ما وراء الطبيعة (2) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
17 سبتمبر، 2023
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
838 زيارة

توقفنا من قبل عند حقيقة تكرار الحياة للنفس على الأرض في رحلة الاختبارات المتعددة ، وذلك من خلال منح النفس الحياة من خلال أجساد مختلفة ومعطيات مختلفة طبقا لنوعيات الاختبارت في كل مرة ، واستعرضنا كثير من آيات القرآن التي تؤكد إعادة الخلق والإحياء للنفوس في عملية تدقيق الاختبارات ، حتى لا تدعي نفس يوم القيامة أنها مظلومة في نوعية الاختبارات التي تعرضت لها مقارنة بغيرها ، وبالتالي فمن الغباء والحمق أن يتباهى إنسان بمعطيات حياته المختلفة من النوع والجنس أو العرق أو اللون أو البيئة واللغة والدين أو الجمال والصحة والقوة والغنى والفقر والنسب وغيرها مما يظن الإنسان أنها يستحقها ، فكلها معطيات تمثل مواد الاختبار ، ولا يد للإنسان فيها ، فالدنيا ليست دار استحقاق ولكنها دار اختبار ، وكل ما فيها هي مواد وأسئلة اختبارات متصلة ومتواصلة لا تتوقف إلا بخروج النفس من الجسد الحي الذي يتم اختبارها بواسطته في الحياة .

ولعل أبرز الموضوعات الغنية باللبس والأساطير والخزعبلات هي موضوع تحضير الأرواح ، ومشاهدة شخص بعد موته ، أو الحديث معه كشبح أو صوت أو حتى صورة كاملة لإنسان حي ، وقد تراه صدفة يمر أمامك في مكان عام أو خاص أو يطوف بالكعبة مثلا ، أو حتى في صورة حية مثل تلك الفتاة الصغيرة التي أيقذت طبيبا عجوزا من بيته في ليلة رعدية مطيرة ، واصطحبته بعد التوسل إليه لينقذ أمها المريضة ، ليكتشف الطبيب أن تلك المرأة كانت تخدمه قبل مرضها ، وبعد أن عالجها أثني على شجاعة ابنتها التي جاءته في مثل هذه الليلة الصعبة ، لتفاجئه المرأة أن ابنتها التي يتحدث عنها قد ماتت منذ أكثر من سنة ، وملابسها التي يصفها موجودة في خزانتها ويجدها جافة ومهندمة ، وكأن أحد لم يمسها منذ وقت طويل ، ويفاجيء الطبيب بأن المرأة صادقة فالفتاة التي رآها بالفعل ميتة منذ أكثر من سنة ، أو مثلا .. تصادفك جلسة لتحضير روح فلان ، وتتفاجيء بأن فلان المتوفي قد حضر وتحدث بصوته للحاضرين ، وأخبر عن بعض أسرار المتوفي التي لا يعرفها أحد سواه وزوجته أو أحد المقربين له .

وأيا ما كان ما حدث أو يحدث ، فكل ما نسمعه أو حتى نراه وتم سرده في هذا الموضوع يظل غريبا ومحيرا ، وفيه الكثير من اللبس والغموض ، ولكن ذلك فقط .. عندما نستسلم ونصدق تفسيرات البشر المبنية على خيالاتهم وظنونهم ، ونتجاهل علوم خلق الإنسان الحقيقية ، والتي ذكرها سبحانه في أكثر من ألف آية في كتابه العزيز ، اختص فيها خلق النفس البشرية بأكثر من (400) آية ، وكما يقول ربنا سبحانه وتعالى… {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} النساء87 وقوله تعالى .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا } النساء122، وسبحان من جعل الآيات تفسر بعضها بعضا ، فنجد في آيات خلق الإنسان كثيرا من الحقائق التي تزيل الحيرة والتشتت ، وتمحو من العقول خيالات وظنون وأساطير البشر ، وتفضح الدجالين ومحترفي النصب والخداع والمكر باسم الدين ، وتعيد للإنسان احترامه ومصداقيته مع علوم الله التي أنزلها في كتابه العزيز ، والذي قال عنه سبحانه وتعالى .. { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ. {الأنعام38 ، وهو إعلان صريح من الخالق العظيم أنه ما ترك شيئا في الدنيا إلا وذكره في كتابه ، ليمنع شطط الإنسان وشروده بخيالاته وظنونه ، ويهديه صراطه المستقيم ، ويبعده عن شياطين الإنس والجن .

وقبل كل شيء لابد أن نتذكر جيدا ، أن كل أحدايثنا عن الروح والروحانيات ، هو حديث كاذب ومضلل ومن صناعة خيالات البشر ، لأنه سبحانه قد حسم مسألة الحديث عن الروح ، بقوله تعالى .. { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } الإسراء 85 ، فالروح هي سر الإحياء لكل جماد (مثل الكهرباء تماما ، ولا قدرة لمخلوق على رؤيتها أو التحكم فيها ، كما أنه لا علاقة لملك الموت بالأرواح مطلقا ، فالروح تتحرك وتدخل وتخرج وتحيي الجماد بأمر الله ، فملك الموت موكل بالنفوس فقط قوله تعالى ، { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } السجدة11، وقوله تعالى .. { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}الأنعام61 ، وهنا يوجه الله الكلام للإنسان على أنه نفس ، وهي التي قال لنا بشأنها ، { وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } الأنعام98 ، ثم قوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، .. } النساء1 ، فسبحانه وتعالى يؤكد أن الإنسان قد تم خلقه ثم إنشاؤه من نفس واحدة ، وهذه النفس الواحدة لها مستودع (تواجد مؤقت) في الجسد ، ثم لها مستقر كنفس واحدة يوم القيامة ، من حيث بدأت ولابد أن تعود له بعد انتهاء الأجل المسمى للحياة ، والمقدرة باستخلاف بني آدم على الأرض ، وليس بعد انتهاء الآجال المؤقتة للحياة على الأرض .

ويوضح سبحانه في آياته الكريمة ، أنه عندما يقضي ويقرر الله الحياة لنفس على الأرض مثلا ، فإنه سبحانه يمنحها جسدا من مادة الأرض ، ويحيي الله هذا الجسد ببث الروح فيه ، بداية من حيوان منوي حي (فيه روح) في جسد رجل ، فيلتقي هذا الحيوان المنوي الحي ببويضة حية في جسد أنثى ، ويتم التزاوج (التلقيح) ، وينتج نطفة ملقحة تتحول لعلقة تتعلق بالرحم للتغذى عن طريقه ، وتستمر مراحل التطور والنمو حتى يكتمل الجسد ويصبح مستعدا لاستقبال النفس ، وذلك في نهاية الشهر الرابع للحمل (الأسبوع السادس عشر) ، وعندها يأذن الله للنفس أن تدخل الجسد للمرة الأولى ، فيتحرك الجنين أولى حركاته الإرادية ، ومن تلك اللحظة أصبح الجنين إنسانا كاملا (نفس تحتل وتستخدم جسدا حيا) ، ويظل الإنسان الحي (الجنين) في رعاية كاملة داخل رحم الأنثى لمدة تصل إلى عشرين أسبوعا أو خمسة أشهر قابلة للزيادة والنقصان ، ليتدرب على استخدام الجسد .

وما دامت الروح مستقرة في الجسد ، فسيظل الجسد حيا ، ولكن النفس (أصل الإنسان) لا تستقر في الجسد مطلقا ، فهي لابد أن تغادر الجسد يوميا لساعات تطول وتقصر ، تبعا لحاجة الجسم للصيانة والراحة والنمو ، فالجسد لا ينمو ولا يشفى ولا يعاد صيانته إلا في غياب النفس ، والتي وجودها يستهلك الجسد وطاقاته ، فلابد من مغادرة النفس ، حيث يتوفاها ربها يوميا لساعات تسمى بــ (النوم) ، والنوم هو حقيقة مطابق للموت تماما ، حيث يتغادر النفس في الحالتين الجسد (موت / نوم) ، والفارق الوحيد أن النفس تستطيع العودة ودخول الجسد فنستيقظ من النوم (الموتة الصغرى) ، وذلك لأن الجسد ما زال حيا (فيه روح) ، ولكن عند الموت لا تستطيع النفس دخول الجسد مرة أخرى ، لأن الجسد حينها يكون قد مات (فقد الروح التي تحييه) ، والتي خرجت بأمر ربها ولا يسيطر عليها ولا يمسها مخلوق ولا حتى ملك الموت ، والذي يكون حاضرا بأمر ربه للحظة وفاة الإنسان ، ومعه رسل من الله ليقومون باصطحاب النفس بعد فقدانها الجسد الذي تحيا به في الدنيا .

وبالتالي فلا سيطرة ولا قدرة لمخلوق على التعامل مع الأرواح (فهي من أمر ربي) ، والجسد الذي مات بخروج الروح قد بدأ من لحظة الموت في التحلل والعودة لتراب ، ولا علاقة للنفس بهذا الجسد المتحلل إلى تراب مرة أخرى ، وبالتالي فلا حياة في القبور ولا نعيم ولا عذاب في القبر ، فكيف يعذب الله جسد غادرته النفس المستخدمة له ويتحول لتراب ، أما النفس فيقول فيها سبحانه ، أنها يتم تجهيزها لنشأة أخرى جديدة ، وشاء الله أن لا نعلم عنها شيئا ونحن أحياء كما توضح كثير من الآيات ، أشهرها وصف الله للحظة الموت في سورة الواقعة بقوله تعالى .. نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ، عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (الواقعة (60-62) ، ويؤكد سبحانه أن النشأة الجديدة مثل نفس النشأة التي نعرفها جيدا ، لو تذكرنا ما يحدث لميلاد إنسان جديد.
وبانتهاء حياة الإنسان ، وباسترداد الله للروح التي كانت تحيي الجسد ، يتوفى الله النفس ، والتي يتم تجهيزها لنشأة جديدة ، سواء لاستكمال اختباراتها بالحياة في جسد ومعطيات مختلفة مرة أخرى ، أو لتنعم بالراحة حتى يوم القيامة لو كانت قد حققت الامتياز وخرجت من الدنيا وهي من (السابقون) وهم الصديقون والشهداء ، وهذه النفس لم يذكر الله أنها يمنكها التواصل مع من تركتهم وهم مستيقظين ، ولم يذكر سبحانه أنها لا يمكنها ذلك ، ولكن أعتقد أنه من الممكن أو تتواصل مع أحد ممن تركتهم بوضوح خلال نومه ، حيث تكون النفوس جميعا قادرة على التواصل في عالمها (حيز التواجد الزمكاني) ، وبالتالي فلا يمكن لبشر أن يحضر نفس إنسان متوفي ، ومن يدعي هذا فهو كاذب ودجال ومضلل ، أما التواصل الممكن وكثير الانتشار فهو التواصل مع الجني القرين (الوسواس الخناس) ، والذي كان يرافق الشخص منذ مولده وحتى وفاته ، ويعلم عنه أدق أسراره وتفاصيل حياته ، وهذا القرين هو أكثر المخلوقات حزنا على وفاء قرينه الإنسي ، ولديه الاستعداد لفعل أي شيء تخليدا لذكرى قرينه ، خاصة لو كانت تضليلا وعبثا بأقرب الناس إليه .

وهذا القرين هو من يقوم النصابون والدجالون والكفرة بتحضيره ، فيقوم بإبهار الناس بما يعرفه ، ويحدثهم عن أدق أسراره التي ربما لا يعرفها أحد ولا أقرب الناس إليه ، وقد يدلهم على أشياء وربما ثروات ، ليثبت لهم كذبا أنه المتوفي ، ويطلب منهم ما يجرهم لغضب الله وسخطه ، ولذلك فإن تحضيره والتعامل معه وتصديقه يعد شرعا كفر بدين الله وقيومية الله ، أولا لأن التعامل مع الجن محرم فعله بأمر من الله ، و وعد الله فاعله بالخلود في النار والعياذ بالله ، { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } الأنعام128 ، وثانيا أن هذا القرين كافر بالله ولن يدل على خير مطلقا ، بل سوف يكون سببا في الأذى والشرور بالمكان وأهله خاصة الأشخاص الحاضرة لجلسة التحضير .

أما الرؤى والأحلام والتي يرى فيها النائم أحد أقاربه في منامه ، فتلك لها احتمالان لا ثالث لهما ، الاحتمال الأول أن يكون قد رآه حقا ، وهي رؤية نفس لنفس ، وقد يراه وهو ما زال لم يمنح النشأة الجديدة كنفس ، أو يراه وهو في حاله الجديد في نشأته وحياته الجديدة ، ولذلك سوف يراه في أحوال غريبة عن حياتهما معا ، والاحتمال الثاني وهو الأقرب دائما فهو أن يرى النائم قرين المتوفي الذي أصبح حرا ، ويظل يتردد على منزل قرينه المتوفي ، وربما لا يغادره لفترة طويلة ، ولذلك يشعر أقاربه بوجوده كثيرا وربما يشم أهله وخاصة زوجته رائحته كثيرا ، وتشعر بوجوده ، وعند رؤية القرين فلابد من الحذر من توصياته وكلامه وما يريده ، فهو شيطان كافر ومهمته الوحيدة هي ضلال البشر ، ولا يجوز التمادي في سرد الأحلام عن المتوفي وتفسيرات رؤيته والشعور بوجوده .

وهنا يجب أن نتوقف قليلا ، لنؤكد على حقائق بعينها ، وأولها .. أن ولدك أو أخيك أو بنتك أو زوجك أو معشوقتك أو أيا كان من فقدته بالموت ، فقد رحل عن عالمك ، وهو في خضم رحلته المفاجئة ، وما فوجيء برؤية حقيقته ، قد نسي تماما من أنت وكيف كان الحب والعشق بينكما ، لأنه بمجرد الخروج من الجسد الذي عرفته فيه ، قد كشف غطاءه .. { لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } ق22 ، فأصبح يرى النفوس والملائكة والجن وعوالم كانت مختفية عن قدرات عيناه ، والأهم .. أنه فجأة تذكر الحقيقة الأهم … وهي أن حياته التي غادرها كانت أحد رحلات اختباره المتعددة ، وأن أقاربه وأحبابه هم مجرد نفوس في رحلة اختباراتهم ، والحقيقة الأخطر والأكبر ، هي أنه لديه العديد من الحيوات ورحلات الاختبار السابقة ، ولديه مئات وربما آلاف الأقارب والأحباب مثل من تركهم هذه المرة ، وأن معظم العلاقات والتفاعلات التي كانت تمثل له عصب حياته التي غادرها ما هي إلا وهم كبير غفل عنها ، لأنه لم يصدق آيات ربه ، والتي يقول سبحانه في أهمها .. { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } الأنفال28 ، فالأولاد فلذة الأكباد وأعز ما في الوجود ، ما هم إلا مواد ومعطيات اختبار (فتنة) ، ولذلك لا عجب أن يقول سبحانه وتعالى عن يوم القيامة .. { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ }المؤمنون101 ، وكيف تبحث عن أنسابك ولديك في حيواتك مئات الأمهات والآباء وآلاف الإخوة والأبناء والأحباء ، وكلهم نفوس كانت تختبر مثلك في حيوات متكررة مثلك ، ولذلك لن يخطر على نفس أن تسأل عن أنسابها .

أما قوله تعالى .. فلا أنساب بينهم .. فهذه لها حقيقة أخرى مكملة لمفهومها ، وقصتها تعود لبدء الخلق ، فقد خلق الله النفس واحدة كاملة قائمة بذاتها ، ومن أجل أن تكليف هذه النفس بمهمة إعمار الأرض ، فلابد أن تكون النفس لديها نقص تسعى لاستكماله ، فشطر الله النفس لشطرين ، كل منهما يشعر بالنقص والحاجة للتكامل ، ثم ينزل سبحانه كل شطر منهما في جسد ذكر ، والآخر في جسد أنثى ، فيكون كل منهما نفسيا وجسديا يحتاج للتكامل مع الآخر ، فإذا التقيا للتكامل ، نتج عنهما جسد جديد في رحم الأنثى يمنحه الله نفسا ، فتتجدد الحياة ويستكمل الاستخلاف على الأرض بأجيال جديدة ، وهو ما قاله سبحانه وتعالى .. { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } النساء1 ، فإذا جاء المولود الجديد أحبوه واعتنوا به ، وحرصوا على حياته ومستقبله ، فتستكمل رحلة الحياة بإعمار الأرض كما أرادها الخالق العظيم .

ويستمر الاستخلاف ورحلات النفوس في اختباراتها على الأرض حتى يوم القيامة ، فإذا نفخ في الصور وانتهت رحلات الاستخلاف ، يخبرنا سبحانه عن أهم مشاهد ذلك اليوم في سورة التكوير ، في (12) إثنى عشرة مشهدا كبيرا ، وأخطرها وأهمها على الإطلاق هو المشهد السابع بقوله تعالى .. { إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } التكوير7 ، فالنفوس التي خلق منها زوجها بشطرها لنصفين ، سيتم عودتها (للمستقر) كنفس واحدة كاملة ، وهو قوله تعالى .. { وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } الأنعام98 ، ولذلك يعيد سبحانه الخلق مرات ومرات ، وهو ما أوضحه في قوله تعالى عن يوم القيامة .. { يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } الأنبياء 104 ، فإذا التأمت النفس مع نصفها وعادت نفس واحدة ، فحينها تختفي الأباء والأمهات والإخوة والأقارب ، فلا يوجد أنساب بين النفوس الكاملة ، ولا محل للتساؤل ، فالسؤال عن نصف نفس كانت في جسد بعينه يصبح لا معنى له ، خاصة وقد تم اختبارها عشرات أو مئات المرات ، وذلك هو المفهوم الحقيقي لقوله تعالى .. { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ }المؤمنون101 ، وخلاصة القول أننا ممثلون في مسرحية الدنيا ، وعندما ننتهي من كل عرض (حياة) ، يبقى فقط منها جودة آداءنا كنفوس في هذا العرض المنتهي بيوم القيامة .

ولذلك فقمة الغباء والحماقة أن ينفعل ابن آدم ويبالغ في انفعاله فيكره ويحقد ويقتل ويخطف من وهم الدنيا ما يكون شاهدا على فساد نفسه وفجورها ، ولكنه الإيمان واليقين ، فكيف تثق في كلام ما يقولون عنه أنه الدين ، وأنت لم تؤهل للبحث عن الحقائق ، ولم تتعلم في حياتك شيئا من الحقيقة وكل ما وصل إليك ومارسته في حياتك مليء بالضلالات والبهتان والأساطير ، ولكننا ننسى أن الله قد خلق فطرة النفوس واعية وتعرف جيدا الفارق بين الحقيقة والباطل ، ولذلك يقول سبحانه وتعالى … { بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ، وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ } القيامة14-15 ، فلا حجة لنفس أنها لا تعرف ، وهي تضيع عمرها بحثا عن تفاهة متعة ولهو وعبث وهراء ، والله غفور رحيم ، وهو سبحانه أرحم بعباده من الأم برضيعها ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …
جمال عمر
سرد عقلاني علمي ديني يفتح الابواب لفهم اكثر وضوح لقصة الانسان ورحلة الحياة استمتعت به ولكني اخشي ان اسئ فهم جزئية عذاب القبر رغم وجود الاية ( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ) [ سورة غافر: 46] اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما جهلنا . اما رحلة التوضيح لمراحل الانسان وحياته وامتحاناته ثم رجوعه ثم استغلال الدجالين لبساطة الناس احييك علي المقال نفع الله بك وفتح لك مغاليق الاسرار ونور بصيرتك
تحياتي
ماشاء الله لا قوة الا بالله
تسلم الايدي الآتي سطرت والعقل الذي فكر