تأملات .. وخواطر إنسانية (5) … بقلم ” جمال عمر

توقفنا سابقا عند حقيقة أن معظم البشر (النفوس) مستمرون في العودة للحياة حتى يوم القيامة (يبدأ الخلق ثم يعيده) ، فالإنسان نفس تدخل الدنيا في جسد حي تستأجره لأجل محدد ، ثم تتركه مرغمة لانتهاء أجل النفس مع هذا الجسد ، لتنتقل لجسد آخر وحياة أخرى مختلفة في (اختبار جديد) ، وفي كل مرة تعود النفس للحياة ، تكون عودتها مختلفة في جميع المعطيات عما سبقتها من مرات (النوع – الجسد – الظروف المحيطة – المعطيات)  ، وذلك في إطار تدقيق العدل في حساب البشر (ليجزي .. بالقسط) ، بإعطاء فرصا متساوية لجميع النفوس ، وذلك بالمرور بمختلف ألوان الاختبارات بمعطياتها  المختلفة في الدنيا ، فلا يكن لبشر حجة على الله ، أو يستطيع أن يدعي بأن غيره كان أفضل منه حظا في معطيات حياته ، وتدخل النفس الحياة في كل مرة بنشأة جديدة .. (وأن عليه النشأة الأخرى) ، وقد شاء الله أن لا  يعلم بشر شيئا عن نشأته التالية (وينشئكم فيما لا تعلمون) ،وذلك لتحقيق العدل والفرص المتكافئة ، وعلمنا أنه من أجل ذلك حذرنا الله ورسوله من احتقار معطيات أي مخلوق أو بشر أو الشماتة أو السخرية من ظروفه أو معطياته أو حتى خطاياه وذنوبه ، لأن ذلك سوف يحمل فاعله ديونا لابد من ردها ، بسقوطه المحتوم فيما أعلن تكبره عليه ، فتذوق ما استحقرته أو سخرت منه وأعلنت كبرها وترفعها عنه .

ولأننا ببساطة مجبرون على رد الديون ، فلذلك أوصانا الله ورسوله .. بعدم السخرية ولا لعن أو التكبر على صاحب ذنب أو عاهة أو كفر أو شرك ، لأنها معطيات من الله لخلقه في الدنيا ، وهي محل اختبارات الله لهم .. لا أكثر ، ولأن كل منا حسابات اختباراته تكون بينه وبين ربه ، وبالتالي فتدخل أي إنسان أو سخريته من خطايا أو أحوال غيره ، يعد تألها على الله ، وتدخلا ومحاولة لمشاركة الله في أمره في خلقه ، وهو ما يستحق أشد العقاب ، فيعاقب الله المتنطع الجاهل بإصابته بكل ما سخر منه أو احتقره أو تكبر عليه ، وذلك عقابا عادلا له من الله ، لأن من تسخر منه ربما ينجح في اختباره ، أو يغفر الله له ويتوب عليه ، فيكون أفضل منك عند الله ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }الحجرات11 ، وخلاصة الأمر أن النفس سوف تأتي الدنيا مرارا ليتم اختبارها في مختلف أنواع الاختبارات ، باختلاف المعطيات والظروف .. نفسيا وجسديا ، ذكرا أو أنثى ، ومؤمنا أو كافرا ، ومشركا أو فاسقا ، وغنيا أو فقيرا ، وحقيرا أو شريفا ، وقويا أو ضعيفا ، ولذلك يذكرنا سبحانه دوما أن معطيات الدنيا كالدرجات والمناصب والأموال والأولاد والعرق والدين والبيئة .. ليست للاستحقاق ، ولكنها معطيات للاختبار .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، ولا ننسى أن أشد النفوس اختبارا هي نفوس الأنبياء والرسل ، ثم الأمثل فالأمثل ، كما يقول خاتم المرسلين .

وعجبا .. لم ننتبه للفظ (النشأة) التي كررها سبحانه كثيرا في عملية خلق الإنسان ، فالنشأة بفعل عملية (الإنشاء) وهو أحد أفعال الإبداع الإلهية والتي لم يمنحها الله لمخلوق مطلقا ، فالإنشاء .. هو عملية إدخال شيء موجود في شيء آخر ، فيكون الناتج مخلوقا مختلفا وبمواصفات مختلفة ولكنها تحمل ملامحا من مواصفات الشيئين ، ولكن أكثر إبداعا ، وتتم عملية الإنشاء للنفس في الجسد الجديد وهو ما زال (جنينا) قبل ولادته ، وذلك بواسطة ملائكة موكلين بعملية الإنشاء للنفس ، لأن الإنشاء ليس إدخالا للنفس فقط ، بل هي عملية جليلة ومبدعة ، وتشعر بها كثير من الأمهات كأنها أحلام أو رؤى ، ويمكن فهمها بأنها عملية “تعارف وتكويد وتسكين” يتم فيها تعارف النفس على الجسد الجديد ، وكذا إسلوب التحكم فيه واستخدامه ، والتكويد .. لضبط ترددات المجال المغناطيسي للنفس مع ترددات المجال المغناطيسي للجسد ، والمجمعة في مركز قيادته في قاع المخ (الجسم الصنوبري) ، وهو أيضا تكويد لاسلكي دقيق ، وبالتالي لا تخطيء النفس مطلقا ، ولا تدخل جسدا آخر عند عودتها اليومية للاستيقاظ من النوم أو حتى الإغماء والغيبوبة ، ثم التسكين للنفس .. في الجسد الجديد ، لينتج عنها شعور النفس المتزايد بالألفة مع الجسد ، لدرجة الشعور بأنها والجسد شيء واحد ، فعملية النشأة هي عملية خلق دقيقة ومعجزة ، وهي ليست قاصرة على الإنسان فقط ، ولكن يضرب سبحانه الأمثال العديدة على استخدامه سبحانه لعملية الإنشاء في بعض خلقه ، مثل إنشاء الجنات المعروشات .. {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ .. }الأنعام141، وكذلك إنشاء السمع والبصر والفؤاد للإنسان .. {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }المؤمنون78 ، وكذلك في إنشاء القرون المتعاقبة من المستخلفين على الأرض .. {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ }المؤمنون42 ، وكذلك في إنشاء الحور العين .. {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء }الواقعة35 ، وأخيرا .. في إنشاء النار وما يخلق منها .. {أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ }الواقعة72 .

ومن ناموس الخالق (قوانينه) في عملية إنشاء النفس البشرية في جسد جديد ، أن النفس لا تتذكر ماضيها في حيواتها التي سبقت ، ما دامت موجودة في نشأة في (جسد حي) تختبر فيه ، فذلك هو عدل الله لكل نفس في الاختبارات ، حتى لا تكون النفس تحت ضغوط خوفها أو انفعالاتها بماضيها في الاختبارات السابقة ، فتكون حرة ولديها كل الفرص والحرية في اتخاذ قراراتها التي سوف تحاسب عليها ، ولذلك منح الله النفس القدرة على النسيان ، لدرجة أن النفس تنسى تماما أحداثا وأشخاصا مرت بهم في حياتها الحالية ، وبالتالي فمن باب أولى أن تنسى تماما كل شيء عن حيواتها السابقة ، وذلك بمجرد صدمتها بدخولها لجسد جنين جديد ، فتنشغل النفس بتطور ونمو الجسد وقدراته ومشاكله وأحواله فضلا عن انشغال النفس بالأحوال والبيئة والبشر من حولها .

وعرفنا أيضا أنه من قوانين ناموس الخالق في خلقه للنفس ، أن النفس لا تستقر في الجسد مطلقا ، فهي منذ لحظة إنشاءها في هذا الجسد ، والجسد لا يتحمل وجودها سوى لساعات محدودة ، ولابد للنفس أن تغادر الجسد حتى يعيد الجسد صيانة نفسه وأجهزته ، ويصلح ما أفسده استخدام النفس فيه ، خاصة لو كان الجسد في طور النمو للأطفال ، أو جسدا مريضا حيث يحتاج لغياب أطول للنفس (نوم أطول) ، فالجسد (خلق معجز) من الله سخره الله للنفس ، لتستخدمه وتحيا بها على الأرض ، وعند النوم تغادر النفس الجسد ، وتسبح في ملك الله كيفما سمح الله لها ، فسبحانه يتوفاها أي يستضيفها ويتركها حرة في ملكه ، ولكن في حدود قدراتها وقدرها ومقدورها ، فنفوس الصالحين لا تستدرجها الشياطين ولا توقعها في شرور تراها أو تمسها ، بخلاف نفوس العامة التي تنطلق أحيانا بدون حماية ، فتعاني من سوء من تراه وتعانيه ، لدرجة أن يصبح النوم لها عذابا وانعدام راحة ، فتعود النفس وهي مفعمة بالإحباط والخوف واليأس ، وهو ما نراه كثيرا في أناس من المفروض أنهم يتمتعون بصحة جيدة ، ولكنهم تطاردهم الكوابيس ، فيعودون وهم محبطون مكتئبون فاشلون في الإحساس بروعة الحياة من حولهم ، لأن نفوسهم تغادر الجسد (بلا حماية) ، وتترك أجسادهم أيضا (بلا حماية) .

ولا شك أن عهد الله قائم وأمره نافذ ، فالملائكة وهم أفضل خلق الله ، مكلفون بحماية ابن آدم ما دام لم يتخلى عن هذه الحماية ، ولم يطرد ملائكة حمايته بأفعال تشمئز منها الملائكة ، مثل الشذوذ والقتل والحقد والتآمر على الناس والتلذذ بإيذاء غيره من البشر متعمدا ، أو اعتياد النوم نجسا غير طاهر ، وهو ما ينفر الملائكة فيفرون منه ، وهناك فارق كبير ما بين أن يكون لك الحد الأدنى من الحماية ، بموجب ميثاق الله لملائكته بحفظ البشر ، وبين أن تمنح نفسك وجسدا حماية قوية (بقراءة القرآن العظيم) ، أو (بعض آيات الإنجيل أو التوراة) ، والتي تضفي عليك كثيرا من النور الطهر والنقاء ، والذي يجلب لك مزيدا من ملائكة الرحمن ، ليحفظوك ويستغفرون لك ويدعون لك ويعينونك على ما تريده وما تتمناه بإذن الله ، ولا تقل لي أن هناك فرق بين كتاب وآخر ، أو أن هذا محرف أو مزور ، لأنني سوف أذكرك بقوله تعالى (أجيب دعوة الداع إذا دعان) ، فسبحانه لم يشترط الإيمان ، ليجيب دعاء من يدعوه ، فكلهم عباده وهو خالقهم وراعيهم ، ولذلك يقبل الله من عباده ما أخلصوا النية فيه له وحده ، فالنية هي محل التقدير والحساب من الله ، ولنا في ذلك حديث طويل ، خاصة وأن من ولد اليوم مسيحيا أو ملحدا أو هندوسيا أو مسلما لم يكن له اختيار في ذلك ، وهي أدوار اختبار متعاقبة وملزمة ، وسوف يولد في المرة القادمة ربما يهوديا أو بوذيا ، فكلها معطيات اختبار لابد وأن يمر بها ، شاء من شاء وآبى من آبى .

ولا شك .. أن النفوس تدخل الدنيا وهي كاملة وواعية من حيث قدرات الفهم والاستيعاب لحركات النفوس حولها ، وكذلك القيم المطلقة في الدنيا كالألم والمتعة والحب والكره والسعادة والحزن والرضا والتمرد والبسمة والبكاء ، فتجد الطفل يرفض اقتراب أشخاص بعينهم منه ويصرخ منهم ، ربما لنفور النفوس من بعضها ، وربما لأن نفوس الأطفال ترى حقيقة نفوس البشر حولها بوضوح ، فترى مثلا هذا شخص كاره أو تحركه شياطينه ، أو شرير النفس ، بينما تجد الطفل يسعد ويبتسم وينام بين أيدي أناس غرباء تماما عنه ، ولكنه يرى الخير والراحة والحنان واضحا في نفوسهم ، لأن نفس الطفل ما زالت واعية ، وأكثر تركيزا ووعيا ، وذلك لعدم انشغالها بجسدها ومطالبه وشهواته التي ما زالت محدودة ، ومشكلة النفس الوحيدة هي ضعف قدرات الجسد الذي ما زال في طور النمو ، فلا تستطيع التعبير أو التعامل بجسدها (المخ – اللسان – العضلات – بعض الحواس) ، ولكنها تعي تماما حركات النفوس حولها ، فربما يشب الطفل كارها لأحد والديه ، لأنه اعتاد أن يراه وهو يعذب الآخر أو يخونه أو يذله ، فنفس الطفل تعقل جيدا بل وأفضل من البالغين ، لأن الجنين تكون أجهزته ما زالت ناشئة في أطوار النمو ، وعلى مقدمتها بالطبع مخزن معلوماته وآلة عرض البدائل (المخ) في غرفة القيادة (رأسه) ، ولكن على عكس “عقله” الذي يعي به ، والذي مقره في القلب (لهم قلوب لا يعقلون بها) ، وهو ما ثبت منذ شهور ، بأن القلب يحتوي على 400 ألف خلية عصبية عاقلة ، توجه وتتحكم في قرارات المخ ، ولذلك تجد الطفل مستوعبا تماما لكل الحركات النفسية من حوله ، فهو بداية يضحك ويبكي ويفهم حنان أمه وغضبها وحزنها وكذلك المحيطين به ، ولكن أدوت تعبيره ما زالت لم تكتمل في طور النمو ، لأن العقل هو نتاج استخدام النفس للخلايا العاقلة في القلب ، والتعبير عن ذلك يتم باستخدام مكونات الجسد ، والخلاصة أنه يفهم أفضل من البالغين ، ولكنه لا يستطيع أن يعبر عن كل ما يفهمه لضعف الأدوات (مكونات الجسد) .

ولا شك أن الذاكرة هي نفسية بالمقام الأول ، وتنقلها النفس كصور وكلمات إلى المخ ، باستخدام وصلتها اللاسلكية مع المخ ، سواء كانت في حالة تواجد داخل الجسد ، أو حتى خارج الجسد للنوم ، ولكنها كثيرا ما تفشل في نقل ما تراه وتسمعه للمخ ، فتستيقظ وأنت قد نسيت تماما ما رأيته ، سواء كان هذا لعدم وجود ما يشابه ما رأيت لتقيس عليه وتسجله في خلايا الذاكرة ، أو لرفض النفس أن تسجله أو تتذكره ، ولذلك لا تصدق أن مريض ألزهايمر لا يفهم أو أنه غير مدرك ، لأن مشكلته الوحيدة هو تلف أدوات السيطرة والتحكم بين “عقله النفسي” والمخ ، أو بين المخ وبين بعض أدوات التعبير والتعامل ، فالتلف قد أصاب خلايا عصبية ، فنتج عنه ضعف سيطرته على أدواته ،  وقد لا تستوعب خلايا المخ ، ولذلك فعند دخول النفس لجسد جديد ، سيكون من المستحيل أن تستطيع تسجيل أية ذكريات على خلايا المخ الغير مكتملة ، وإذا كانت النفس تفشل في تسجيل رحلاتها اليومية (عند النوم) ، وتنسى غالبية ما تراه في منامها ، فكيف تستطيع تتذكر حياتها السابقة في جسد مختلف ، في زخم معاناتها الجديدة مع معطيات الحياة ، ولكن يحدث ذلك كومضات عندما يرى الإنسان مكانا أو شخصا من حياته السابقة ، فيشعر أنه يعرفه وهناك بينهما قواسم مشتركة ولكنه لا يتذكر منها شيئا ، ..

ولا عجب أيضا أن يضرب الله الأمثال للناس ليثبت لهم الحقائق حول نفوسهم ، لعلهم يوقنون ، وهو ما يؤكده سبحانه بقوله تعالى .. {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }النمل93 ، فترى مثلا .. طفلا يؤكد أنه كان فلانا ويعيش في مكان آخر ، ويثبت ذلك بمعرفته لأدق أسرار ذلك الشخص الذي توفى قبل مولد هذا الطفل ، وما أكثر القصص المذهلة والعجيبة في هذا المجال ، والتي كان أشهرها قصة دوروثي لويز إيدي ( Dorothy Louise Eady) ، والمعروفة أيضًا باسم أم سيتي” والتي ولدت في عام 1904م ، وتوفت في مصر في عام 1981م   ، والتي جاءت لمصر مدفوعة بذكرياتها من حياة سابقة ، كانت فيها كاهنة في معبد سيتي الأول (أبيدوس) ، واحترفت العمل في الآثار المصرية ، وكشفت بذكرياتها كثيرا من أسرار المعبد والآثار من حوله ، وليس هذا جديدا أو عجيبا ، ولكن العودة للحياة أو (النشأة الأخرى) كانت معروفة منذ بدء الخليقة ولكن بمسميات مختلفة وفي غالبية الديانات القديمة مثل {الهندوسية – السيخية – الجانيّة – البوذية – الطاوية – الفلسفة اليونانية – ديانات سكان أمريكا الأصليين – المايا –  الانكا – فرقة كافار أو الاطهار المسيحية – الموحدين الدروز} .

نعم .. إنها الحقيقة .. أن معظمنا مستمر في العودة للحياة في نشئات مختلفة متتالية إلى يوم القيامة ، وبالتالي فلسنا نمر بالحياة لمرة واحدة كما ندعي ونؤمن ونتشدق ، فهذا ما لامنا الله عليه ونبهنا له في استنكاره لقول المكذبين للرسل من الكفرة والمشركين ذلك في قوله تعالى .. {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ، إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ، إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} {الواقعة 35 ، 38} ، ورغم ذلك فقد عدنا لأساطير الكفرة والمشركين واعتبرناها حقيقة من الدين ، ورغم أن القرآن بين أيدينا ويفصل ويفسر بعضه بعضا ، ولكننا هجرنا القرآن ومفاهيمه ، رغم أن أقلنا يسمعه ويقرأه أكثر من صحابة رسول الله ، ولكننا اعتبرناه حجابا وحماية وتعداد للحسنات على قراءة الآيات ، وهو أقل استخدام وفائدة للقرآن العظيم ، وصدق فينا قوله تعالى .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 .

وأخيرا .. عادة ما نجد بيننا من يصيبه الحزن والقنوط واليأس لو أصابه شيئا ، لأنه لا يعلم أنها رحلة للاختبار وأنها مكررة ، ولا يعلم أن نجاح اختباره في أصراره على إتقان إعمار الدنيا دون انتظار الأجر من البشر ، وتذكره دوما أن الإعمار هو العبادة ومهمة العبودية التي خلقه الله من أجلها ، وأن تميزه في الاختبار بصبره ورضاه وحسن ظنه بالله ، واستبشاره بالخير من ربه ، فالله عند ظن عبده به ،  {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ }الصافات87 ، وهدوء نفسه واستقرارها في يقينه بأن حياته ومماته ونفعه وضره بيد الله وحده سبحانه ، الذي لا إله إلا هو الحي القيوم الواحد الأحد ، والفرد الصمد ، والرحمن الرحيم ، ومالك الملك ومبدع الخلق ، وغافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب … وأخيرا لا ننسى .. {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }الطلاق3 ، { وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } يوسف21 .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

عالم النفوس .. بين الحقيقة والخيال (2) … بقلم : جمال عمر

توقفنا سابقا عند الحركة الرئيسية للنفوس عند مغادرتها للجسد للنوم ، وقلنا أن .. الغرض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *