نفسك .. كما لم تعرفها (10) .. ؟؟ … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
4 فبراير، 2023
اراء ومقالات, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, عاجل
636 زيارة

استعرضنا سابقا حقيقة أن الإنسان أصله نفس ، وهذه النفس تدخل الدنيا باحتلال (بواسطة) جسد حي (طين + روح) ، وعرفنا أن النفس لا علاقة لها بالروح ولا الجسد ، إلا خلال الفترة المؤقتة التي يحيا بها على الأرض (الأجل) ، فتستخدم النفس هذا الجسد الحي لممارسة الحياة ، تماما مثل ملابس الفضاء أو بدلة الغوص أو مثلما تقود سيارتك ، فلا يمكن أن نقول أنك أنت هو تلك السيارة ، ولكنها وسيلتك للحركة ، مع الفارق أن الجسد هو وسيلة الحركة والتعامل والحياة كاملة ، فلا يمكن الاستغناء عن الجسد في ممارسة رحلة الحياة ، كما علمنا أن الحياة هي مجرد هي دوما أحد رحلات اختبارات النفس ، على أن يتم محاسبتها على ديونها الواجبة الآداء لله ، بعد انتهاء رحلات الاختبارات ، وتتم الاختبارات من خلال تنفيذ المهمة التي كلفنا الله بها وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، وعلمنا أن إعجاز الله في خلقه النفس والجسد قد جعل كلاهما لا يشتد ويقوى إلا بالشدائد ، ولا يصل الإنسان لسعادة نفسه واستقرارها إلا بالكد والكدح ، وهو ما يفسر أسباب ارتفاع نسب الانتحار بين الشعوب المرفهة .

كما علمنا أن النفس ومنذ دخولها للجسد للمرة الأولى وهو جنين في بداية الشهر الخامس ، لا تستقر في الجسد مطلقا ، فالجسد هو إقامة مؤقتة ، ولا يحتمل الجسد وجود النفس فيه أكثر من ساعات ، ولابد للنفس أن تغادر الجسد بعدها ، ليعيد الجسد صيانة نفسه ، وهو ما نعرفه بالنوم ، وعلمنا بالتالي أن النوم والموت متماثلان ، وفي كلاهما تغادر النفس الجسد ، والفوارق بينهما بسيطة وتتركز في خروج النفس عند النوم بسلاسة ودون ألم ، كما تستطيع العودة للجسد ، ولكنها عند الموت تخرج بلا قدرة على العودة ، كما أنه مكتوب على النفس أن تذوق آلام مغادرة الروح للجسد ، تلك الروح التي لا علاقة للنفوس بها ، بل لا علاقة لمخلوق بها ، لأنها سر من أسرار الله لإحياء كل جماد ، فالروح لا يمتلكها ولا يتحكم فيها مخلوق مطلقا إلا في حالات خاصة بإذن مباشر وأمر من الله ، وتلك الروح لا تعرف النفس عنها شيئا ، ولم تكن النفس حاضرة يوم دخولها للجسد ، وذلك عندما كان الجسد ما زال حيوانا منويا في جسد رجل ، وبويضة في جسد أنثي .

وعلمنا بالضرورة أن الجسد عندما تغادره الروح ، لابد من دفنه في التراب ليتحلل ويعود ترابا (لأصله)، أما أصل الإنسان وهو النفس فهي التي يتوفاها ربها بواسطة ملك الموت ، وملك الموت لا علاقة له بالروح مطلقا ، ولا يملك الاقتراب من الروح ولا سلطان له عليها مطلقا ، فهو موكل بالنفوس ويتوفاها مع بعضا من رسل الله عند (الموت) بعد انتهاء أجل اختبارات النفس في هذا الجسد .. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11، وعندها يتم سؤال النفس عن إيمانها وديونها ، وبناء على إجاباتها يعاد تجهيز النفس لدخول الاختبار التالي في جسد مختلف بمعطيات مختلفة طبقا لتقدير الله لها ، وهناك نوعان من النفوس لا تعود لرحلة الاختبار في الدنيا مرة أخرى ، والنوع الأول هم شياطين الإنس ، وهو ذلك النوع الفاجر الجاحد بكفره من البشر ، ولا جدوى ولا أمل في إصلاح نفوسهم ، وهؤلاء لا يعذبون ولا يحاسبون حتى يوم القيامة ، وهؤلاء يبقون كأنهم نيام حتى يفاجئهم قيام الساعة ، حيث يمنحون نشأة بجسد جديد ليحاسبوا به على كفرهم وجحودهم مع شياطين الإنس والجن ، وأما النوع الثاني فهم السابقون ، الذين نجحوا بامتياز في اختبار يقينهم ونواياهم وصلاح أعمالهم ، فهم إما صديقون أو شهداء ، وهؤلاء يعودون للحياة مرة أخرى ليتمتعوا في الدنيا حتى يوم القيامة ولكن بأجساد جديدة لم يدخلوها من قبل ، فلا تعود نفس لجسد غادرته من قبل مطلقا ، وهو ما أوضحه سبحانه يآيات مفصلات .

ولا شك أن النفس عندما تغادر الجسد خلال النوم أو الإغماء أو الغيبوبة ، تنطلق في ملك الله بقدرات مختلفة وهائلة ، فالزمن بالنسبة لها يكاد يكون منعدما ، فترى نفسك في مكان على مسافة آلاف الأميال ، أو حتى في العصور الوسطى أو في زمن مختلف ربما لم يأتي بعد ، وربما في أماكن لا تتذكرها لأنك لا تملك مثيلا لها في ذاكرتك لتصفها به ، ولذلك فالغالبية العظمى من الناس لا يتذكر شيئا مما يراه في منامه ، إلا مشاهد متقطعة ومشوشة ، ونادرا ما يتذكر الإنسان كل ما يراه ، إلا لو كان مطابقا أو قريبا من معطيات حياته التي يحياها ، ولكن في النهاية كل ما تراه النفس في نومها هو حقيقة ، ولكن تختلف حقيقته وموافقته لواقع حياته ، وذلك تبعا للمكان والزمان الذي تمت فيه الرؤية ، وتبعا لكيفية رؤيته ، سواءا كان رؤية مباشرة واضحة معانيها ، أو من وراء حجاب فتحتاج لتفسير وتأويل ، ويعتمد ما يراه الانسان في منامه على حقائق حياته ومفاهيمه الشخصية عن الحياة والدنيا ، وكذا حالته النفسية وقدور إيمانه ويقينه ، واستقامة نفسه وتقواها أو فسادها وهو ما لا يعرفه إلا الله وحده ، ورغباته وشهواته وقدرات نفسه ، ولذلك لا يمكن وضع أنماط للرؤى والأحلام ، لتقول من يرى كذا فهو كذا ، لأن هذا يرتبط أساسا باختلاف مفاهيم الأشياء في مختلف النفوس ، ولذلك يعتمد المفسرون على المطلقات في حياة الإنسان ، وما يتفق عليه فكر البشر عامة من الخير والشر والشهوات والرغبات والمخاوف والمشاعر والانفعالات المشتركة .

ولفهم بعضا مما يعترض الإنسان في منامه لابد أن نعرف أن هناك وصلات يمكن تسميتها (فوتونية) بين ما تراه في منامك وبين ما يحدث في واقع حياتك ، بمعنى أن هناك احتمال كبير ، أنك لو قصصت رؤياك فسوف تتحقق ، لأنك بذلك تستدعيها ، وتفتح لها أبوابا فوتونية لتدخل حيز الواقع ، ولذلك ينصحنا سيد الخلق بألا نقص الرؤيا السيئة على أحد مطلقا ، وليس هذا خزعبلات ولا تفاءل وتشاؤم ، ولكنها حقائق التعامل العلمية المطلقة ، والتي لم ينتبه لها الإنسان إلا مؤخرا في صور الطاقات السلبية والإيجابية ، وهو ما يستدعي أن ننتبه جيدا لما يدور في خيالاتنا وما تردده ألسنتنا ، فما يحدث لنا يكون دوما بعضا منه ، لأننا بحديثنا عن الأشياء نكون قد استدعيناها بإرادتنا ونحن لا ندري ، وهذا ما يعرفه وسواسك الخناس جيدا ، فيلقيه في قلبك وعلى شاشات مخك ، فتردده وتغرق في التفكير فيه ، وهو ما يفتح أبواب حدوثه ، ولذلك صدق المثل الشعبي (اللي يخاف من العفريت يطلعله) ، فهو ليس مجرد مثل بل هو إثبات لحقيقة علمية بحتة ، تحذرنا مما نتورط في التفكير والحديث عنه وفيه ، وتنبهنا بضرورة السيطرة على النفس ، والاستعانة والاستعاذة بالله تعالى دوما من شرور النفس وهمزات الشياطين .

ولا شك أن النفس في وجودها داخل الجسد تكون غارقة تماما ، تتقاذفها أمواج من التأثيرات الشديدة والمختلفة ، وأولها طوفان رغباتها وشهواتها ، وثانيها وفي مقابلها حدود معطياتها في الدنيا ، وثالثها الحدود والمعروف وقيمها ومبادئها ، ورابعها فتن الدنيا والبشر من حولها ، وخامسها مطالب حركة الحياة والتزاماتها التي لا تنتهي ، وسادسها مخاوفها المتزايدة كلما تقدم العمر ، وأخيرا وسابعها وأخطرها (الوسواس الخناس) وهو قرين من الشياطين يعرف كل شيء ويتدخل في كل شيء ، ويوسوس همسا وأحيانا صراخا ، وخطورته أن الإنسان منذ مولده قد اعتاد على صوته داخله ، فأصبح جزءا منه ، بل يظن الإنسان أنه صوت نفسه ، فلا يفرق ولا يقيم ما يوسوس له به مطلقا ، فيسقط ابن آدم أسيرا لوسواسه ، ويحيا لينفذ رغبات وأوامر وسواسه معتقدا أنه صوت نفسه ، وموقنا أنه لا وجود لهذا الوسواس الذي حذرنا الله منه ، بل وأنزل الاستعاذة به في سورة كاملة منفصلة هي سورة الناس ، نظرا لخطورته الكبيرة على الإنسان .

وهنا نتوقف قليلا لنعرف أن القرين (الوسواس الخناس) هو أقرب المخلوقات للإنسان ، والذي يعرف عنه كل شيء ، فهو معه منذ ولد وحتى يغادر الجسد للموت ، ولذلك فهو يعيش من خلاله ، يأكل ويشرب معه ويستمتع من خلاله ، فهو أول وأكثر من يحزن لموته ، فالقرين لا يموت بموت الإنسان ، ولكنه يصبح حرا ولا أحد يعرف تحديدا أين يذهب بعد موت قرينه الإنسي ، ويقول البعض بأنه قد يكلف بإنسي آخر يولد ، والله أعلم ، ولكن أغلب الظن أنه ينطلق حرا بلا تكليف جديد ، ولكنه بالطبع يكون في أشد حالات حزنه على فقد العائل الإنسي ، ولابد أن يتدخل كثيرا في حياة أهله ، فهو قد يزور بعض من أهله في المنام على صورة الإنسان المتوفي ، بل ويقوم الدجالون والمشعوذون بتحضير هذا القرين الجني على أنه روح الإنسي الذي توفاه الله ، وتلك أكذوبة كبرى لوجود كثير من المغالطات ، أولها أن الروح لا علاقة لها بمخلوق ولا تمثل مخلوقا أبدا ، ولا سيطرة لمخلوق عليها مطلقا ، فهي سر إحياء أي جماد ، ولو كان هناك تحضيرا فلابد أن يكون تحضيرا لـ (نفس) الإنسي وهذا مستحيل ، لأن النفس لها قوانين مختلفة لا يستطيع مخلوقا التحكم بها ، ولذلك قد تكون رؤية الميت في المنام هي رؤية لقرينه الذي يحاول إيصال رسالة معينة تخدم رغباته كشيطان ، ولو مات الإنسان مقتولا أو في حادثة مدبرة ، فسيصبح القرين غاضبا وثائرا ، وهو ما يدفعه للتجسد والظهور وإيذاء وتخويف بعض الناس في محيط مكان موت الإنسان ، وسيسعى لكشف قاتله بكل الوسائل الممكنة ، وربما يقيم القرين في مكان موت قرينه الإنسي فترة ، ويمنع أي إنسان من الاستقرار في هذا المكان ، وهو ما نعرفه عن بعض الأماكن بأنها مسكونة ومرعبة ، ولا يسكنها أحد .

ولا شك أن القرين يكون له تأثير كبير في إعجاب كثير من الرجال والنساء ببعضهم ، وبالتالي نصيب كبير في انتشار الفواحش والعلاقات المحرمة ، فالرجل له قرين ، وللأنثى قرينة ، والقرين لا يستطيع أن ينال قرينة أنثى جنسيا إلا لو التقى الذكر والأنثى البشريين جنسيا ، ولذلك فقصص العشق الملتهب غالبا ما تنطفيء نارها بمجرد أن ينال كل من الرجل والأنثى ما تشتهيه نفوسهما ، ولذلك تفشل معظم زيجات العشق والمبنية على الشكل والجمال والوسامة ، والتي تبدأ بالهيام والغرام والمبالغة في الحب والعشق ، وفي النهاية تنتهي بمستويات مبالغ فيها من الكراهية والشرور ، ولا شك أن أخطر ما يفعله القرين بالإنسان هو إقناعه بضرورة أن يدرس شريك حياته القادم ويعرف عنه كل شيء ، حتى وصلنا لانتشار العلاقات والاتصالات عبر وسائل التواصل الاجتماعي طوال اليوم ، فيعرف كل منهما كل شيء عن الآخر ، أو هكذا يتوهمون ، ولكنهم يغذون شهواتهم للتقرب من الجنس الآخر ، وفي نفس الوقت يضعون الأساس القوي لفشل العلاقة بينهم فيما بعد ، خاصة لو تم الزواج ، فبعد الزواج تبدأ رحلة الملل سريعا ، فهم يعرفون عن بعضهم الكثير ، ومعظمه يتضح كذبه أو عدم مصداقيته 100% ، وقد انكشف كل منهم على حقيقته التي كان يجملها ، أو يزورها ، وحتى لو كانا صادقين 100% ، فقد بدأت رحلة الملل مبكرا بمجرد بدء الزواج ، وسريعا ما يبدأ كل منهما التقييم للآخر والانتقاد ، ثم الخلافات والمشاجرات والتربص ، ثم الانفصال المؤلم والاتهامات والفشل ، ولذلك عندما وضع الخالق العظيم حدود العلاقة بين الرجل والمرأة قبل الزواج ، حرص أن تكون رحلة حياتهما هي رحلة استكشاف لكل منهما عن طبيعة الآخر ، ومحاولة التأقلم والقبول والتكامل في ظل المودة والرحمة ، ولذلك لابد أن نعترف أن السبب الرئيسي لفشل الزيجات سريعا ، هو زيادة قدور المعرفة عن بعضهما قبل الزواج عن حدودها التي رسمها الخالق العظيم .. {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14 .

ولاشك أننا نشعر دوما بمؤثرات يصعب وصفها ، خاصة عندما نتعرض لمواقف حرجة أو خطيرة أو مفاجئة ، أو عندما يحدث شيئا كنا نتوقعه ، أو نتذكر شخصا بعيدا أو غريبا عنك فتجده أمامك ، أو تجد نفسك تلتفت وراءك فتجد شخصا يحدق فيك ، أو كيف تشعر الأم بأولادها ، أو كيف يصل مستويات التفاهم بين شخصين لتلك المستويات المذهلة بلا كلمات ، وهنا لابد وأن نعلم أن لكل مخلوق حيز ترددات (ذبذبات) يحيا في حيزها ويتفاعل داخلها ، ولكنه لا يتفاعل ولا يشعر بما هو موجود في حيز ترددات مختلف معه سواء في حيز أعلى منه أو أقل منه ، فالإنسان يسمع الأصوات في الحيز ما بين 20 هيرتز ، 20 ألف هيرتز ، ولكنه لا يسمع ما هو أقل أو أكبر من هذا الحيز ، كما أن الإنسان يرى في حيز ما بين (400 : 800) تيرا هيرتز ، وهو حيز ضئيل جدا في مجال الأشعة ، فهناك حيوانات وطيور وحيوانات تتفقو على الإنسان في حيز الرؤية والسمع ، وخارج حيز السمع والرؤية للإنسان هناك ملايين الكائنات والمخلوقات التي تعيش ، وكثير منها يرى الإنسان وربما يتعامل معه ، ويتفاعل بحركة حياته ، ولكن رحمة من الله أن لا يرى ابن آدم ولا يسمع كل ما حوله ، حتى لا يشتته هذا عن مهمته التي خلقه الله من أجلها ، فما يراه ويسمعه الإنسان هو دوما في حدود ما تستطيع نفسه التعامل معه والتعايش معه ، ولذلك فكثير ممن تسمح لهم ظروفهم برؤية أو سماع ما هو خارج حيز السمع والرؤية العادية يصابون باختلال نفسي ، فيصبحون غريبي الأطوار ، ويتجنبهم الناس وقد يصبحوا في نظر المجتمع مختلين أو مجانين .

ولا شك أنه في مجالات ترددات الموجات الصوتية والإشعاعية المطلقة ، يصبح ابن آدم بل وكل مخلوق حي في هذا الكون مراقب ومتابع بمنتهى الدقة ، فكل ما يقوله ويفعله ، بل وما يجول في خاطره مرصود ومسجلة تردداته بدقة ، ولا عجب في ذلك ، فالخالق العظيم مبدع في خلقه ولابد أن تكون منظومة خلقه متابعة ومراقبة ذاتيا ، وبواسطة مكوناتها الأساسية من فوتونات ونانو فوتونات ، وهي أصغر ما اكتشفه الإنسان من دقائق قياسات مكونات الكون ، فالفوتون في الفيزياء هو جسيم أولي للضوء وجميع الأشكال الأخرى للإشعاع الكهرومغناطيسي، والحامل للقوة الكهرومغناطيسية ، ويتحرك بسرعة الضوء (300 مليون متر في الثانية) ، هذه الفوتونات تتلقى تردد ذبابذات أي حدث بداية من خيالاتك وأقوالك وأفعالك ، وتظل تتكرر بنفس الترددات حتى تسجل في الإمام المبين ، وهو محل التسجيل الذي أخبرنا عنه سبحانه في سورة ياسين .. {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ }يس12 ، والمعروف أن الإمام المبين هو مكان يوجد في السماء الدنيا وهي السماء الأولى والأدنى في ترتيب السماوات السبعة ، ولنا في هذا حديث آخر .

فالنفس البشرية وهي أحد أروع ما خلق الله من النفوس ، لكونها أحد النفوس التي تم تكليفها مؤخرا (منذ حوالي سبعة آلاف سنة) بإعمار جزء من كون الله وهو الأرض ، ولا تحيا النفس على الأرض إلا بدخول جسد حي (فيه روح) من مادة الأرض ، وتغادره بمجرد انتهاء الأجل ، وتعتبر كل رحلة حياة هي اختبار مختلف للنفس ، وتكون دوما معطيات الله للنفس خلال حياتها هي أسئلة ومواد الاختبار .. { . لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، ونظرا لكثرة المؤثرات على النفس خاصة في السنوات الأخيرة ، والتي حدث فيها تسارع كبير لعجلة الاكتشافات العلمية والتكنولوجية ، والتي احدثت ثورة في كم المعلومات التي تهاجم النفس يوميا بل في كل ساعة ، أصبحت الأمور شاقة على النفس ، والتي سرعان ما تسقط صريعة لأنواع كثيرة من الأمراض التي تفتك بالنفس ، وتنتقل للجسد بالطبع ، وتظهر أعراضها سريعا في كثير من الأمراض والأعراض ، والتي أبسطها (الصداع) ، والذي يتطور الاعتياد عليه لإحباط يتطور لاكتئاب وحزن مزمن ، وكلها تطورات تحدث أمراضا بيولوجية في الجسد ، وللأسف لا يعرف الإنسان لها علاجا ، وذلك لجهله الشديد بطبيعة تركيبه كإنسان ، فيعالج النفس عن طريق تدمير الجسد وإفساد قدراته ومميزاته .

ولا شك أن كل نفس لو علمت ما تجهله عن طبيعة تركيبها ، ومهمتها والمطلوب منها ، وقدراتها النفسية والجسدية ، لاستطاعت أي نفس أن تعالج نفسها أولا بأول سواء منفردة أو بمساعدة من غيرها من النفوس الواعية المدركة للأبعاد الحقيقية للمشكلة النفسية التي يمر بها الإنسان ، خاصة وأن المشاكل النفسية متماثلة في جميع البشر ، مع اختلاف حدة تأثيرها باختلاف معطيات كل نفس ، واختلاف حدود ومواصفات البيئة والظروف المحيطة ، ويعد من أهم العوامل المؤثرة هو نوع الجسد الذي تحتله النفس (ذكر – أنثى) ، لأن لكل منهما رغباته وشهواته ومتطلباته الجسدية المؤثرة نفسيا عن النوع الآخر ، ثم يأتي عنصر الجهل كعنصر خطير ومؤثر ، فمستوى الجهل يحدد بدقة وسائل التعامل الأفضل طبقا لمستوى الجهل الفكري والثقافي ومدى تعقيده ، فلا يمكن أن تقنع يهوديا أو مسيحيا بآيات من القرآن ، وهو نفسيا يعتبرها ضلالات وأكاذيب ، ولا يمكن بالطبع أن تحدث متشددا مسلما بالمنطق والعلم البحت ، بل ربما لا تستطيع أن تفتح له آفاق مختلفة لفهم بعض الآيات بخلاف ما حفظه وعاش عمره كله أسيرا له ، كما أنك لا تستطيع أن تحدث من لم يتلق تعليما راقيا عن الفوتون وسرعة الضوء والأشعة الكونية .

ولذلك .. تعد التفاعلات النفسية الأولية هي أفضل الوسائل للوقوف على أرضية مشتركة ما بين المريض النفسي والمعالج ، ولكن ذلك يبقى مرهونا بحدود معرفة المعالج بالأمراض النفسية الحقيقية ، وليست تلك التي سردها علماء النفس ووضعوا لها أعراضا بناءا على مراقبة المختلين والمرضى ، ولابد من الأخذ في الاعتبار اختلاف البيئة فكثير من أمراض الأوربيين النفسية هي مجرد تفاهات وهرتلات لا ينظر لها أحد في الشرق ، وكذلك كثير مما يسبب الأمراض النفسية في الشرق هي مجرد مشكلات بسيطة لا تحتاج لعلاج أو حتى المناقشة ، ولذلك وجب العودة لما صنفه الخالق العظيم من أمراض نفسية أساسية في كتابه العزيز ، سواء ما ذكره في المثال المحلول للنفس البشرية في سورة يوسف ، أو باقي آيات القصص والعبرة ، وهو ما يجعل البحث في آيات الله يتجاوز أكثر من 35% من آيات الكتاب العزيز ، والتي أوضحت ببساطة أهم وأخطر الأمراض النفسية لابن آدم وكيفية علاجها ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا …
جمال عمر