قيمة أنت .. أم فردا من قطيع ؟؟ .. (3) …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
7 يوليو، 2021
اراء ومقالات, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
932 زيارة

توقفنا سابقا عند نتيجة هامة ، وهي أن إصلاح النفوس يعد من أروع ما يفعله الإنسان في حياته ، وإهمالها يعد من أسوأ ما يفعله بنفسه ، وإصلاح النفوس يبدا بإصلاح النوايا وتقويم خيالات الإنسان وأحلامه وأهوائه ، وعدم السماح للأهواء والخيالات الشهوانية بالسيطرة على النفس ، لأنها العائق الأخطر في سبيل إصلاح النفس وبالتالي تحقيق الآمال والطموحات ، واتفقنا أن الإنسان يحتاج إلى الإلتزام بكبح جماح شهواته بالتصدي للنفس ومراقبتها ، ثم الصبر والاجتهاد في تقويمها ، وعدم الاستسلام للواقع أو الملل من سقوطها مرات ومرات ، ويأتي ذلك من الثقة في القدرة على التغيير ، والإرادة القوية للتغيير للأفضل ، واليقين بأنك تستحق الأفضل وهو ما يستوجب الكد والتعب من أجله ، وقلنا أننا من أجل ذلك لابد أولا .. أن نفهم طبيعة خلقنا ، والتعرف على نفوسنا ، وما هي طبيعتها وحركات حياتها ، والمؤثرات عليها ، وأهم أمراضها وسقطاتها ، ونتعرف على المهمة التي كلفنا الله بها ، وكيف ننجح في تنفيذها .

ولن نجد ضالتنا في فهم النفس في علم النفس المطروح حاليا ، لأنه مبني على نتائج دراسات تمت على المختلين نفسيا ، وعقليا ، وبالتالي فهي نظريات علاج بالظواهر السلبية ، وليست مبنية على حقيقة خلق النفس ، خاصة وأن لدينا تفصيلا لخلق النفس من خالقها سبحانه وتعالى ، ومن أصدق من الله قيلا ، ومن أصدق من الله حديثا ، خاصة وأنه سبحانه قد أنزل إلينا في خلق النفس أكثر من ضعف عدد آيات الفروض والحدود والمعاملات التي ألفنا فيها ملايين الكتب والدراسات ، وادعينا كذبا وزورا أنها فقط هي علوم الدين الشرعية الثابتة والمقدسة ، فقد ذكر الله النفس في أكثر من ثلاثمائة آية مباشرة ، ثم سرد سبحانه مثالا محلولا لحركات النفس ونوازعها وأحوالها وعلاجاتها وأساليب علاجها في (111) مائة وأحد عشرة آية ، في سورة يوسف ، لتبلغ آيات النفوس أكثر من 420 آية ، وذلك جزء يسير من آيات علوم القرآن العظيم ، والتي شاء الله فيها أن يعلمنا طبيعة النفس البشرية وكيف نتعامل معها ، إضافة إلى سيرة خاتم المرسلين ، والذي كانت حركة حياته مثالا حيا للتعامل السليم مع النفس البشرية .

خلق الله الإنسان “نفسا” والتي هي أصل الإنسان ولبه وحقيقته المجردة ، وعندما يشاء الله أن تحيا هذه النفس على الأرض فإنه يمنحها جسدا حيا (فيه روح) ، ليكون وسيلة التعامل والمطية التي يتحرك ويتعامل بها مع حركة الحياة ، ولابد أن يكون هذا الجسد (المطية) من مادة الأرض ليستطيع أن يتوافق في تعاملاته وحركة حياته مع المكان الذي سوف يحيا فيه ، ومجرد التدبر لآية خلق النفس في سورة الأنعام … {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، فكل النفوس أصلها واحد وهي نفس واحدة ، ولذلك تتفق نفوس جميع البشر في الخواص والنوازع الفطرية ، كما يعتبر تواجد النفس في جسد مؤقت يحيا به لأجل مسمى هو استوداع ، فالجسد خلال رحلة الحياة هو “مستودع النفس” ، ثم تعود النفس لمستقرها عند الخروج منه سواء للنوم أو الموت ، كما نجد أن عملية خلق النفس الواحدة من النفس الأصلية قد تم بعملية “إنشاء” ، والإنشاء كما يعلمنا كتاب الله هو عملية كبرى ، تفرد بها الله سبحانه دون خلقه ، وبها فصل الله نفس كل منا عن النفس الأصلية ، فجاءت ناقصة تحتاج دوما للتكامل والتوحد (العودة لمستقرها) ، ومن هذا كان الشعور بالنقص الذي يفجر الحاجة لتكامل الذكر و الأنثى ، والتي تعد أساسا لاستمرار الاستخلاف في دورة الحياة .

وتعتبر عملية الإنشاء هي من أهم عمليات خلق الإنسان ، وهي عملية مزدوجة (بالنقص أو الزيادة) ، فاقتطاع النفس من النفس الأصلية هو إنشاء / وكذلك إضافة النفس وإدخالها في جسد هو عملية إنشاء أيضا ، وتلك التي يفصلها سبحانه وتعالى تفصيلا جميلا في قوله تعالى .. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون11 – 14 ، فتبدأ عملية الخلق للإنسان بخلق جسده أولا ، وذلك من تراب الأرض ، الذي يتحول لغذاء للإنسان ، والذي يقوم جسده الحي بصناعة النطفة (الحيوان المنوي) ، ثم تنتقل النطفة بالجماع لتصبح علقة في رحم أنثى ، وينمو الجسد الجديد ويتطور بناءه في أطوار خلق .. {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً }نوح14 ، حتى يكتمل الجسد في 120 يوما (أربعة أشهر) ، وعندها فقط يأذن الله بعملية الإنشاء للنفس في هذا الجسد المكتمل ، وهي عملية فريدة ومعجزة ، يتحول بها هذا الجسد الحي (فيه روح) إلى خلق آخر مختلف تماما عما كان عليه ، فيقول عنها سبحانه .. (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ، وعند هذه اللحظة التي تدخل فيها النفس لأول مرة لجسدها الجديد ، تقول الأم أن الجنين قد تحرك ، وهي لحظة فريدة في خلق الإنسان ، يقول عنها علماء الأجنة ، أنها لحظة فارقة يتحول فيها الجنين لمخلوق له إرادة ، ثم يذكر الله عملية الخلق للإنسان إجمالا ، منذ كان جسده ترابا وحتى يعود جسده للتراب مرة أخرى ، ويتوفى الله النفس مرة أخرى ، وذلك في سورة الحج ، فيوضح أطوار الخلق متدرجة بقوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }الحج5 ، ثم يجمل الله مراحل حياة الإنسان في سورة غافر بقوله تعالى .. {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }غافر67.

ولا يستطيع الجسد تحمل تواجد النفس داخله دوما ، بل لابد من خروجها يوميا ليعيد هذا الجسد صيانة وإصلاح ما أفسده تواجد النفس واستخدامها للجسد ، ويتكرر خروج النفس ودخولها للجسد يوميا طوال الحياة ومنذ لحظة دخولها أول مرة للجسد في رحم الأم (في نهاية الشهر الرابع للحمل) ، وحتى نهاية الأجل المسمى ، حيث يتوفاها ربها دوما عند خروجها يوميا أو عند خروجها النهائي لموت الجسد بانتهاء الأجل ، وهو ما يقوله الخالق العظيم .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، ثم يؤكد سبحانه على ذلك في الأنعام بقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الأنعام60 ، فحياة الإنسان هي أجل مسمى (محدد) من قبل ولادته ، ثم يعود بعدها لله تعالى فيتوفاه بواسطة ملك الموت لقوله تعالى .. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11 ، فملك الموت يتوفى النفوس ، وليست الأرواح كما يشاع منذ قرون مضت ، فالروح يستردها سبحانه بواسطة ملائكة موكلين بالأرواح ، ولكن ابن آدم يتوفى نفسه ملك الموت ، فالحياة رحلة يكفلها سبحانه لابن آدم بداية بخلقه (إنشاءه في جسد حي) حتى يتوفاه الله مهما طال عمره ، فيقول فيها .. {وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }النحل70 ، ولا علاقة للنفس بالجسد الحي والروح التي تحييه ، سوى علاقة استخدام فقط ومحددة بأجل محدد (مسمى) ، فإذا انتهى الأجل فلا علاقة للنفس (أصل الإنسان) بالجسد ولا بالروح التي كانت تحييه .

وقد خلق الله النفس البشرية على صورته سبحانه وتعالى فكرمها فلا يجوز إهانتها ، وجعل الوجه عنوانا وتعبيرا صادقا ودقيقا عن طبيعة هذه النفس ، ولذلك عندما ترى وجه إنسان يتكون في نفسك إحساسا بالراحة أو الضيق لتوافق أو تنافر نفسك مع نفسه ، ولذلك شرع الله ورسوله للرجل والمرأة أن ينظروا إلى بعضهم جيدا قبل الموافقة على الزواج ، حتى لا يتزوج من لا تتوافق نفوسهم من بعضهم البعض ، وكذلك تستطيع أن ترى علامات ودلائل عن طبيعة النفوس في وجوه البشر عامة ، لأنها عنوان النفوس ، ولذلك لا يجوز أن يلبس الإنسان السوي قناعا على تعبيرات وجهه مخالفا لطبيعة نفسه ، وفي جميع الأحوال قد كرم الله النفس وعنوانها وبابها الرئيسي وهو الوجه ، ولذلك نفهم من حديث رسول الله الذي يقول فيه .. ” لا تقبحوا الوجوه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن“ ، المقصود هنا ليس شكل ومادية وتقسيم الوجه الجسدي ، ولكن ما تبثه النفس في الوجه من شخصيتها وكينونتها ، ولذلك كرم الله النفس وما تمثله وهو الوجه ، كما لا يجوز إخفاء الوجه مطلقا خاصة للنساء والبنات إلا لعلة ملحة ، لأن الإخفاء فيه احتقار لخلق الله ، وفرصة لفساد النفوس والمجتمعات ، فضلا عن أنه تقليد لنجاسة عقول اليهود ، الذين ألبسوا نساءهم النقاب حتى لا يتنجس من يراها في الطريق من عامة الناس ، وانتقل للعرب لاستخدامه في خرود المرأة للخلاء (لعدم وجود دورات مياه بالبيوت) ، ونشره الوهابيون حديثا بتعليمات مشددة من الماسونية التي صنعتهم ليفسدوا على المسلمين دينهم ، لأنهم يعلمون أن التشدد سوف يفسد نفوس النساء والمجتمعات .

وتسيطر النفس على الجسد تماما من مركز قيادة هذا الجسد ، وهو الرأس بواسطة المخ ، ومن غرفة القيادة الرئيسية وهي الغدة الصنوبرية في قاع المخ الخلفي ، والتي كان القدماء يقدسونها ، ويعتبرونها الوصلة ما بين الحياة والموت ، لأنها تتحكم في خروج ودخول النفس للجسد ، أو بمعنى أدق هي البوابة التي تدخل النفس منها للجسد وتخرج منه من خلالها ، ولذلك عندما تصاب هذه الغدة تختل وظائف النوم (خروج ودخول النفس للجسد) ، فالغدة الصنوبرية في قاع الجمجمة هي آخر مكان تتواجد فيه النفس قبل مغادرتها الجسد ، وأول مكان تدخل منه للجسد ، وهذه الغدة مسئولة عن انتظام النوم ، والساعة البيولوجية ، كما تقوم بإفراز مجموعة الهرمونات ومضادات الأكسدة يوميا ، والتي تحمي خلايا الجسم من السرطانات ، وتبدأ إفرازها ولمدة (6) ستة ساعات كاملة ، وذلك بداية من بعد غروب الشمس بساعتين تقريبا (العشاء) ، فإذا اعتاد الإنسان السهر لما بعد منتصف الليل لسنوات طويلة ، فلا يلومن إلا نفسه ، عندما يصاب بالسرطانات في أضعف أجزاء من جسده ، أو عندما تختل لديه قدراته العقلية والجسدية المختلفة ، ولذلك لن تجد بشرا تسهر بعد التاسعة مساءا ، إلا في الدول المتخلفة علميا ، ومعظمها بلاد المسلمين أصحاب القرآن العظيم الذي هجروه ، وابتدعوا لأنفسهم دينا جديدا لا علاقة له بالعلم المستمد من علوم قرآنهم العظيم ، والذي يعد أكبر دستور للعلوم البحتة عبر تاريخ البشرية .

وأخيرا .. ما زالت بحور النفس زاخرة بأسرارها التي تؤكد أن البشرية ما زالت تحبو على أعتاب العلم ، لرفضهم الدراسة والتعلم من خالق الكون وما أنزله إليهم ، ومنشيء النفس البشرية ومعجزها ، فتلك النفس البشرية خلقا معجزا ، ولها حركات ودورة حياة متكاملة وليست مجرد حياة في جسد لمرة واحدة فقط ، بل يتكرر إنشاءها مرات ومرات ، كما لها طبائع فطرية ونوازع وأحوال وأمراض وطرق علاج ، كما تتعرض النفس أيضا إلى مؤثرات خارجية قوية سواء كانت إيجابية أو سلبية ، فضلا عن عوامل أخرى متداخلة سواء كونية أو أرضية محيطة … وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..
جمال عمر