توقفنا سابقا عند ما آلت إليه أحوال البشر على الأرض من غباء العداء والصراعات والحروب ، والتي تنذر اليوم بفناء البشر في أية لحظة ، وذلك تحديدا .. ما أقسم عليه إبليس بعزة الله ليغوين البشر ليثبت أنهم غير جديرين بمهمة الاستخلاف على الأرض .. {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82 ، ونجح إبليس في استقطاب الأغبياء والخونة للجنس البشري ، وصنع منهم جماعات سرية منذ آلاف السنين ، والتي تطورت عبر التاريخ لنعرفها اليوم باسم الماسونية والمتنورين ، والتي انتشرت في كل ربوع الأرض بجماعاتها السرية والعلنية ، ونعاني منها في المنطقة العربية تحت مسميات جماعات الإسلام السياسي كالإخوان والسلفيين والجهاديين واللبيراليين والنشطاء ، في ظل مؤامرات الفساد والانحراف والتفسخ الاجتماعي وانتشار الفساد والمثلية ، وكلها أشكالا لمخططات إفساد الإنسان على مختلف المجالات والمستويات ، والتي تدخل اليوم مراحل الدمار الأخيرة للبشرية بتنفيذ المؤامراة الكبرى ، والتي تسمى بمؤامرة المليار الذهبي ، والتي هدفها السعادة لمليار من البشر يستحقون الحياة ، وإفناء ستة مليارات أخرى من البشر ، ممن لا يستحقون الحياة (على حد مفاهيمهم) ، ولكنها في الحقيقة الأكبر هي تنفيذا لعملية إنهاء استخلاف البشر على الأرض بأيديهم ، بفعل كوارث مدمرة نتيجة لفسادهم .. تماما مثل من كان قبلهم من أمم .

والمتتبع لما يحدث منذ قرون ثلاثة على الأرض سوف يكتشف أن الماسونية بعد سيطرتها على أوروبا ودولها ، اتخذت من بريطانيا مركزا لها لإدارة العالم ، بإنشاء أول محفل ماسوني في لندن في 24 يونيو 1717م ، والذي كان من أكبر إنجازاته هو إنشاء أمريكا على جثث الهنود الحمر ، بواسطة أسوأ وأحقر مجرمي أوروبا بعد نفيهم للقارة الجديدة ، وفي أمريكا وفي عام 1934م تم طبع وتنقيح أول دستور للماسونية بشكله الحالي ، بواسطة مؤسس أمريكا وصاحب الصورة على الدولار الأمريكي وهو الماسوني الأعظم لمحفل البوهيميا الأمريكي “بنيامين فرانكلين” ، ثم نجحت الماسونية في تحطيم الامبراطوريات الأربع الكبرى (العثمانية – الروسية – الألمانية – النمساوية الهنجارية) بالحرب العالمية الأولى ، وخرجت منها أمريكا كقوة عالمية جديدة ، ثم نجحت مرة أخرى في جعل هذه الإمبراطورية الأمريكية سيدة العالم بالحرب العالمية الثانية ، واليوم تسعى جاهدة لإشعال الحرب العالمية الثالثة ، لتنفيذ المرحلة الأخيرة من السيطرة على العالم ، وذلك بتحقيق هدفين أولهما هو تدمير القوى الصينية والروسية والأوروبية ، وتصفية أكثر من 85% من شعوب الأرض ، وثانيهما .. هو إنقاذ أمريكا من الانهيار ، والتي دخلت مرحلة خطيرة تنذر بالتفكك والسقوط .

ولذلك استدرجت بريطانيا وأمريكا الدولة الروسية لمستنقع أوكرانيا ، وذلك بكسر الاتفاقيات الموقعة مع روسيا عند حل الاتحاد السوفيتي بعدم ضم دول الاتحاد لحلف الناتو ، وقام الناتو بضم 14 دولة من الاتحاد السوفيتي السابق للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو ، ونشر قواته وصواريخه قريبا من حدود روسيا ، ثم قامت أمريكا والناتو بتحويل أوكرانيا لمعقل للإرهاب العالمي ، ومرتعا لمعامل الأسلحة البيولوجية (46 مختبرا بيولوجيا) ومفاعلات نووية قذرة على حدود روسيا الجنوبية والغربية ، واليوم تمارس أمريكا عمليات ممنهجة لاستفزاز الصين لضرب تايوان بشتى الوسائل بدأتها بجولة بايدن لدول المحيط الهادي المجاورة للصين ، وتبعتها بزيارة رئيسة الكونجرس “نانسي بيلوسي” لتايوان ، وعندما لم تتهور الصين ، سارعت بريطانيا لرفع مستويات الاستفزاز ، بإعلان زيارة وفد البرلمان البريطاني لتايوان ، متزامنا مع إشعال الحرب بين كوسوفو وصربيا بزيارة وزير الخارجية “بيلنكن” ، ثم تشعل أمريكا الوضع بين الكوريتين الشمالية والجنوبية بزيارة “بيلوسي” للحدود المتوترة بينهما ، ولا تنسى أمريكا إشعال الصراع الهندي الباكستاني ، وكذلك إشعال التوتر على الحدود الهندية الصينية بزيارة للتبت ، وولا مانع من توتر الوضع في فلسطين بتعليمات أمريكية ، مع استمرار النفخ في رماد التوترات السعودية الإيرانية ، ولا تنسى إشعال الوضع في إفريقيا بزيارات “بلينكن المكوكية” ، فالماسونية تريد تسريع وتيرة إشعال الحرب العالمية الثالثة علانية ، وهو ما سوف نرى تطوراته في الأيام القادمة .

ولا شك .. أن كل ما يحدث لايمكن تفسيره إلا بأنه من تبعات الجهل البشري ، ونتيجة مباشرة لإلحاد النفوس الجاهلة والتي فجر الجهل فيها العنصرية الحمقاء ، والتي محورها .. هو ظن بعض البشر بأنهم أفضل من غيرهم ، وكفى بالإنسان جهلا أن يسقط في مستنقع العنصرية ، بتفاخره بنسبه أو وظيفته أو منصبه ، أو تعصبه لنوعه أو أنه أشقر أو أحمر أو ذكرا أو أنثى ، أو من الجنس الفلاني أو الدين العلاني ، أو يفخر بنسبه أو ذكائه أو علمه أو قوته ، أو عبقريته أو جماله ، بل وصل الغباء والحماقة للتعصب لفريق (يلعب) الكرة ، أو لمطرب أو فنان أو رمزا للشذوذ أو البلطجة ، وفي ذلك قمة الغباء لأن ابن آدم لم يكن له خيار في أي من معطيات حياته ، ولا فضل له في شيء منها ، فهي مجرد معطيات الاختبار لهذه الجولة من الحياة على الأرض ، ولم تأتيه لأنه يستحقها ولكن لرزقه الله بها ليحاسبه عليها لقوله تعالى .. { .. وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48 ، وقوله تعالى .. { .. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا .. }الطلاق7 .

وأكبر أنواع الجهل .. أن ابن آدم يجهل أو يتجاهل أن رحلته في الحياة متكررة ومعادة ، وأنه قد جاء للدنيا من قبل مرات عديدة ، وإن معظم متاعبه الحالية والسابقة كانت في فشله في النجاح فيما سبق اختباره فيه ، ولو لم يحقق النجاح هذه المرة فسوف يأتي مرات أخرى فيما بعد ، فالله يبدأ الخلق ثم يعيده .. وتلك الإعادة للخلق في الدنيا .. ذكرها الله ستة مرات في كتابه العزيز ، وأبلغنا بإيجاز عن سبب الإعادة .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، فسبب الإعادة للخلق هو (المحاسبة بالقسط) ، ومعناه تدقيق العدل في حسابه ، فلا يكون له على الله حجة ، أنه لم يختبر فيما تم اختبار غيره فيه ، وهو قمة العدل أن يتم اختبار كل نفس في مختلف الاختبارات الرئيسية في الحياة .

ولذلك ففي كل مرة يعاد فيها دخول النفس (الإنسان) للدنيا ، يدخلها الله بمعطيات مختلفة وجسد مختلف ، وبمواد اختبار لم يتم اختباره فيها من قبل ، أو باختبارات قد رسب فيها في مرات سابقة ، ومن أهم قوانين ناموس الخالق العظيم ، أن (النفس) لا تعود لجسد أو بيئة أو معطيات غادرتها مطلقا ، {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} ، فلحظة وفاتك هي إعلان انتهاء اختبارك هذه المرة في هذا الجسد وبهذه المعطيات “رفعت الأقلام وجفت الصحف” ، والبرزخ هنا كما علمنا الله هو قانون الفصل بين الأشياء ، فالجسد الذي كان يميز هذه النفس في الدنيا في هذه المرة ، يعود ترابا وغير مسموح له أن يعود للحياة مرة أخرى ، ولا يجوز للنفس أن تستخدمه مرة أخرى مطلقا ، ولكن النفس سوف تعود بمعطيات مختلفة واختبارات جديدة ، فالرجل قد يأتي في المرة القادمة في جسد أنثى .. مثلا ، وبجنسية ولغة وبيئة ودين وظروف مختلفة ، خاصة لو كان قد سخر منه في حياته السابقة ، أو احتقره ولعنه في غيره من البشر ، واقرأ قول الله تعالى فيمن يرفضون فكرة إعادة الخلق مرة أخرى .. {قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ، أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً }الإسراء50 ، 51 ، فأنت بعنصريتك أو برقي مفاهيمك وأخلاقك في حياتك الحالية ، ترسم بدقة ملامح معطيات دخولك وحياتك القادمة في الدنيا ، فصبرك وتحملك وعفوك وطيبتك سوف تحسن من مستويات اختباراتك في عودتك القادمة ، ولكنك لا تملك الحق في اختيار نوعية اختباراتك ، لأنها تخضع لقوانين ناموس الخالق في خلقه .

فالدنيا ليست مجرد حياة لمرة واحدة كما نقول وندعي تقليدا وترسيخا لزور ادعاءات آبائنا الأقدمون ، فبرغم أن الله قد سخر الله منهم ولامهم على ادعائهم بالباطل ، وأنزله قرآنا نقرأه {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، إلا أننا ما زلنا نقول ما كانوا يقولون ، ونرفض فهم وتصديق ما يقرره الخالق العظيم ، ولا نتدبره ونغلق القلوب عن فهمه .. {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }محمد24 ، وصدق قول الحق فينا أننا قد هجرنا مفاهيم القرآن .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 ، فأصبحنا نصدق ونردد فقط ما كان عليه الجهلة والكفرة بآيات الله من أبائنا الأولين ، دون أن نتدبر ونعي ونعقل ، رغم أن الله قد لامنا على عدم التعقل أكثر من سبعين مرة كقوله تعالى .. { .. أَفَلَا يَعْقِلُونَ }يس68 ، { .. أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }البقرة44 ، لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }الأعراف176 ، لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ }الأنعام65 ، وذلك لأنك لو علمت أن كل ما تفخر به اليوم هو مجرد معطيات رحلة ستنتهي ، وتبدأ بعدها رحلات أخرى إلى يوم الحساب ، وأن كل معطياتك أنت محاسب عليها ، ولا توجد معطيات تستحقها لذاتك ، ولكنها مواد اختبارك ، وأنك سترد كل ديونك ، ولابد أن تذوق كل ما أذقت غيرك منه ، وما لعنته وتتعنت به ضده ، لكنت حذرا في التعامل مع معطيات الله في خلقه ، وما اهتممت إلا بما يثري حسابك ويزكيك ، لعلك تفوز وتنجح بامتياز هذه المرة ، فتصبح من السابقين ، فلا تكونن مضطرا للعودة للدنيا مرة أخرى لتنقيح حسابك ، أو لترد ما عليك من ديون تتحملها اليوم بجهلك .

ولأننا كذبنا آيات الله وجعلناها حجابا ، نتبرك به ونحصي بها على الله الحسنات بقراءتها ، وصدقنا الأساطير وأثريناها بأهوائنا وخيالاتنا ، فصدق فينا قوله تعالى .. { .. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ }الأنعام157 ، فمثلا .. جهلنا حقيقة أننا مجرد نفوس ، {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا .. }الأعراف189 ، وعندما يشاء الله للنفس أن تدخل الدنيا ، يمنحها الله جسدا حيا (فيه روح) لتحيا به على الدنيا لزمن محدد الأجل ، ولا علاقة لنا بالروح مطلقا (فهي لإحياء الجسد فقط) ، وجهلنا أن الجسد مجرد وسيلة “مطية” لا قيمة لها سوى الاستخدام ، وكذبنا حقيقة أننا نغادر الجسد عندما يفسد بمغادره الروح له ، فيعود الجسد ترابا ، وأننا في الأصل نفوس يتوفاها الله لقوله تعالى .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 .

ويتوفانا سبحانه وتعالى كنفوس بعد تذوق الموت بفقدنا وسيلة الحياة (الجسد) ، وذلك لينشئنا مرة أخرى في نشأة جديدة لقوله تعالى .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، والتي شاء الله ألا نعلم عنها شيئا ما دمنا أحياء ، لقوله تعالى .. {عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ }الواقعة61 ، ولكنه سبحانه أشار لنوعية النشأة بأنها مثل التي تعرفونها جيدا لو تذكرتم كيف كانت نشأتكم الأولى .. لقوله تعالى .. {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ }الواقعة62 ، تلك النشأة التي شرحها في المؤمنون بقوله تعالى .. {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، ولأننا جهلنا معنى تكرار النشأة والحياة لنفوسنا في الدنيا ، فقد ظننا وتخيلنا أننا وهذه الأجساد البالية المستخدمة شيئا واحدا ، وصدقنا أكذوبة أننا سنظل سجناء القبور مع الأجساد البالية ، فابتدعنا حياة القبور ونعيم وعذاب القبور ، وجعلنا من أساطير آلهة الخصوبة والجنس “عشتاروت” البابلية دينا لنا ، وكما أن عشتاروت دفنت عشيقها الإنسي حيا لخيانته لها مع إنسية ، وسلطت عليه الثعبان الأقرع الجبار ليذيقه العذاب ليلا ونهارا ، ويضرب رأسه فيهوي في الأرض سبعين خريفا ، فنحن نؤمن بكل هذه التفصيلات كأساس لمعتقداتنا الدينية .

وأخيرا .. لم نقف عند هذا الحد ، بل زورنا كل مفاهيم ناموس الله ، وأتبعنا الزور ببهتان الأساطير ، فأكذوبة حياة القبور ألغينا بها حقيقة تكرار العودة للدنيا بمعطيات مختلفة ، وزورنا بها الهدف من خلق الإنسان (مهمة العبودية) ، ومنها ادعينا كذبا أن العبادة وهي (مهمة العبودية) هي نفسها في مراسم (مناسك العبودية) ، فخلطنا ما بين المهمة التي خلقنا الله من أجلها كخلفاء على الأرض لنعمرها وتلك هي العبادة الحقيقية ، وبين مناسك الخضوع والطاعة (العبودية) والتي فرضها الله لضمان استقامة بني آدم في تنفيذ (العبادة) إعمار الأرض ، فأصبحنا بادعاءاتنا مشركين بالله ، وبأشد أنواع الشرك بتأليه أهوائنا .. {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }الجاثية23 ، ومن تزوير العبادة وحصرها في مناسك الخضوع والاستقامة ، زورنا معنى الدين نفسه وحصرناه في مناسك التقرب إلى الله ، واختفى مفهوم الدين الحقيقي (والذي هو قناعتك الشخصية التي تتصرف تبعا لها تلقائيا في حركة حياتك) ، ومنها زورنا معنى كفالة الأرزاق وادعينا كذبا أننا نستطيع تغيير مقدرات الأرزاق ، بل وادعينا كذبا أن ابن آدم له حق الاختيار فيما يفعله ، رغم أن الله وضح لنا أنه لم يترك لنا حق الاختيار إلا في النوايا ، وهي فقط التي يحاسبنا عليها وطبقا لها ، و “كل نفس بما كسبت رهينة” ، والنفوس لا تملك إلا النوايا ، ولذلك يقول رسول الله .. “إنما الأعمال بالنيات ولك امريء ما نوى” .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
