
ولدنا وجئنا إلى الحياة دون أن يكون لنا أي اختيار ، كنا أطفالا .. فصبية فشبابا .. فرجالا ونساء .. ويوما ما سنصبح ذكرى لبشر رحلت ، مجرد أسماء يحملها أو يذكرها أبناء أو أحفاد ، أو بشرا آخرين يحملون أسماءنا ، مثلما حدث لوالدينا وأجدادنا ، قد يحزن البعض عليك زمنا أو ربما يوما ، وربما مجرد أسف وكلمتين رثاء أو ترحم ، وربما دعاء من القلب أو من اللسان ، وتلك هي سنة الحياة مهما كنت ، ومهما كان شأنك ووجودك وسلطانك وقدرك في الدنيا ، فكل العظماء ومن حكموا الدنيا أصبحوا ذكرى وتاريخ ، وغالبا قد لا يعنون كثيرا في واقع حركة الحياة لمن ما زال حيا ، ولا عزاء للحالمين والحمقى ، فسنن الخالق في خلقه نافذة لا محالة ، ولكن .. تبقى الذكرى جميلة وتستحق أن يذكرها البشر بكل الخير ، فقط عندما يكون صاحبها قد كان قائدا لنفسه ، وليس فردا من القطيع .

ولكن .. لو كنا من القطيع ؟؟ ، فهل هذه هي حياتنا مثل مختلف أنواع الخلق في الدنيا ، نأتي ونحيا ثم نرحل فتنسانا الحياة وينسى بعضنا بعضا ، وتستمر الحياة كما كانت من قبلنا ، وفي وجودنا ثم من بعد رحيلنا ، ولا أثر ولا بقاء سوى بعض سراب الذكرى المتلاشي عبر الزمن ، كيف يكون هذا ؟؟ ، وما هي الحقيقة ؟؟ ، ولماذا ولدنا وما هي معطياتنا وعلى ماذا نحن مقبلون غدا بعد وفاتنا ، ولماذا ؟؟ ، ومن يملك الحقيقة المطلقة في كل هذا ، أم نكتفي بما يقوله لنا دوما باقي القطيع من البشر ، (عش حياتك مثل غيرك من البشر ولا تكن مثيرا لمجادلات لا فائدة منها) ، أم لابد يوما أن نحاول اكتشاف شيئا جديدا أو حتى نضع علامة فارقة على الطريق ، ربما تساعد أحد بعدنا أن يكتشف الحقيقة أو شيئا منها .

ولا شك أن النجاح في الحياة شيئا جميلا ورائعا ، وتتباهى به البشر عبر تاريخها ، ويخلدون ذكرى قادتهم ورجالهم ونساءهم الذين كانوا قدوة واستطاعوا تغيير حياة البشر من بعدهم ، ولا شك أيضا أن كل منا يستطيع أن يكون من هؤلاء ، بل وأفضل منهم ، ولكن المشكلة الحقيقية دوما في نفوسنا ، في حقيقة فهمها للحياة ونواميس الكون ، وكذلك في فهمنا لحقيقة نفوسنا وكيفية التعامل معها ، ولو استطعنا تجاوز هذه العقبات بالعلم والتعلم والفهم والإدراك والمثابرة لأصبحنا شيئا مختلفا ، تظل ذكراه الحقيقية الجميلة خالدة مع البشر ، والأهم أنها مسجلة في صحف أعمالنا التي سوف تكون شاهدا أو علينا بين يدي رب العالمين ، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من آتى الله بقلب سليم .

ولقد تعلمنا أن محاولة حل أي مشكلة ، لابد وأن تبدأ بفهم طبيعة المشكلة ومفرداتها أو مكوناتها ، وتحديد أضرارها بل وفوائدها التي جعلتها تستمر وتتواجد كواقع يحتاج لحل ، ثم تحليل أسبابها والدوافع لوجدوها ، وأخيرا تحديد طبيعة المستهدف من حل المشكلة والعائد من حلها ، ومنها نحدد أنسب أساليب الحل للمشكلة ، وأخيرا تحديد خطوات الحل للمشكلة ، وكيفية البدء والحفاظ على استمرارية التنفيذ لخطوات الحل للمشكلة ، وتلك خطوات أولية بسيطة لا يجب أن يتم التغافل عن ترتيبها ، أو الخلط بينها وبين شهواتنا ورغباتنا النفسية ، ولذلك فأول اساسيات الحل لأي مشكلة ، أن تنظر للمشكلة بحيادية وكأنها مشكلة أحد آخر غيرك ، دون السماح للنفس بالانحياز لما تهواه وتتمناه من رغبات وشهوات في موضوع المشكلة ، وهي خطوة ربما تكون أكثر سهولة على الرجال من الإناث ، خاصة في فترات بعينها لدى الأنثى ، حين تفقد فيها الأنثى نفسيا كثيرا من قدرتها على السيطرة على انفعالاتها وإحباطاتها الجسدية والنفسية ، ولذلك كثيرا ما نلجأ للمساعدة رجالا أو إناثا ، لنجد فكرا آخرا مختلفا ولا يخضع لرغبات وشهوات وعثرات النفس وانحيازاتها .

وقبل كل شيء لابد وأن نعرف أهم التحديات التي تواجهنا كنفوس في حركة حياتنا ، والتي يمكن اختصارها في ثلاثة تحديات كبرى بفرعياتها المتشعبة ، الأول منها هو شهوات وأهواء النفس ورغباتها المتجددة والمتزايدة والتي لا تشبع ولا تتوقف مطلقا ، والثاني هو فتن الدنيا والبشر من حولنا وهي ما تبرر للنفس التقليد وإطلاق العنان للشهوات والرغبات دون قيود مثل غيرها ، والثالث هو مؤامرات إبليس لغواية البشر والسيطرة عليهم ، والأخطر هو حدوث التعاون والتضافر بين النفس بأهواءها مع أحد العاملين الآخرين ، أو مع الاثنين معا وهو ما يحدث غالبا ، خاصة في موضوع مثل العلاقة الجنسية ، فالنفوس تتوق وتتمنى وتطلق العنان لخيالاتها ، وإبليس يسلط وسواسك الخناس ليذكرك ويلهب شهواتك ومشاعرك وخيالاتك ، والبشر من حولك فيهم من يستمتع بلا ضمير بكل ما يستطيع الوصول إليه بلا حدود أو قيود ، ووسائل إعلام متفرغة لإثارة كل ألوان الشهوات بالعري أو العشق وتجميل الخيانة وتسهيل العهر بمسميات براقة ، تلهب المشاعر وتخطف العقول وتفقد القلوب سكينتها ، ولذلك فغالبا ما يضطر الإنسان لاعلان الحرب على الثلاثة معا ، أو ربما يفعل مثلما يفعل الغالبية العظمى من البشر ، فيستسلم تاركا الأمور تجري في أعنتها كما يقولون ، مثلما يصمت الأب أمام خروج زوجته وهي تكاد تكون شبه عارية باسم الموضة والتطور وكذلك يفعل كثير من الناس ، ومن بعدها بالطبع ابنته التي ما زالت صغيرة ويجب أن تتمتع بشبابها وجمالها وأنوثتها ، حتى يفجع الأب يوما أن ابنته قد أصبحت أم عزباء ، أو تعرضت للتحرش أو الاغتصاب ، وربما أبسط من كل هذا في سقوط الإبنة في فخ العنوسة ، كنتيجة منطقية لأسلوب حياة .

فمثال متكرر في كثير من البيوت ، حيث يغيب الأب كثيرا أو ربما مطلقا تاركا كل تفاصيل وحدود التربية للأم ، فتشب البنات على حرية الملبس والتصرف والصداقات ، فالأم سوف تستسلم سريعا لحركة الحياة ورغبات البنات وسلوكياتهم المتطورة تبعا للموضة والتطور وما تبثه الفضائيات من حركة حياة الفنانات ، فتعتاد البنات الخروج بما يظهر مفاتن أجسادهن ، وفتح أبواب الصداقة منع الشباب من الجنسين دون قيود ، ولا مانع من السفر للنزهة والمصيف من الأصدقاء بلا حدود ، ولن نفترض الأسوأ ، من تحرش واغتصاب وقضايا وفضائح وجرائم متنوعة ، ولكن نسلط الضوء على المتكرر دوما ، فالصديق الشاب لفتاة تروي له تفاصيل حياتها ، وتسهر معه دوما في الكافيهات ، وتلبس ما يظهر مفاتن جسدها كاملة ، وتتحدث بطلاقة في كل شيء معه ، وربما تسافر معه بلا قيود من أهلها ، لن يقدم مطلقا على الزواج منها ، ولماذا يتزوجها ويقيد نفسه بقيود لا داع لها مطلقا ، وهو يأخذ منها ما يريد دون التورط في علاقة جنسية أو زواج وتكاليف ومشاكل ، ومن يضمن له أنها سوف تكون أمينة على بيته وأولاده ، وهي لم تكن أمينة على نفسها وجسدها وأسرارها ، فهو لا مانع لديه من الوصول لأبعد حدود الصداقة معها ، ولكنه لن يقبل أن تكون هذه البنت زوجته أو أم لأبنائه ، فتلك لها حسابات أخرى ، لا تنطبق على الصديقات اللائي (خلقهن الله لنستمتع بصحبتهن) كما يقولون دوما ، فماذا سيكون مصيرها وعن ماذا سوف تتنازل لتحيا حياة طبيعية تلبي لها رغباتها وشهواتها في مستقبلها ؟؟

وعلى الطرف الآخر .. شاب تربى وترعرع بين والدين يعتبرانه أحد صغار القطيع ، يلبون له كل ما يتمناه قبل أن ينطق به ، يهتمان بكل ما سوف يحتاجه في مستقبله ، حتى في تعليمه عوداه على الدروس الخصوصية (مثل كل الناس) ، فأصبح شابا عويلا لا قيمة له ولا قدرات ، ولا تكليف له بأية مسئوليات في بيته ، فهو يكفيه تعبه في مذاكرته (كما تقول معظم الأمهات) ، فيتحول لمسخ بشري ، يبدع فقط في استخدام قدراته للتمتع بشهواته ورغباته ، فهو مثال للفوضى والقذارة في بيته ، ولا يتحمل حتى مسئوليات نفسه وحياته أو حتى نظافة وترتيب غرفته وملابسه حتى أن أحد الأمهات تشكو من ابنها قائلة (إن الكلب الذي نربيه معنا أكثر احتراما وأخلاقا ونظاما من إبني) ، وتراه في أي مكان بلا قيود أو حدود ، عالي الصوت فوضوي متبجح متنطع سليط اللسان متغابي على كل البشر كوسيلة لإثبات رجولته ، لأنه لم يثبتها بتحمل أية مسئوليات من قبل ، ويستمر الوالدين وربما الأم خلف هذا المسخ البشري حتى يتخرج من أرقى الجامعات ، بل ويضحون بالغالي والنفيس حتى يضعونه في وظيفة محترمة ، فهل هذا من الممكن أن يصبح زوجا محترما مسئولا عن زوجة ثم أولاد وراعي لرعية ، أم سوف يصبح سريعا أحد رواد محكمة الأسرة وضيفا مستديما على بلاغات النيابة ومشاكل الطلاق والنفقة وغيرها ، ولم نذكر شيئا .. عن مشاكل الإدمان والمخدرات ولا التورط في قضايا تحرش واغتصاب ولا التورط مع عصابات سرقة أو نصب أو غيرها من الجرائم والتي يقع فيها كثير من الأبناء المدللين خاصة أبناء الطبقة الغنية أو المتيسرة الحال .

ونلاحظ أن هذه الأمثلة من الشباب والشابات ، هي أمثلة متكررة ومنتشرة على صفحات الصحف والتواصل الاجتماعي وتمتليء بها محاكم الاحوال الشخصية ، وهي أهم نجوم ظاهرة انفجار معدلات الطلاق بين الشباب ، ولكنهم لا يتحملون المسئولية وحدهم رغم أنهم سوف يتحملون مساويء حياتهم وحدهم بقية عمرهم ، ولكن سوف يتحمل الوالدين معهم وإلى يوم الدين ، نتاج ما أفسدوه من تربية وتهذيب وتعليم هذه النفوس ، وتستمر الحلقة ، فالوالدين أيضا قد افتقدا التربية ، ولو تم إحسان تربيتهم لأحسنوا تربية أبناءهم ، ولذلك صدق أجدادنا عندما كانوا يقولون لمن يريد الزواج وتربية الأبناء (قبل أن تتزوج لتربي أبناء ، لابد أن تربي نفسك أولا) ، ففاقد التربية لن يعرف كيف يربي ، وسيظن مخادعا نفسه أنه قادر على كل شيء ، كما تظن كل شابة أنها سوف تصبح أفضل أم في الكون لمجرد أنها حملت فأنجبت كما تفعل القطط والكلاب في الشوارع .

فما هو الحل ….
الاختيار الأول .. نقرأ ثم ننسى ودعونا نحيا كما نعرف ولا داع لـ “وجع الدماغ” … فلسنا أول ولا آخر البشر .. ولن نكون أنبياء ولا عظماء .. فنحن بشر .. فدعونا نستمتع ونتعذب دون سفسطة وكلام لا ثمن له .. ولماذا نخالف البشر في أساليب الحياة ، ونحن نستطيع أن نحيا مثل بقية البشر ؟؟ ، ونحن نصلي ونصوم ونتبع ما يقوله رجال الدين قدر استطاعتنا ، فلسنا أسوأ البشر ، ولسنا ملائكة ، وبالطبع .. هذا حل رائع وجيد .. لمن يريد أن يستمتع بحياة القطيع ولا يملك الإرادة لتغيير حياته وحياة أولاده من بعده للأفضل ، ولكن لا يلومن إلا نفسه لو واجه يوما ما يجعله نادما على عمره كله ، وهذا أمرا حتميا لابد من حدوثه ، فما جئنا الدنيا عبثا ولا لنصبح قطيعا ، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ }المؤمنون115 ، بل جئنا خلفاء على الأرض محاسبون على كل حركة وسكنة .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، وليعرف كل مفرط ظالم لنفسه أي مصير سوف يلقاه .. { .. وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }الشعراء227 .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر