استعرضنا من قبل حقيقة الإنسان كنفس يمنحها الله جسدا حيا لتمارس به حركة الحياة على الأرض ، ومنذ دخولها للجسد أول مرة وهو جنين بنهاية الشهر الرابع ، والنفس لا تستقر في هذا الجسد مطلقا ، فالنفس تدخل للجسد يوميا لساعات ثم تغادره ليعيد الجسد صيانة نفسه ، وتظل في تكرار الدخول والخروج للجسد الحي حتى ينتهي الأجل ، وعندها يسترد الله سر إحياء الجسد (الروح) ، فيموت الجسد ، ولا تستطيع النفس استخدامه أو دخوله ، فتغادر النفس الجسد بلا عودة له مرة أخرى ، وبانتهاء الأجل تكون قد انتهت أحدى رحلات الاختبار للنفس ، وعندها يتم إعداد النفس لتبدأ من بعدها رحلة اختبار أخرى بجسد جديد ومعطيات مختلفة واختبارات مختلفة ، وتظل النفس تستكمل اختباراتها من خلال رحلات متتالية حتى يوم القيامة ، ولكن قد تستطيع نفس أن تنهي رحلات اختباراتها بامتياز في أحد المرات ، وتكون بذلك قد أنهت اختباراتها مبكرا وسبقت غيرها من النفوس ، فتصبح من (السابقون) وتنال مرتبة (المقربين) فلا تتعرض للاختبار مرة أخرى حتى يوم القيامة ، ولكنها تعود للحياة بجسد تختاره النفس ، بهدايا ثلاثة من الله (روح وريحان وجنة نعيم) حيث يمنحها الله روحا تضعه في الجسد الذي تختاره ، وتعود لتنعم بالراحة (ريحان) ، وتستمتع في الدنيا (جنة نعيم) حتى يوم القيامة ، وربما تكلف هذه النفوس بمهام في الدنيا لحفظ اتزان ناموس الله في خلقه .

ولذلك من الضروري أن تعرف النفس وهي في داخل جسد كيف تداوي نفسها ، وتستطيع التصدي للثلاثي الخطير ، فتن الدنيا و (وشهوات نفسها) ، ثم عدوها التاريخي (إبليس وجنوده) ، علها تفوز بمرتبة (السابقون) ، فلا تعود للاختبارات مرة أخرى ، ويظن البعض أن الأمر بسيط لو التزمنتا بما يقوله سبحانه في كتابه ، ولكن الحقيقة أكبر من تخيلاتنا وظنونا ، خاصة في ظل تسارع وتيرة الحياة ، وهو ما تسبب في سرعة سقوط النفوس ضحية المؤثرات حولها ، وقد تعرضنا سريعا للمؤثرات على النفس البشرية خلال حياتها في الدنيا ، وعرفنا أن النفس تخضع لسبعة مؤثرات أساسية هي { الرغبات والشهوات – المعطيات (ظروف الحياة) – الحدود والقيود – فتن الدنيا – مطالب استمرار الحياة – المخاوف – الوسواس الخناس} ، ولا شك أن الحديث عن كل نوع من المؤثرات سيكون طويلا ومتشعبا بل ومتداخلا مع جميع المؤثرات الأخرى ، فالنفس البشرية برغم روعة تكوينها إلا أنها شديدة التعقيد وعاصية فهمها على عقولنا المحدودة خاصة ، وأننا ما زلنا جاهلين تماما بمنظومة عمل النفس البشرية وتطورها العجيب خلال احتلالها للجسد لممارسة الحياة ، مع اختلاف أنواع وأشكال المؤثرات من شخص لآخر ومن زمن لغيره ومن مكان لمكان ، إلا أن هناك ثوابت لا تتغير ولا تختلف ، وهي التي تعتبر الحدود الكبرى لتفاعلات النفس البشرية .

وتعد التفاعلات النفسية هي الحدود القصوى للنفوس مهما اختلفت المعطيات والزمن والمكان والمؤثرات ، وأبرز هذه التفاعلات هي (الخوف – الحزن – الغضب – الكراهية – الألم – الحب – الفرح والمتعة والسعادة} ، وكل من هذه التفاعلات لا تعتبر مرضا ولكنها تفاعلات طبيعية لكل نفس خلقها الله بما فيها النفس البشرية ، ونتيجة التضارب ما بين المؤثرات وتفاعلات النفس تحدث الأمراض النفسية ، حيث تتداخل كثير من المؤثرات مع ما يعارضها من التفاعلات النفسية ، فتفقد النفس السيطرة على اتزان انفعالاتها ، وتتحول النفس للحالة المرضية كوسيلة للحماية الذاتية من التعرض لمزيد من الألم ، ولابد أن نعترف أن التفاعلات السلبية للنفس ليست شرا كاملا ، بل على العكس ، فكثير من التفاعلات السلبية للنفس نتيجة المؤثرات عليها ، تعد من أهم وسائل صقل النفس وتربيتها ، لأن عدم تعرض النفس لهذه التفاعلات السلبية ، يجعلها هشة لا خبرة لها ولا قدرة على تحمل متاعب الحياة ومصاعبها ، فليس كل تفاعل سلبي هو مضر بالنفس ، بل على العكس فكثرة التفاعلات المفرحة والممتعة هي التي تفسد النفس بشدة ، وتتركها ضعيفة مدمنة وقابلة للكسر والأمراض المختلفة.

ولذلك نطلق لفظ (التربية) على عملية التنشئة للصغار ، لأن العلاقة بين الأجيال ليست علاقة رعاية وحماية وتوفير احتياجات فقط ، ولكنها أساسا هي علاقة تهذيب للنفوس وتقويم لشهواتها ورغباتها في المقام الأول ، ولذلك فالمرض النفسي لا يصيب النفس فجأة ، ولكنه دوما يتسرب للنفس نتيجة تراكم تأثيرات سوء التفاعل والتعامل النفسي مع المؤثرات ، وبالتالي سوف يكون المرض النفسي نتيجة مباشرة لسوء التربية ، ويتفاقم المرض النفسي مع تزايد الجهل وتحوله لحماقة ، برفض الفهم لمعطيات العلم طبقا لناموس الخالق العظيم ، فمثلا .. كلنا يتعرض لمصيبة الموت بفقد عزيز ، ولكن تختلف تفاعلات النفوس عن بعضها كثيرا ، حتى لو كانوا إخوة وتوائم في أسرة واحدة ، وبغض النظر عن اختلاف قيمة المفقود في النفوس ، ومع افتراض جدلا أن القيمة واحدة لدى الإخوة مثلا ، ولكن تختلف ردود الأفعال السريعة والتلقائية ، وهي التي يبنى عليها كذلك كم التراكم النفسي والمؤثر بشدة على المدى البعيد ، بمعنى أنه ربما نجد أحد الإخوة ينفجر باكيا وحزينا ، ولكن الآخر تجده متزنا وقويا ومتمالكا لنفسه ، ويتصرف بثبات ملفت للنظر ، وهنا يجب أن ننتبه لملاحظة هامة ، وهي أن من أخرج انفعالاته في حينها سوف يكون أكثر هدوءا واتزانا نفسيا في المستقبل ، ولا خطورة من احتمالات إصابته بمرض نفسي نتيجة الفقد ، بينما أخيه المتزن والملفت للنظر بثباته سوف يكون أكثر عرضة للمرض النفسي مستقبلا ، بل إنه عرضة لتدميره جسده داخليا لو لم يفرغ طاقة الحزن مثل أخيه ، ولا يعني هذا الاستجابة لرغبات النفس بالمبالغة في إظهار الحزن أو الانزعاج ، لأن المبالغة نفسها تعد أحد أعراض الاعتلال والمرض النفسي أيضا .

وكلنا يعرف أن المرض النفسي هو اختلال في ردود أفعال النفس تجاه مواقف حركة الحياة اليومية ، ولذلك من السهل على الإنسان اكتشاف مرضه النفسي من ردود أفعاله ، فإذا تملكت الإنسان رغبة جامحة للمبالغة في ردود أفعاله ، أو على العكس تماما لديه حالة برود قاسي في مواجهة الأمور ، فكلا من الحالتين تؤكد وجود خلل نفسي يحتاج للتوقف عنده وعلاجه ، وتختلف من شخص لآخر حدود ردود أفعاله تبعا للمواقف واختلافاتها ، وبالتالي لا توجد نفس على وجه الأرض سوية بنسبة 100% ، فالكل مرضى نفسيين ويحتاجون للمداواة دوما ، وتضميد الجروح والكدمات النفسية باستمرار ، وهو ما تفعله لحظات السكون النفسي في الصلاة والتدبر وذكر الله والتوقف عند حكمة الله ورحمته في مواقف حركة الحياة ، وتجدها في سكينة النفس عندما تخلو بنفسها وتدعو وتبتهل إلى الله ، ويجدها كثير من الشعوب الصفراء فيما يسمونه باليوجا ، أو لحظات التأمل الطويلة ، أو نجدها ببساطة في ممارسة الرياضة أو حتى قراءة كتاب جديد ، وأفضلها للمسلمين هو قراءة بعض آيات القرآن الحكيم بتدبر وتأمل ، والذي له فعل السحر في استقرار وهدوء النفوس والتغلب على شطحاتها وانفعالاتها الغير مسيطر عليها .

ويعد الرغبة في التميز (الإبداع) هو أحد الصفات الهامة التي منحها للنفس البشرية ، وذلك لتعينه على تنفيذ المهمة التي خلقه الله من أجلها وهي إعمار الأرض ، وهذه الصفة قد ساعدت الإنسان كثيرا في تطوير حياته وأدواتها على الأرض ، ولكن يكمن الخطر في سوء استخدام هذه الصفة ، خاصة عندما يفتقر الإنسان لما يجعله متميزا ، فينحرف بنفسه إلى مجموعة متسلسلة من التصرفات النفسية ، والتي لو تعود عليها لأصبحت أمراضا نفسية ، ولو اعتادتها واستحلتها النفس ، فستصبح مرضا مزمنا ، يوردها الهلاك في الدنيا والآخرة ، وأول هذه التصرفات هي الكذب ، فالكذب كما نعرفه هو أبو الخطايا ، فالإنسان المستسيغ والمعتاد على الكذب ، مريض نفسي خطير ، لأنه لن يجد مانعا من فعل أي شيء ما دام قادرا على الكذب ، لأن خطورة الكذب ليس في تزوير الحقائق أو إخفائها عن الآخرين ، ولكن خطورته الحقيقية في النفس التي تكذب ، فهذه النفس سوف تحتقر نفسها ، لأنها لا تمتلك الشجاعة على قول الحقائق ، ومن تبعات صفة التميز ، أن النفس الكاذبة لن تكون أبدا مصدقة أن هناك نفوسا لا تكذب ، فكل النفوس في نظرها كاذبة مثلها وربما أسوأ ، ولذلك لن تجد مجرما يصدق أن هناك أبرياء في الدنيا ، لأن صفة التميز تجعل النفس ترى الناس في مرآة صورتها .

ومن اعتياد النفس على الكذب .. تتعلم النفس الأخطر ، وهو الكذب على نفسها ، وتصدق كل ما يتوافق مع شهواتها ورغباتها ، وتتفاقم الأمور أكثر ، فتعتاد النفس الكذب على نفسها في كل ما يؤرق النفس حقيقته ، وأبسط مثال في مجتمعنا ، رأيناه فيمن يتبع جماعات التجارة بالدين أيا كان مسماهم ، يرفضون بشدة تصديق أن رموزهم وقياداتهم مجرد خونة وعملاء لجماعات ماسونية ، حتى بعد كشفت المخابرات البريطانية أنها صنعتهم وتديرهم منذ قرون لاختراق الدول المسلمة ، فكيف يصدق أنه مخدوع ومغرر به ، وأنه وقود المحرقة ، فهو لن يصدق ذلك أبدا ، لأن هذا معناه أنه قد سقط في مستنقع الشرك بالله على أيدي هؤلاء نتيجة غباءه وجهله ، وهذا الاعتراف للنفس رهيب ومزلل لا تقدر عليه إلا النفوس السوية ، فتفضل معظم النفوس الكذب على نفسها بحجج واهية وضعيفة ولكنها حجج مقدسة ، حتى لو كانت ضلالات ، ولكننا نرى الكذب في صراعات أطفالنا أكثر وضوحا وبراءة ، عندما يكذب الصغير ويدعي على أخيه فعل أشياء سيئة ، فقط من أجل أن يشعرك بأنه هو أفضل من أخيه ، أو يتحول الطفل إلى (عصفورة) والديه ليكسب ودهم ومحبتهم ، والكذب هو أبسط وأخطر خطايا الإنسان على الأرض ، لأن الكذب يأكل فطرة الأخلاق في النفس ، فقديما كان الرجل يستحي أن يفضح كذبه ، ولكننا اليوم نجد زعماء وملوك وقادة لا يستحون وهم يكذبون ، بل منهم من يتباهى أنه كذب وخدع واستباح وقتل وسفك الدماء .

وليس أكبر دليلا على استفحال الكذب في العالم ، مما يستخمه الغرب من شعارات وهمية ، من أجل اختراق وتدمير الدول والأمم وسرقة ثرواتها ، مثل شعارات الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية ، وهي شعارات هم أبعد ما يكون عنها ، ولا تطبق في بلادهم مطلقا ، لدرجة أن دول الغرب وأمريكا لا يصل للمناصب الكبرى والمتحكمة في بلادهم سوى أبناء الأسر الثلاثة عشر اليهودية الأصل ، ويسيطرون على 85% من الأموال والاقتصاد والإعلام في العالم ، وباقي البشر ليسوا سوى عبيد جهلة ومستخدمون ، ومخدوعون بحرية تدمير أنفسهم ، وبل وتدير هذه الأسر العالم بحكومة خفية تحرك كل شيء ، وتفجر الحروب والصراعات ، وبلغ بهم الإجرام أنهم خططوا للقضاء على 85% من البشر خلال سنوات ، بمؤامرة متكاملة يسمونها المليار الذهبي ، ويرون أن باقي البشر لا يستحقون الحياة ، خاصة المسلمين والمسيحيين الأرثوذكس والجنس الأصفر والأسود ، ولا يستحون أن يعلنوا ذلك في مناسبات عدة ، أو على ألسنة كثير من رجالهم ونساءهم ، ولذلك سوف تجد بريطانيا وأمريكا وألمانيا يتزعمون إدارة المؤمرات على الدول في العالم ، وكان أول ما فعلته روسيا والصين في السنوات القليلة الماضية أنهما طردا عائلة روتشيلد من روسيا والصين نهائيا ، لاكتشافهم حقيقة مؤامراتهم على العالم .

وليس هذا ببعيد عن خطايا وعهر نفوس عامة البشر ، فالمجرمون ليسوا سوى إفراز طبيعي لنفوس مريضة أو مختلة ، ويكفي أن ترى مجتمع تفشى فيه الرشوة تحت مسميات (مشي حالك) ، والمصلحة ، وو (كله بيعمل كده) ، فضلا عن الواسطة واستحلال خطف الفرص ، وأبسط من ذلك أن ترى نساءنا وهن من يربين الأجيال ، يتعمدن ارتداء ما يبرز مفاتن أجسادهن ، وهن يعلمن أن هذا يثير الرجال ، ويجذب لجسدها المعجبين والمختلين نفسيا ، وبالتالي فهن لا يمانعن أن تخرج بناتهن شبه عرايا ، ولا يمانعن لو صاحبت بناتهم الشباب ، وعاشت قصص الحب والغرام قبل الزواج بحجج انتقاء الزوج ، متجاهلين حدود الخالق ومكارم الأخلاق تحت مسميات التطور والتحضر والحرية والرقي ، حتى برغم تفشي الجرائم الاجتماعية وانفجار نسب الطلاق والفشل الأسري وتشريد الأطفال ، ويساعدهن بالطبع رجال تربوا على أيدي نساء مختلات نفسيا ، فتزداد أعداد القوانين واللوائح والقضايا والجرائم الاجتماعية بل والجنائية ، فقط من أجل علاج نتائج فساد التمسك بعهر النفوس .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
