تأملات وخواطر إنسانية (4) … بقلم جمال عمر

توقفنا سابقا عند تبيان حقيقة الموت التي تخالف كل ظنون ومعتقدات وضلالات البشر ، والتي تحولت لأساطير دينية مقدسة سيطرت على العقول والنفوس لقرون طويلة ، واستعرضنا في كتاب الله آيات تؤكد أن الموت لانتهاء الأجل يتم من خلال عمليتان كبيرتان ، العملية الأولى .. هي استرداد الله للروح من الجسد ، فالروح هي سر الله لإحياء أي جسد (إنسان – حيوان – نبات – حشرات) ، ولا علاقة للروح بنوعية الكائن ، ولكنها تحيي الجسد فقط خلال أجل محدد ، ولذلك فالروح تدخل وتخرج فقط بأمر الله تعالى ، ولا تحتاج لملائكة أو رسل لتخرجها أو تمسها .. (فهي سر .. من أمر الله .. وبأمر الله وحده) وهو ما نبهنا له سبحانه بقوله تعالى .. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، فالروح ينفخها سبحانه في الجماد فيحيا .. {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }السجدة9 ، وكذلك يستردها سبحانه وتعالى آنى شاء دون أن يمسها مخلوق ، تلك الروح تدخل جسدك الذي تسكنه وهو حيوان منوي في جسد رجل حي ، كما تدخل في بويضة أنثى حية ، فلا نشعر بدخولها في البداية ، لأن النفس لا وجود لها ولا تدخل الجسد إلا بعد اكتمال الجسد ، وذلك بنهاية الشهر الرابع للحمل ، ولكن عند خروج الروح فقد شاء الله أن تذوق النفس الموجودة لحظة الخروج آلام نزع الروح من الجسد ، وهو ما نعرفه بسكرات الموت .. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 .

أما العملية الثانية عند الموت .. فهي التي تحدث للنفس عند الموت ، فهي الأساس لنا ، وهي التي نعرفها ونراها ، ولكننا نخلطها بالأساطير والظنون .. وهي عملية خروج النفس من الجسد لموته ، وهي التي أشار الله لها بقوله تعالى ..{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، والتي يحدث فيها توفي الله للنفس بواسطة ملك الموت .. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11 ، ومن أهم ما يحدث للنفس عند لحظة الوفاة هو كشف غطاءها ، فترى بوضوح ما لم تكن تراه من قبل وهو ما أوضحه سبحانه بقوله تعالى .. { لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22، ونتيجة لكشف الغطاء ترى النفس الشياطين والملائكة ونفوس مستقبليها .

ولا يستقبل ملك الموت النفس البشرية عند خروجها بمفرده ، ولكن .. يستقبلها معه رسل من الله  ..{ .. حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ }الأنعام61 ، ورسل الله هنا يمكن النقاش حول أنواعهم ، فبداية هم كما سماهم سبحانه “رسلنا” ، فهم مرسلون من الله لاستقبال النفس التي انتهى أجلها ، فلابد أن يكون بينهم ملائكة موكلين بمساعدة النفس على الخروج بسلام ، ثم اصطحابها لتبدأ (رحلتها) نشأتها التالية ، فالنفوس لا تبقى سجينة أو مخزنة حتى يوم القيامة ، ولا تدخل القبر مع الجسد ، ولا علاقة لها بالجسد بعد عودته للتراب ، ولكن النفس قد كانت موجودة من قبل دخول الدنيا في هذا الجسد ، وتظل موجودة ولها تواجد وحركة بعد مغادرتها للجسد سواءا للموت أو للنوم ، فكلاهما واحد ، ولكن الفارق بين النوم والموت هو أنها عند الموت لا تستطيع النفس العودة للجسد مرة أخرى لموته وتحلله ، والموت حدث مشهود ولابد أن تستقبل رسل الله النفس الراحلة عن جسدها بلا عودة .

وكذلك يمكن أن يكون من بين المستقبلين للنفس عند لحظة تذوقها الموت ومغادرتها للجسد ، نفوس بعضا ممن سبقوه من أهله وأصدقائه ، أو حتى من بعض نفوس أحبائه الأحياء ولكنهم نائمين ساعتها ، أو حتى مستيقظين من أصحاب النفوس النشطة والحساسة ، فالنفوس النشطة والحساسة ترى وتتعامل مع نفوس البعض بسهولة عند الضرورة ، ولدينا أمثلة تاريخية أشهرها حادثة نداء عمر بن الخطاب لقائد جيوشه في فارس (الجبل الجبل يا سارية) وبينهما آلاف الأميال ، فسمعه سارية وأنقذ جيشه باللجوء للجبل ، وكذلك ما شاهدناه من واقع تجارب الموت السابقة التي نعرفها عبر قرون حياة البشر ، فتسمع من يحتضر ينادي على بعضا ممن سبقوه بالموت من الأعزاء على قلبه ، ويختلف نوعية المستقلبين وأفعالهم وتأثيرهم على النفس المحتضرة تبعا لقدور إيمان وعمل تلك النفس في حياتها مع الله ، فالكفرة والمدعين على الله كذبا ، لا تساعدهم الملائكة في عملية خروجهم من الجسد ، وهو قوله تعالى .. { .. وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ }الأنعام93 ، وأما النفس المؤمنة الطيبة المرضي عنها من الله ، تخرج فرحة مطمئنة وتساعدها الملائكة ، وتخرج في زخم استقبال من نفوس أحبابها ممن سبقوها بالموت ، ومصرح لهم بحضور حفلة خروج تلك النفس من جسدها للمرة الأخيرة .

ولذلك .. يمكن لك أنت كنفس .. أن ترى في منامك رؤية لحفل استقبال خروج نفس لشخص تعرفه ، وتنسى الرؤية ثم تكتشف بعدما تستيقظ أنه قد توفاه الله في تلك الليلة ، ومثل تلك الرؤى من المرجح أن لا تتذكرها بتفاصيلها واضحة ولكنك ستظل تشعر أنك كنت تعرف أنه قد مات من قبل أن يصلك الخبر ، بل أحيانا قد ترى رؤية لشخص يطلب منك أن تذهب لرؤيته للضرورة ثم تكتشف بعد فترة أنه قد توفاه الله ، وأن رؤيتك له كانت آخر ما بينك وبينه ، فحركات النفوس خارج الجسد أكبر من حركتها المقيدة بحدود الجسد ، وأكثر عجبا وإثارة ، ولكن لو استطعنا فهمها حقيقتها جيدا ، والتمييز ما بين ما هو ماض قد حدث أو مستقبل منتظر حدوثه ، وبين ما تراه دقيقا صادقا وواضحا ، وبين ما تراه من وراء حجاب فيحتاج لتأويل وتفسير ، أو بين أحلام هي مجرد أضغاث أحلام وتنفيس عن مكبوتات نفس تعاني في واقعها مما تشتهيه أو يؤلمها ، فعالم النفس عالم مختلف ومتشعب وأكبر من حدود قدرات عقل الإنسان ، وأكبر من كل علوم النفس التي ألفها البشر بخيالاتهم وظنونهم وتجاربهم على المرضى ، ولذلك خصص الله للنفس في كتابه أكثر من (400) آية مختلفة .

وعند استرداد الله للروح (سر الإحياء للجماد) ، يبدأ الجسد في العودة لأصله كتراب بالتحلل تدريجيا ، وهو ما يعني حرفيا عدم قدرة النفس على دخول هذا الجسد مرة أخرى ، وانتهاء علاقة النفس بهذا الجسد إلى الأبد ، وبالتالي انعدام قدرة النفس (أصل الإنسان) على التعامل مع الأحياء في الدنيا ، فلا عودة لنفس مطلقا إلى جسد غادرته مرة أخرى .. ، وهو قوله تعالى .. { حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } المؤمنون 99، 100 ، وتشكل مفاجأة النفس بعدم قدرتها على دخول الجسد صدمة كبيرة للنفس ، فهي لم تتعرض لها من قبل ، فترفض النفس مغادرة مكان الجسد مؤقتا ، وتسمح الملائكة المرافقة للنفس بحضور وداع الجسد لمثواه الأخير في القبر ، فتحضر النفس جميع مراسم الجنازة والدفن ، وتسمع وترى كل ما يحدث حول الجسد الذي كانت تستخدمه لعمر طويل ، ولذلك ينصحنا رسول الله بتلقين نفس المتوفي والدعاء له ، لأنه مقبل على السؤال ، والسؤال هنا ليس حسابا بل تجهيز لما بعد الوفاة ومغادرة هذا الجسد ، وتسجيل لإجاباته عن آخر أسئلة اختباره ، كإعلان لانتهاء اختباره هذه المرة ، فماذا سيسألونه ومن سيسأله ؟؟ .

تتوفى الملائكة النفس التي انتهى اختبارها (المتوفاة) ، ولم يشأ الله أن يخبرنا إلى أين يذهبون بها ، ولكن من الواضح أنه مكان ليس ببعيد ، وربما كان مكانا في السماء الدنيا ، وقريبا من الإمام المبين” حيث تسجل كل أعمال المستخلفين على الأرض .. {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ }يس12 ، ولكن الله ورسوله أخبرونا أن الملائكة سوف تسأل النفس نوعين من الأسئلة ، النوع الأول هي أسئلة أساسية ، عن الله إيمانه ودينه ورسوله ومدى تصديقه ومعتقداته ويقينه ، ولا عقاب على صحة أخطأ إجاباته ، لأنها فقط إجابات تحدد كثيرا من طبيعة نشأته (اختباراته) التالية ، والنوع الثاني من الأسئلة يكون عن ديونه الواجبة الرد ، والتي تركها خلفه بسيئات في حق بشر ، والتي لابد من ردها قبل الدخول في الاختبار (النشأة) التالية ، ولكل إجابة منه تقديرها وحساباتها ، وتسجل في كتابه (كتاب تسجيل أعماله) ، وتلك الأسئلة هي التمهيد لإعادة دخول النفس للحياة مرة أخرى في الاختبار الجديد (التالي) ، وذلك بجسد مختلف ومعطيات مختلفة تبعا لممستويات نجاحه في اختباره الذي انتهى منه بالوفاة ، ولذلك كلما كانت (النفس) صادقة مؤمنة كان اختبارها القادم أفضل حالا مما انتهى منه ، وهل معنى ذلك أن النفس تعود للحياة مرة أخرى ؟؟

نعم تعود .. وهو ما شرحه سبحانه وتعالى عما يحدث للنفس بمجرد خروجها من الجسد الميت ، وذلك في سورة الواقعة بقوله تعالى .. { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ، عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ } الواقعة(60-62) ، فالموت قضاء من الله لا رد له ، وله توقيت محدد بدقة .. { .. فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }الأعراف34 ، وهو قدر الله الذي لا يسبقه أحد ، ولعلم الله أن أكثر من يهم ابن آدم عند الموت هو مغادرته لأهله ، فيقول سبحانه وتعالى لك وأنت تموت ، لا تقلق سوف نستبدلك ونأتي مكانك بأمثالك (عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ) ، وكما يعلم الله أن أهم ما يشغل النفس هو مصيرها وإلى أين تذهب ، فيرد الله على بقوله تعالى .. (وننشئكم فيما لا تعلمون) ، بمعنى سوف ندخلكم نشأة جديدة أخرى ، والتي  يؤكدها سبحانه في سورة النجم بقوله تعالى .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، ولكن (فيما لا تعلمون) ، أي لا تعلمون عنها شيئا حتى لو وصلتم إليها ، لأنكم عندما تصلون للنشأة الجديدة ، فسوف تدخلون جسدا جديدا لتعتادوا استخدامه خمسة أشهر كاملة في رحم جديد ، ثم تولدون من جديد ، وذلك كفيل بأن ينسيكم تماما كل ما مضى قبلها ، وذلك قمة العدل في حياد محاسبة النفس ، ومنحها فرصتها في حرية الاختيار والإرادة في اختبارها الجديد .

وهل معنى ذلك أن الله سيعيد الخلق مرات ومرات ؟؟ ، نعم وهو ما كرر سبحانه وتعالى ذكره في كتابه العزيز ستة مرات ، فقال بداية في قرار إلهي .. {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }الروم11 ، وقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }الروم27 ، ثم استنكر عدم تصديقنا لذلك ولامنا عليه بقوله تعالى .. {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }العنكبوت19 ، وقوله تعالى .. {أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }النمل64 ، وقوله تعالى .. {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }يونس34 ، ثم أوضح سبحانه السبب الحقيقي والوحيد لإعادة الخلق في قوله تعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، بل ووصف إعادة الخلق بـ (الوعد الحق) ، فالسبب الوحيد لإعادة الخلق (النشأة) للبشر ، وهو تدقيق وتحري العدل (القسط) في حساب كل نفس ، حتى لا يكون لأي نفس على الله حجة عند حسابها ، خاصة وأن النفس البشرية محترفة للجدل حول نفسها ، وهو ما أوضحه سبحانه وتعالى بقوله .. {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }النحل111 .

فالنفس البشرية مكتوب عليها أن تمر بمختلف صور الاختبارات حتى يوم القيامة ، وفي كل مرة تعود للحياة في نشأة مختلفة ، تكون معطياتها متناسبة مع مستواها الذي حققته من قبل ، وعند الوفاة وخروج النفس من الجسد ، تعتمد النشأة التالية على مدى نجاحها في النشأة التي انتهت منها ، ولذلك فعند الموت يكون أمام النفس تبعا لتقييمها ثلاثة خيارات ، الخيار الأول أن تكون النفس فاجرة كافرة جاحدة ، فهي لا تعود للدنيا مرة أخرى ، لأنها أنهت اختباراتها بالكفر والجحود ، وتلك نفس ترقد حتى يوم القيامة ، ولا تبعث إلا بقيام الساعة فيفزعهم البعث فيقولون .. {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }يس52 ، وأما الخيار الثاني فهو للغالبية العظمى من النفوس ، والتي سوف يستمر اختبارها حتى يوم القيامة ، وهؤلاء يعودون للدنيا على أحد حالتين ، الحالة الأولى إذا كانت النفس عليها ديون واجبة الآداء فتعود لتردها قبل استكمال اختباراتها مثل قتل النفس ، ولذلك لا تعجب عندما يقتل طفل أو شاب بدون ذنب ، فهي ديون سابقة ترد ، وشروط العودة لتسديد الديون أن تكون النفس صادقة ومعترفة بديونها ، وهو قوله تعالى .. {فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} ، والحالة الثانية وهي الحالة العامة والتي لابد من عودة النفس لو كانت ليس عليها ديون واجبة الرد ، أو بعد انتهاء تسديدها للديون الواجبة كالقتل ، فتعود النفس لتستكمل اختباراتها فيما لم تختبر فيه من قبل ، وبالتالي تكون بمعطيات مختلفة (جسد مختلف وبيئة ودين ولغة وأحوال مختلفة) .

أما الخيار الثالث للنفس فهو التميز والامتياز ، عندما تكون النفس من (السابقون) ، وهم فئات محددة (النبيون – الصديقون – الشهداء) ، وهم قلة من النفوس .. { ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ، وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ} الواقعة 13 ، 14 ، وهم من يقول فيهم سبحانه .. {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} الواقعة10 ، 11 ، وهؤلا من يضحون بأنفسهم في سبيل الله ، فيستحقون خير الجزاء في الآخرة ، وقبلها .. يستحقون متاع الحياة الدنيا حتى يوم القيامة ، ولذلك يقول سبحانه عن الشهداء .. {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }البقرة154 ثم قوله تعالى .. {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169 ، ولكن كيف يكونون أحياء ولا نراهم ، والجواب لأنهم لا يعودون لنفس الجسد والمعطيات التي غادرها بالوفاة مرة أخرى ولكن يمنحهم الله حياة أفضل ، فقوله تعالى .. (أحياء عند ربهم) معناها (ليس عندكم ترونهم وتعرفونهم) ، ولكن يخبئهم الله بين عباده في الدنيا ، ومن مكافئتهم أن يجعل الله لهم حق اختيار الجسد الذي يستخدمونه حتى يوم القيامة ، بأن يمنحهم الله .. (روح) .. يستطيعون وضعها في أي جسد يريدونه ليحيون به ، ويرزقون حتى يوم القيامة ، وهو قوله تعالى .. { فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ } الواقعة 88، 89 ، ولذلك فكل الصديقين والشهداء (المقربين) هم أحياء في الدنيا إلى يوم القيامة ، ولكن ليس بأجسادهم التي يعرفها الناس ، ولكن في أجساد ومعطيات يختارونها بأنفسهم ، ولا يعرفهم فيها أحد (عند ربهم يرزقون) ، ولا ينبغي لنا أن نعرفهم .

أخيرا .. إذا كنا مستمرون في العودة للحياة مرات ومرات إلى يوم القيامة ، فهل لذلك أثره على النفوس ، ولماذا نحن ممنوعون من الشماتة والسخرية من كل صاحب ذنب أو عاهة أو مواصفات سيئة أو حتى كافر أو مشرك ، وهل هناك تمييز بين من يولد مسلما ومن يولد كافرا أو بمختلف المعطيات الأخرى ، وهل هناك أدلة على رضا الله وسخطه على عباده ؟ ، ولماذا نصر على أساطير مخالفة لكتاب الله ونعتبرها مقدسات دينية ، وأسئلة كثيرة أجاب الله عنها في كتابه العزيز بآيات محكمات ، وسوف نستعرضها لاحقا ، وصدق الله في قوله تعالى … قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *