ماذا .. تنتظر من الدنيا ؟؟ (5) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
13 يوليو، 2023
اراء ومقالات, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
639 زيارة

استعرضنا سابقا مصير النفوس بعد لحظة تذوق الموت طبقا لآيات الله تعالى في كتابه العزيز ، والتي تجاهلها المفسرون جهلا أو عمدا فرتعنا في أساطير وضلالات أصبحت مقدسة ، وعلمنا أن النفس عند لحظة الوفاة تخسر الجسد الحي الذي كانت تتعامل به مع الأحياء في الدنيا ، واكتشفنا من الآيات البينات ، أن النفس لديها احتمالان رئيسيان ، الاحتمال الأول .. أن تعود للدنيا مرة تالية ، والثاني .. ألا تعود وتظل بلا حياة حتى يوم القيامة وتلك هي حالة الكفرة والجاحدين والمعلنين الحرب على الله في حياتهم ، أما احتمال العودة فلها ثلاثة حالات ، أولها .. العودة لسداد ديون تحملتها النفس في حياتها (رحلة اختبارها الأخيرة) ، وثانيها العودة لاستكمال رحلات الاختبار فيما لم تختبر فيه ، وفيما فشلت في النجاح فيه في رحلات اختبارها السابقة ، وثالثها هو العودة للدنيا للاستمتاع بنعيمها حتى يوم القيامة وهذه االحالة تكون للصديقين والشهداء ، ولكنها لا تعود النفس في جسد غادرته من قبل ، وكان ذلك مصداقا لآيات القرآن العظيم التي أوضح فيها سبحانه مصير كل نفس ومآلها طبقا لموازينها .

ونتوقف اليوم عند عملية الإنشاء للنفس في الجسد ، فعملية الإنشاء تتم في نهاية الشهر الرابع للحمل بعد اكتمال الجسد ، واستعداده لاستقبال النفس ، وبدخول النفس تبدأ الحياة الفعلية للنفس في حياتها الجديدة ، وتتم عملية الإنشاء بواسطة ملائكة موكلين بالنفوس ، وهي عملية معجزة ودقيقة يكون من نتيجتها المادية هو بداية تحرك الجنين حركات إرادية لا نلاحظ منها إلا التغيرات الخارجية وهي حركات الأيدي والأرجل ، فضلا عن مجالات مغناطيسية جديدة للعقل البشري ، وهالة الطاقة الجديدة التي أحاطت بالجنين كنتيجة لوجود النفس ، وعندها تبدأ النفس التدريب على استخدام الجسد الجديد تدريجيا ، أما التغيرات الداخلية فقد يتذكرها البعض وكأنها أحلام قديمة ، حيث يتم خلالها عملية التوافق التام بين النفس والجسد الذي تدخله للمرة الأولى ، حيث تتم عملية التعارف والتكويد ، وهي عملية مهمة لضمان سهولة استدعاء النفس لدخول الجسد عند النوم ، وكذلك عدم خطأ النفس عند عودتها للجسد فلا تدخل سوى جسدها ، والذي لا تدخله إلا لو كان حيا ومستعدا لاستقبالها .

وتعد عملية الإنشاء للنفس في الجسد الجديد هو عملية تصوير للنفس في جسد ، تماما مثلما تصور شخصا فتضعه على ورقة لتتعرف عليه وهذا تصوير في بعدين فقط ، أو ترتقي فتصور الشخص في ثلاثة أبعاد بالفيديو ، ولكن عندما يكون المصور هو الخالق العظيم ، فلابد أن يكون التصوير إعجازا دقيقا وعظيما ، فينتج عنه مخلوقا جديدا مختلفا عن طبيعة كل من النفس والجسد الذي تم الإنشاء فيه ، فيقول سبحانه وتعالى { ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} ، ولا شك أن النفس في حالة حياتها (وجودها في جسد) تكون مسجونة في حيز أقل من قدراتها وحدود طموحاتها بكثير ، وهو ما نعاني منه عند العجز أو في سن المراهقة ، وبالتالي فإنشاء النفس في الجسد ، هو أيضا عملية تصوير (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) ، والتصوير هو تحديد وتقليل لأصل الشيء في حيز أقل منه حدودا وقدراتا ، مثل التصوير الذي نعرفه ، وهو ما يختزل حدود أي شيء مهما كانت لا متناهية الأبعاد .

فالنفس يعد وجودها في الجسد سجنا لها ، ولذلك جعل الله للنفس محفزات متزايدة ومستمرة ومتزايدة لتحرص النفس على التواجد في الجسد ، متمثلة في متع متجددة وتتزايد معها شهواتها ورغباتها في تكرارها ، ولذلك عندما تفقد النفس (حوفزها) دوافعها للحياة فإنها لا تستمر طويلا ، بل إنها تصدر أوامر تدمير ذاتية للجسد ، ولذلك يأمرنا سبحانه بألا نيأس مطلقا حفاظا على الحياة ، ولذلك أيضا .. لابد للمريض من رغبة في الشفاء وبدونها لا شفاء له مطلقا ، وسبحان الخالق العظيم في إعجاز خلقه ، فابن آدم لا يشعر بالفارق بين جسده ونفسه إلا نادرا ، فهناك توافق وتناغم معجز بين النفس والجسد الذي تمتطيه وتستخدمه ، لدرجة أن العلماء ما زالوا مشتتين ما بين الجسد والنفس ، بل إن علماء النفس وقعوا في الخطأ الجسيم ، بمحاولة علاج النفس بالعقاقير والأدوية التي تفسد الجسد ، تماما مثلما تريد أن تعالج مشكلة سائق سيارة كثير الحوادث لعدم قدرته على القيادة ، بأن تدمر محرك سيارته لتبطيء من سرعتها حتى لا يكاد يتحرك ، وهو ما يفعله أطباء النفس بالمهدئات والعبث في الهرمونات وجلسات الكهرباء .

والمتدبر لآيات كتاب الله سوف يدرك ، أن الله لم يترك أمر النفس للبشر ، ولكن أنزل سبحانه (313) آية في خلق النفس وإنشائها ودخولها وخروجها من الدنيا ومصيرها وحركاتها وأمراضها وعلاجها ، ثم ضرب مثالا محلولا من تاريخ حركات النفوس وأمراضها وعلاجها في (111) مائة وأحد عشرة آية في سورة يوسف ، ليصبح عدد آيات القرآن العظيم في علوم النفس أكثر من (420) آية ، بما يساوي أكثر من ضعفي آيات الفروض والحدود والمعاملات ، والتي ألفنا فيها ملايين الكتب والمجلدات ، ولكننا ما زلنا نخلط ما بين النفس والروح تماما مثل الجاحدين والكفرة والمشركين والملحدين والجهلاء ، وهكذا هم البشر يهوون الضلال فينكرون علوم ربهم ويخفونها ويتجاهلونها ، ويصدقون تخاريف وتخيلات البشر ، ويحترمون نظرياتهم عن النفس ، والمبنية على تجارب على المرضى والمختلين نفسيا ، فكانت النتيجة فشلا ذريعا ، وتدني مستويات الشفاء النفسي لأقل من 1% على مدى القرون الماضية ، وهو ما أدي لظهور وظائف جديدة كالمعالج النفسي ، ومحترفي الكوتشنج أو المدرب الحياتي ، وما زال البشر متخبطين لأنهم يجحدون آيات الله ، ويعتبرونها أحجبة وبركة وتدخل في عداد الحسنات لا أكثر .

ولست أدري لماذا لا نعتبر ونعود لعلوم القرآن ، رغم أننا كلما تقدمنا علميا وتكنولوجيا نكتشف دقة ومصداقية آيات القرآن العظيم ، والتي تفرق كثيرا ما بين النفس صاحبة القرار والفهم ، وبين الجسد كمطية (مركبة) تستخدمها النفس للتعامل مع الحياة لأجل محدد مسبقا ، فالنفس تسيطر على الجسد بواسطة مركز وغرف عمليات تتحكم فيها بواسطة غرفة قيادة ، مماثلة تماما لنظم السيطرة في الدول والجيوش ، فالقلب هو غرفة القيادة التي يتم فيها اتخاذ القرارات وردود الأفعال ، ومركز العمليات المنفذ هو مركز المخ ، والذي يسيطر على غرف عملياته النوعية كمراكز التقييم والعرض والحسابات ومخازن الذاكرة ومراكز التوجيه والسيطرة على أجهزة وأعضاء وأطراف الجسد ، فالقلب هو أساس الفهم والإدراك ، وهو ما قاله الخالق العظيم .. { لهم قلوب لا يعقلون بها } ، ولم نكتشف علميا حقيقة ذلك إلا منذ سنوات قليلة ، وحينها ألجمتنا المفاجئة عندما وجدنا أكثر من 40 ألف خلية عاقلة في القلب ، لنكتشف قدور جهلنا قرونا طويلة ونحن نعتبر القلب مضخة للدم فقط .

ولا شك أن استقامة النفس شيء جميل ورائع ، فاستقامة النفس تؤدي لاستقامة الحياة للجسد والنفس معا ، ولكن كيف تستقيم وما هي الاستقامة وكيف نقيمها ؟ ، والمسألة بسيطة ومعقدة قدور بساطة وتعقيد النفس البشرية ، وحيرت علماء البشر قرونا طويلة ، فالنفس بفطرتها تريد الحياة ، وهي تعشق الراحة والمتعة ، ولكنها مدفوعة بشهوات ورغبات ، وتتخطفها فتن الدنيا ، ووسوسة الشياطين ، والنفس في حركة حياتها تفقد القدرة على التفريق ما بين المحركات والمحفزات المختلفة ، وكثيرا ما تستسلم النفوس لوسواسها الخناس ، وتصبح أسيرة له ، وعلامة ذلك هو اقتناع النفس ويقينها بأنه لا وجود للوسواس الخناس ، وأن كل ما يخطر على بالها هو من ذكاءها وفهمها وعلمها ، فتسقط في مستنقع التخبط في الحياة ، فتفقد النفس الرضا والراحة النفسية ، خاصة عندما تصبح المتع والرفاهية هدفا للنفس في حركة حياتها ، وذلك .. لأن خالق الإنسان جعل نفسه وجسده لا يستقيمان ولا يشتد عودهما إلا بالكد والكدح والتعب في الدنيا ، لأن الإنسان (صاحب النفس والجسد) مكلف بإعمار الأرض .

ولكن ابن آدم العجول بطبعه يريد أن يحصل على الجنة في حياته ، فيسعى للمتع والرفاهية ، وهو يتجاهل أنه سوف يخسر بهما راحته واستقامة نفسه وقوة جسده ، فيحاول التعويض بما آتاه الله في الدنيا ، فيقع في عصيان أوامر ربه ، فتزداد مشاكله مع الحياة ، ويصبح أسيرا لشهواته ، غاضبا من نفسه حزينا عليها ، لأنه يعلم في قرارة نفسه أنه على خطأ ، (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) ، وربما كان ابن آدم معذورا في تخبطه في حركة حياته ، فهو دوما يحتاج لمحفزات للتغلب على روتين حياته ورتابتها ، فمثلا .. الطالب يحفز نفسه للذهاب للمدرسة نشيطا لأنه سوف يرى صديقه العزيز ، وربما البنوتة التي يحبها في الطريق ، والموظف يمني نفسه بأنه سوف يرى زميلة عمله المعجب بها ، ويظل ابن آدم طوال حياته محتاجا للأمل والترقب في كل شيء ، ليساعد ذلك نفسه على الاستمرار ومواصلة كدحه في الدنيا ، ولذلك فالزوجة الذكية هي من تخلق في بيتها ما يسعى الرجل للعودة له سريعا ، حتى ولو كان شيئا بسيطا مثل كلمة طيبة أو حتى كوب من الشاي أو القهوة ، أو لحظة ود طيبة ، ولابد من خلق ساعات في يوم محدد أسبوعيا لعمل شيء مشترك ومحبب ، كالغداء أو العشاء العائلي ، وتلك ما نسميها في علوم النفس ، بوقفات الأمل التي تحافظ على استمرار الحياة .

ولابد لكل منا أن يصنع ويهتم بـ”وقفات أمل دورية” لنفسه ولمن حوله ، يومية أو أسبوعية أو شهرية وسنوية ، مثل لقاءات الأصدقاء والأجازات الرسمية ، والأعياد الدينية والقومية ، والمناسبات الاجتماعية ، فالنفوس شديدة التعطش لهذه الوقفات ، لدرجة قد لا يتخيلها أحد ، فمثلا .. بعض البنات يدفعها الاستيقاظ للذهاب للدراسة أو العمل رغبتها المتجددة في قبلة والدها الصباحية ، أو بسمة شاب تراه كل صباح ، وبعض الرجال يهرول لمكان عمله لمجرد تبادل التحية مع الموظفة الجديدة صاحبة الابتسامة الملائكية ، ولاشك أن قمة استقامة النفس ارتقاءها عندما تصبح “الصلاة” و”القرآن” و”ذكر الله” هي أهم وقفات الأمل في حياته اليومية والتي تسعد النفس وتمنحها الرضا والسكينة ، وبعض الناس تجد سكينتها في مساعدة الآخرين ، وآخرين يجدونها في الصدقات ، والنفس البشرية بفطرتها تريد شيئا من كل شيء ، وإذا حصلت عليه فإنها تريد المزيد ، ولا تكتفي مطلقا ، ولذلك لابد من السيطرة والتحكم وكبح جماح النفس ، حتى ولو كنت أتقى الأتقياء ، فداخلك نفس بشرية تريد الفجور لو وجدت الفرصة { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه } ، ولا يمكن كبح جماح النفس إلا لو كانت دوما متذكرة أنها في رحلة اختبار يتوقف عليها مصيرها النهائي .

أخيرا .. لابد أن نجيد التعامل مع نفوسنا بحكمة ، وليس من الحكمة أن ننسى أننا نفوس تحتاج للترويح والتخفيف من الأعباء أحيانا ، ولذلك لابد من الاهتمام بالراحة والأجازات والترفيه عن النفس ، ولكن دون أن يصبح الترفيه والمتع أكثر من الكد والكدح ، وإلا سيفقد تأثيره ورونقه ، وبالتالي فلابد من نظام لممارسة حركة الحياة ، ويبدأ تنظيم اليوم من الليلة السابقة ، ويفضل أن يكون هناك دقائق تفكر قبل النوم تبدأها بحساب نفسك عما فعلته في يومك ، وما هو يرضي ربك وما يغضبه ، وأخطءك وحسناتك ، دون أن تسترسل في صياغة سيناريوهات في خيالك لا طائل منها ولا فائدة ، ثم تبدأ بعدها في دقائق قليلة بعملية بحصر وترتيب ما هو مطلوب منك فعله غدا (مهام وواجبات) قبل أن تنام ، ومن المهم تقسيمه لمهام (شخصية – عائلية – وظيفية) ، ثم تذكر نفسك بأن الله بيده كل شيء وهو مدبر الأمور ، وأن ما كتبه سيكون ولا حيلة لك فيه ، فتسلم أمرك لله ولا تتعب نفسك في التفكير فيه كثيرا ، ثم اغلق عيناك واترك هذا الجسد ليعيد صيانة نفسه ، ولله الأمر من قبل ومن بعد …
جمال عمر