين أصبح له حركاته الإرادية ، ولذلك فقبل دخول النفس (بنهاية الشهر الرابع) ، فالجنين ليس إنسانا ولكنه خلق مختلف فيه روح وينمو ، ولكن بإنشاء النفس في الجسد ، يصبح خلقا آخر (إنسان كامل) ، وتبدأ حينها النفس الجديدة رحلة التدريب على استخدام الجسد لمدة خمسة شهور ، وفي رعاية تامة وكاملة داخل رحم الأم .

وهكذا تدخل النفس للحياة مرة أخرى مع جسدها الجديد ، وتظل دون تحمل أي مشقة أو مسئولية لمدة خمسة شهور ، من أجل أن تتعلم استخدام الجسد الجديد وتتوافق معه ، ومن المهم أن نعرف أن النفس لا تستقر في الجسد مطلقا ، فمنذ دخولها للمرة الأولى ، وهي تخرج من الجسد وتنطلق في عالم النفوس يوميا ، ثم تعود للجسد مرة أخرى ، وهي عملية النوم التي نمارسها يوميا ، لأن الجسد لا يحتمل وجود النفس فيه باستمرار ، ولابد للنفس أن تغادره ليعيد صيانة ما أتلفه وجود النفس فيه ، فالجسد (كون منفصل) دقيق ومعجز ومتكامل ، وقادر على صيانة نفسه وإصلاح مت تلف منه ، وهي عملية دقيقة ومعجزة ، وتستمر طوال حياة الجسد ، وتخرج النفس من الجسد لأسباب عديدة ، أولها النوم يوميا ، وأحيانا عندما تصاب بالهلع أو الحزن أو المرض فتهرب من الجسد ، مثل نوم الطفل بعد عقابه من والديه ، ونوم البنات عندما يصيبهن مشكلة أو مرض ، أو للإغماء والغيبوبة التي تصيب البعض عند الحوادث الكبيرة ، وخروج النفس هنا هو عملية هروب للنفس من الجسد ، وهي نفسها عملية الهروب التي اعتادت عليها النفس ، منذ أن كانت تدخل الجسد وهو جنينا في رحم الأم ، فكانت النفس تهرب عندما تتعرض الأم لأي حدث يزعج النفس الجديدة ، وتقول الأم أن الجنين توقف عن الحركة ، وقد يستمر هذا الهروب لأيام .

أخيرا .. نتفق أن الإنسان مجرد نفس ، شطرها سبحانه وتعالى فخلق منها زوجها ، وإذا شاء الله للنفس أن تحيا في الدنيا ، دبر لها تكوين جسد جديد في رحم أنثى ، ثم أنشأ الله النفس في الجسد بعد اكتمال نموه عبر أطوار خلق محددة ، ثم يمنح الله النفس فترة تدريب على استخدام الجسد الجيد في رحم الأم ، ولا تستقر النفس مطلقا في أي جسد ، فلابد أن تغادر الجسد لبعض الوقت ، لتسمح للجسد أن يعيد صيانته وإصلاح ما تلف منه بسبب استخدام النفس له ، وتخرج النفس من الجسد لسببين لا ثالث لهما وهما النوم أو الموت ، فالموت مماثل تماما للنوم ، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الزمر42 ، مع اختلاف واحد بين النوم والموت ، وهو أن النفس تستطيع العودة للجسد من النوم ، وذلك لكون الجسد ما زال حيا (فيه روح) ، بينما عند الموت لا تستطيع النفس دخول الجسد ، لأنه غادرته الروح التي تحييه ، وأصبح ميتا ، ولذلك فالنفس لا تموت ولكنها تذوق آلام خروج الروح من الجسد (تذوق الموت) .. { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } الأنبياء35 ، فسبحانه يتوفى الأنفس عند النوم وعند الموت ، فماذا ترى النفوس في الحالتين وما مصيرها بعد الموت ، وهل تصلح النفس أن تدخل الدنيا في جسد كل من (الذكر والأنثى) ، أم لكل نفس ناقصة جسدها المخصص ، وعند الموت هل يعيدها سبحانه لتدفن في قبر مع جسدها كما يقول الجهلاء والمضللون أم لها شأنا آخر شرحه سبحانه بآيات بينات محكمات ، وشاهدات على ضلال البشر ، وهذا ما سوف نستعرضه لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

تعليق واحد

  1. طيب الله انفاسك و بارك فيك و في قلمك و فكرك
    جزاك الله كل الخير استاذنا القدير

اترك رداً على انتصار الاسدي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *