هل صادفك يوما .. أن مررت بشارع أو دخلت مبنى قديم لم تره في حياتك سابقا , ثم يجتاحك فجأة إحساس غامض بأن هذا المكان مألوفا بالنسبة لك , و كلما دققت النظر في أركانه و زواياه كلما اشتد شعورك بالألفة و الانسجام مع تفاصيله ، بل ربما تراقصت أمامك أشباح و خيالات لذكريات باهتة و مشوشة تمر في عقلك كومضات ضوئية سريعة ، تحاول عبثا أن تتشبث بها لكنها تبتعد و تتلاشى قبل أن تستطيع اللحاق بها , انه إحساس يخامر اغلب الناس لمرة واحدة في حياتهم على الأقل ، وغالبا لا يجدون له تفسيرا فيعزوه إلى الخيال و الهلوسة البصرية و هو رأي يوافقهم عليه العلماء أيضا , ولكن هل هناك تفسير حقيقي أخر لهذه الحالة ؟.

فمثلا .. هذا الطفل ذو الثلاث سنوات السوري الذي روي حادثة قتله وأين دفن بالتحديد مما دفع الناس للذهاب معه إلى موقع الجريمة , وهناك جعلهم يحفرون , وبالفعل وجدوا هيكلاً عظميا لجثة مجهولة الهوية, الجثة بعد الفحص تبين إنها لشخص يدعى ايلاي لاش وقال أهل منطقته بعد التحري عنه انه اختفى منذ 4 سنوات ولم يعلم احد أين ذهب أو ماذا حل به ، ووصف الطفل جريمة قتله بضربة فأس على رأسه , وقادهم الطفل إلى قاتله الذي اعترف مذهولا عند موقع الجثة المستخرجة ، ومن الغريب أن الطفل يحمل وحمة في نفس المكان الذي ضرب فيه بالفأس على رأسه رأسه بالضبط .

ولم تكن هذه الحادثة بأغرب من الطفل (لوك) صاحب الأعوام الخمسة ، والذي فاجأ والدته بقصصه عن انه كان في الواقع ، كان فتاة سمراء اسمها (باميلا) ، وكانت تمتلك شعرا اسود وترتدي أقراط أذنين مماثلة لتلك التي ترتديها أمه . هذا الكلام أرعب والدة الطفل كثيراً خاصة عندما أخبرها أبنها بأنه مات وصعدت روحه إلى السماء ورأت خالقها ودفعها للعودة كمولود جديد سمي لوك ، وتستمر الغرابة تتصاعد بعدما قاموا بعرض صورة لنساء سمراوات وقالوا للطفل : (اختر صورتك) ، فأختار صورة فتاة هي بالحقيقة اسمها (باميلا) و تبين أنها بالفعل باميلا روبنسون وأنها قضت حرقاً في فندق عام 1993م ، وتقول الأم أن ولدها يسرد حقائق من المفروض ألا يعرفها سوى باميلا والمقربين منها ، ولا علاقة له بها من قبل .

ومن الحوادث الأكثر تداولا في هذا الموضوع ، أنه في سنة 1957، خرجت الأختين بولوك جوانا البالغة من العمر 11 عامًا وجاكلين التي كانت تبلغ 6 أعوام، من منزلهما في مدينة ويتلي باي شمال إنجلتر ، متجهتين إلى الكنيسة وذلك من أجل حضور قداس ديني، وأثناء قطعهما الطريق دهستهما سيارة مسرعة وتوفيتا في الحال ، وبعد مرور سنة ونصف على هذه الحادثة القاتلة، رزق والديهما الزوجين “جون بولوك” بائع اللبن والسيدة فلورنس رزقا بتوأم آخر بنتين هما “جيليان وجينفر”، وحرص الزوجين منذ ولادة التوأمين بولوك، على عدم الحديث أو ذكر أي شيء عن تفاصيل الحادثة التي قتلت فيها أختيهما أو تفاصيل حياتهما ، إلا أن العجيب والذي أثار مخاوف الوالدين أن التوأمتان ” جيليان وجينفر ” بادراهما بذكر تفاصيل دقيقة عن حياة أختيهما المتوفيات، وذلك من دون أن يخبرهما أي شخص بذلك ، وتحدثتا التوأمتان عن وقائع سابقة للأختين الراحلتين مع ذكر تفاصيل دقيقة عن حياتهما، والأكثر غرابة من كل ذلك ، أن جينفر كانت تشبه حد التطابق أختها الراحلة جاكلين، بل أيضا كان لجاكلين أثر جرح في جبينها بسب سقطة وهي في عمر ال 3 سنوات ، نفس النذبة ظهرت على جبين جينفر منذ ولادتها .

وتملك القلق والحيرة من الزوجين ، وبدأت الوساوس تراودهما ، خاصة مع تزايد الشبه الشديد بين التوأمتان والأختين الراحلتين، سواء من خلال الجسد أو الحركات وعاداتهما، بل إن جينفر وجيليان كانتا تتحدثان عن الكثير من التفاصيل بشأن الحادث المأسوي الذي قتلت فيه الأختين جاكلين وجوانا ، رغم أن تلك التفاصيل لم يحكها لهم أحد ، وفي إحدى المرات وجدت الأم فلورنس ابنتها جيليان واضعة ذراعها على كتف أختها جينفر وهي تحكي لها بالتفاصيل الدقيقة عن الجروح التي حدثت لجاكلين بسبب الحادثة ، وفي يوم آخر ذهبت الطفلتين مع أمهما والتقيتا بعض الجيران وتعرفتا عليهم وسلمتا عليهما بالاسم ، في مرة أخرى ذهبتا لنفس مكان الحادث ووقفتا وبدأتا بالبكاء، وسألت جينفر والدتها ، ما الذي حدث للرجل سائق السيارة ” حيث ذكرت اسم الرجل وحددت مكان الإقامة ونوع السيارة ، وفي يوم آخر، قرر الأب بولوك إخراج اللعب الخاصة بالراحلتين ليعطيهم للتوأمتان، وكانت المفاجأة حيث أن جيليان انقضت على عصارة غسيل كانت لعبة جاكلين، وقالت له “أنظر يا أبي ها هي عصارتي مرة ثانية”، ولاحظ الأب أن الابنتان تعرفان اللعب جيدا وتعرفان صندوق الألعاب ، ويوما بعد يوم، كانت الأدلة والقرائن تؤكد أن جاكلين وجوانا عادتا إلى الحياة مرة أخرى في جسد جيليان وجينيفر.

وليس أعجب من قصة حياة دوروثي لويز إيدي (بالإنجليزية: Dorothy Louise Eady)، والمعروفة أيضًا باسم أم سيتي (16 يناير 1904 – 21 أبريل 1981)، والتي كانت حارسة معبد أبيدوس سيتي الأول ، ودورثي لويز جاءات لمصر وعملت في مجال الأثار حتى وفاتها ، وذلك بعد قصة طويلة بدأتها وهي طفلة مولودة في لندن عام 1904م ، بتصرفات غريبة منها رفضها لأناشيد الكنيسة ، وولعها بتماثيل وصور الفراعنة وترديدها دوما على صور المعابد الفرعونية (هناك بيتي) ، وتقبيلها لأقدام التماثيل المصرية القديمة وصورها ، وادعائها أنها كانت كاهنة مصرية في معبد أبيدوس سيتي ، وواكتملت قصتها بهجرتها إلى مصر وزواجها من مصري ، ثم عملها في هيئة الآثار المصرية ، بعد أن أثبتت معرفتها لكثير من أسرار تلك الفترة وكشفت عن آثار كان الوصول إليها مستحيلا ، وظلت حياتها كلها وهي مؤمنة بشدة بأنها كانت في السابق لها حياة كاهنة في مصر القديمة، وقد ساهمت في الكثير من الأبحاث التاريخية الكبيرة في أبيدوس ، وما زالت قصة حياتها حياتها موضوع العديد من الدراسات والمقالات ، والأفلام الوثائقية .

ولا عجب .. فتراث البشر مليء بأحداث ومعتقدات تؤكد أن ما يحدث ليس خيالا محضا ، بل هذه المعتقدات تشكل أسسا للإيمان في كثير من الديانات ، ففي الديانة الهندوسية يؤمن الهندوس في (السامسرا) وهي دورة دائمة لولادة الروح عدة مرات وهو ما يعتبر امر مرهق، لذلك يقومون بالاغتسال وحرق الجثة و رمي الرماد في نهر الغانغ المقدس، كما انهم يؤمنون ان الروح قد تنتقل ليس فقط إلى جسد بشري آخر، بل إلى جسد حيوان أو نبات أو مخلوق مقدس بحسب معتقداتهم ، وكذلك البوذيين يؤمنون بـ (الكارما) .. وهي قانون الثواب والعقاب المزروع في باطن الانسان، ونرى ان بوذا كان يعيش حياة سابقة ، ويحكى ان بوذا بعد ان اصيب في رجله ، عاد ذلك إلى تأثير قانون الكارما عليه ، فقال أنه قتل أخاه في حياته السابقة وما اصابه في رجله هو بسبب ما ارتكبه .

ولا شك أن طائفة الموحدين الدروز وهي من الطوائف الكبيرة في عالمنا العربي ، تعتبر التقمص مبدأ أساسي في المذهب الدرزي، وبحسب المعتقدات الدرزية يحدث ذلك التقمص فورا عند وفاة المرء، أي تعود تلك الروح إلى جسد طفل في نفس يوم الوفاة ، وتنص المعتقدات الدرزية على ان الروح البشرية لا تنتقل إلا إلى جسد بشري من نفس الجنس ، وتسمى كل مرحلة تنتقل إليها الروح إلى جسد آخر جيل ، ويمكن ان تنتقل الروح من جيل إلى آخر وصولاً إلى الحساب النهائي الجنة أو النار بحسب المعتقد الدرزي ، ومن المثير للجدل أن الكثير من حالات التقمص عند الطائفة الدرزية وثقت عبر المقابلات الصحفية والتلفزيونية لأشخاص أثبتوا حالة التقمص لديهم، من خلال التعرف على أماكن سابقة أو على عائلاتهم في حياتهم الماضية أو حتى على تفاصيل شخصية دقيقة.

ولا شك أن هذه الحوادث كثيرة ومنتشرة ، ونتعرض لها جميعا ولكن الكثير منها يتم طمسه وإخفاء تفاصيله أو تجاهله ، ولا يعلن منها إلا القليل على سبيل التسالي والسمر ، بل وكثير منا يدفن مثل هذه الذكريات معتبرا أنها مجرد أحلام وتخاريف وكوابيس نوم لا أكثر ، رغم أن الحقيقة كاملة أنزلها سبحانه وتعالى في قرآنه العظيم بآيات مفصلات تفسر بعضها بعضا .. { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ} الواقعة (60 : 62) ، ولكن مفسرينا توقفوا أمامها ثم هربوا من تفسيرها وناوروا وادعوا كذبا أنها إنشاء ليوم القيامة ، رغم أن الله يقول لهم أنها نشأة جديدة مثل التي يغادرونها بالموت يعلمونها جيدا ، وعجبا كأن مفسرينا يكذبون آيات خالقهم أو ينكرونها لصالح تصديق أساطير الأقدمين بالحياة الواحدة ، والتي لامنا الله على تصديقها ووصفها بأنها خيالات وظنون كاذبة لا صحة لها ، وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ } الجاثية24 ، ثم ادعو بعدها أسطورة حياة القبور ونعيمها وعذابها إلى يوم الحساب .

ولا شك أن معتقدات البوذيين والهندوس والدروز تحمل الكثير من الحقيقة ، وهي حقيقة عودة الإنسان للحياة مرات ومرات لتدقيق اختبارته كما يقول سبحانه وتعالى .. { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ } يونس4 ، ولكن معتقداتهم لا تخلوا من ضلال كبير ، وهو ظنهم أنها حركات للروح ، وذلك لجهلهم بأن أصل الإنسان هو النفس ، وأن الروح ليست إلا سر الإحياء لجميع الجمادات في الكون ، ويستخدمها الخالق ليحيي بها جسدا من مادة الأرض لتستخدمه النفس وتحيا به ، ولا علاقة لنا ولا لأي مخلوق بالروح ، حتى أن ملك الموت يقول عنه سبحانه أنه موكل بالنفوس ، ولم يقل الأرواح ، ولكن البشر يضعون لمستهم وضلالهم على كل حقيقة فيطمسونها ، فالنفس تغادر الجسد ، وتعود لجسد آخر بمعطيات مختلفة واختبارات مختلفة ، حتى تأتي كل نفس يوم القيامة وليس لها على الله حجة .

ولا شك أن معرفة هذه الحقيقة سوف تحل كثيرا من مشاكل البشر وصراعاتهم ، فلا شيء في الحياة يستحق أن تؤذي مخلوقا من أجله ، والحياة فرصة لكسب رضا الخالق ولا وقت لنضيعه في التكالب على الدنيا ، ولا وقت لنهدره في انتقاد الغير والتربص به ، وما نفعله اليوم هو زاد الغد ، ومهمتنا التي خلقنا من أجلها ، هي اتقان إعمار الأرض بالخير والعمل الصالح ، وتلك هي العبادة الحقيقية ، ولا تفريط في مناسك الخضوع والاستقامة ، لأنها الحوافظ الضامنة للاستقامة ، ولكل منا في حياته فرصة ذهبية لكي يحقق الامتياز ويخرج من الدنيا وهو من (السابقون) ، ولذلك لابد من الاستغفار الدائم والمتصل ، فكل ابن آدم خطاء وخيرهم التوابون ، وما نتحمله من ديون لغيرنا مردود لنا ، فمن الغباء والحماقة أن نسخر من شخص أو من أفعاله ، لأن هذا معناه أننا قد حكمنا على أنفسنا أن نذوق ما سخرنا منه في أنفسنا ، ولكننا لو ادركنا هذا فسوف يكون من الصعب وربما المستحيل على إبليس وشياطينه أن ينجحوا في إغواء النفوس ، ولذلك يجند إبليس من البشر والجن من يطمسون هذه الحقائق ، حتى يكون ابن آدم صيدا سهلا لإبليس وجنوده ، خاصة الوسواس الخناس الذي لا يفارق ابن آدم إلا عند وفاته .

وما من شك أن الإنسان لو علم أنه لو لم يستطع أن يفوز بمنزلة (السابقون) ، فلديه فرصة أن لا يكون من المغضوب عليهم ، وهو ما يمنحه فرصة العودة للدنيا مرة أخرى بمعطيات أخرى ، ليستكمل اختباراته ، وبالتالي فلابد أن يكون حريصا أن لا يحمل نفسه ديونا لأحد غيره ، حتى لا يعود وهو محمل بديون (اختبار ) حياة سابقة ليردها ويذوق ما أذاقه لغيره ، وهو ما يعطل ويقلل من فرص تحقيقه للامتياز والوصول لدرجة (السابقون) بإنهاء مراحل الاختبار في الدنيا ، وهم الصديقون والشهداء ، وهي فئة بالوصول درجتها ، يمنح الله النفس مكافآت ثلاثة ، { روح وريحان وجنة نعيم } ، أولها روح يضعها في أي جسد ليعود به للحياة ، وراحة من الاختبار ، وجنة نعيم في الدنيا ليستمتع بالحياة إلى يوم القيامة ، ولذلك لابد من حرص الإنسان على ألا يقترف الذنوب والخطايا قدر المستطاع ، خاصة كبائر الذنوب ، والحرص الأكبر على الاستغفار الدائم والمتصل ، فلا تدري النفوس كيف تخطيء وهي لا تدري ، خاصة وأن الله يحب عباده المستغفرين ، ويغفر الذنوب جميعا ، وووعد البشر ألا يعذبهم ما داموا يستغفرون .. { وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } الأنفال 33 .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
