لماذا تخدع نفسك ؟؟؟

رغم الإجماع الإنساني الظاهري عبر تاريخ البشر على رفض الكذب والبهتان وتجريم الضلال إلا أننا كنفوس قد نستحل البهتان والكذب أحيانا كثيرة ، ونلتمس لنفوسنا الأسباب والدوافع للكذب والافتراء وترويج الضلال ، بل وأحيانا نرى أننا ربما لا نقول الحقائق المجردة ، ولكننا (عذرا) لا نكذب فنسميها (رؤيا ووجهات نظر) أو تجمل ، ونحن نعلم أنها محاولات نفسية مفضوحة لتبرير الكذب الذي يتحول إلى البهتان والضلال وإصباغه بالمشروعية خاصة لو كانت تخص العقيدة والقيم الفكرية ولكن يظل ابن آدم موقنا في أعماق نفسه بضلاله وجرمه ، وهو ما يندرج تحت مسمى الانحراف النفسي ، ليصدق فينا قوله تعالى .. {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ }القيامة14 ، 15 .

وتلهينا الحياة بالركض خلف رغباتنا وشهواتنا والأمل في الحياة ومواجهة مصاعب الحياة ومشاغلها ، فنغفل ونتجاهل ونغمض العيون والعقول والقلوب ، فلا نسأل أنفسنا لماذا هذا الانحراف والسقوط في مستنقعات البهتان والضلال ، ولماذا نصدق أنفسنا ونحول الخيال لحقائق ثم أساطير متزايدة ومتعاظمة يوما بعد يوم ، نؤمن بها ونعتبرها مرجعيات لمعتقداتنا التي تتحكم في سلوكياتنا اليومية ، ولماذا لم نحاول كبشر في أي مكان وزمان في العالم أن نتوقف متعقلين باحثين عن الحقائق المجردة في معتقداتنا لننقحها ونخلصها من خيالات وأساطير علقت بها عبر التاريخ البشري .

ومجرد استعراض سريع لما يدور من حولنا في العالم فسنكتشف أننا نعيش ضلالات واضحة نتبادلها ونحاول تصديقها وتفعيل نتائجها رغم اليقين داخلنا أننا كاذبون ومراوغون ، كلنا يعلم أن مباريات الكرة هي مجرد تسلية ولعب والهدف منها الترويح عن النفوس وتشجيع الرياضة للحفاظ على الصحة ، ولكننا حولناها لكل ألوان الشرور ، بداية من الإتجار بالبشر وتحقيق الثراء ، وانتهاء بإشعال الفتن بين المشجعين لتحصيل أعلى إيرادات من جنون التشجيع لجيوب بعينها ، وناهينا عن هدم قيم العلم والعمل والاجتهاد ، حيث جعلنا من لاعب متدني الفكر والتعليم وربما الأخلاق ، ولايجيد شيئا نافعا سوى الجرى خلف كرة مملوءة بالهواء ، ليصبح أعلى دخلا واحتراما وشهرة وتقديرا من علماء وأبطال ضحوا بحياتهم وأموالهم ونفوسهم من أجل غيرهم من البشر ، فأسقطنا بأهوائنا مفهوم القدوة وقيمة العلم والعمل وأهمية الحضارة والتطور وبالتالي الهدف من حياة البشر .

أسعار أغلى لاعبين في العالم

وكلنا يعلم أن السياسة بين الدول لها ألف ميكال ومكيال ، وما يصلح مع دولة لا يصلح لأخرى ، ورغم تشدقنا جميعا بحقوق الإنسان والمساواة والعدالة الاجتماعية وقيم الإخاء والاحترام ، إلا أن هناك بشرا يعد المساس بمشاعرهم جريمة لا تغتفر ولا يتم التهاون معها ، مثل اليهود ، حيث لا يستطيع بشرا أن ينتقد أكذوبة السامية أو ينتقد لهم سلوكا ، أو ينكر “الهولوكوست” ، في مقابل آخرون حياتهم لا تساوي أكثر من الشجب والإدانة وبضعة دولارات لإسكات الأصوات وتجاهل معاناتهم ، كالفلسطينيين والمسلمين في شتى بقاع الأرض ، ومع ذلك نتعايش مع الواقع ولا نتوقف ولا نحاول مواجهة وتصحيح هذه الأكاذيب العالمية .

القوات الأمريكية تتباهى بسرقة أموال وثروات العراق

والعالم كله يعلم .. أن أمريكا قد دخلت العراق ومن قبلها أفغانستان وأن مهازل الحرب في سوريا كلها لها أهداف استعمارية لا علاقة لها بالمعلن من الديموقراطية والعدالة الإنسانية والحرية ، والكل يعلم أن القاعدة وداعش صناعة أمريكية لتدمير وتفتيت دول المنطقة والسيطرة على ثرواتها ، وأن أفغانستان هي مزرعة المخدرات الأمريكية برعاية طالبان (القاعدة) ، ولكننا جميعا نصمت ونتجاهل ولا نريد أن نصدق ، فنكذب ونصدق أكاذيبنا ، بل ونوكل مهمة التخلص من هذه الفرق والجماعات لمن صنعها ، ولذلك نحن نعلم وهم يعلمون أنها لن تنتهي ..

الكل أصبح يعلم أن الوهابية (السلفية) وإخوان المسلمين هما فرقتان من الأخويات الماسونية ، وقد صنعتهما المخابرات البريطانية عبر قرون مضت ، وما زالت تأوي وتحمي قادتهم ، وتستخدمهم ، وباعترافات صريحة ومباشرة من مديرين سابقين للـ (إم آي 6) ، بغرض اختراق الدول المسلمة والسيطرة عليها ، ضمن برامج مخابراتي بعنوان (سنصنع لهم إسلاما يناسبنا) كما قال جيمس ويلسي مدير المخابرات البريطانية السابق في مذكراته ، ونعلم أن هذه الفرق مخطط لها أن تسيطر وتحكم بلاد المسلمين لصالح الماسونية العالمية ، مثلما سيطرت أخوية (الجماجم والعظام) على حكم بريطانيا ، وأخوية البوهيميا على حكم أمريكا ، وأخوية (بيلدربيرج) على غرب أوروبا ولكننا لا نجرؤ أن نتحدث بهذا رسميا ونتجاهل وجودها ، رغم أن مخططات الدول ومؤامراتها كلها تخضع لهذا الفكر ..

كلنا يعلم أن عري البنات والنساء وإظهارهن للمفاتن هي أكبر فتنة تدمر المجتمعات ، وتنشر الفساد والجرائم الاجتماعية ، وتخطف فكر وتركيز الشباب والرجال وتحصره في مستنقعات الشهوات الجنسية فتشتت قدراتهم وتدمر مستقبلهم ، ولكننا ورغم أننا مسلمون لا نجد مانعا أن ترتدي بناتنا ونساءنا ملابس ضيقة تصف مفاتن أجسادهن خاصة البنطلونات الضيقة التي يعلوها حجابا ، وربما البعض يعتبره كذبا وزورا علامة على التقدم والتطور ، والبعض الآخر يحلم في نفسه أملا أن تكون مفاتن ابنته سببا في سرعة زواجها ، أو ربما .. لأننا نغمض العيون والعقول لنرضي عهر وفجور نفوسنا وشهواتنا ، خاصة عندما نجد كثيرا من الفاسدين نفوسا وأخلاقا يدافعون عن العري والفساد باسم الحرية والموضة والفن والإبداع ، ورغم أننا قرأنا هذه المخططات بتفاصيلها في بروتوكولات حكماء صهيون في وسائل اختراق المجتمعات وإضعافها بالتركيز على شهواتها وإفساد البنات والنساء ، وذلك منذ عقود طويلة مضت ، وعاصرناه واقعا ينفذ في كل العالم وفي بلادنا ، وعلى أبناءنا وبناتنا , ولكننا لا نتحرك ولا نقاوم أو نعترض على عري بناتنا ، بل نغض الطرف ونتجاوز ، وتتفاقم مشاكل مجتمعنا يوما بعد يوم ، ويزداد التحرش والاغتصاب والعلاقات المحرمة ، ثم تجد من يدافع عن حرية المرأة في العري ضلالا وبهتانا ، فقط من أجل الحفاظ على استمرار هدم النفوس والأمم بالفساد .

كلنا يعلم أنه يرتكب أخطاء كارثية في تربية أبناءه ، مثل تلبية كل رغباتهم وعدم تكليفهم بواجبات يومية ، وذلك حنانا وحبا وخوفا على تعبهم ، رغم أننا نعلم أن هذا سوف يخلق منهم بشرا عالة على المجتمع بلا قدرات نفسية أو بدنية أو أية قدرة على تحمل أية مسئوليات ، وقد جنينا من جراء ذلك أجيالا غير سوية فتفشى الطلاق والفشل في التعليم والعمل بين الشباب من الجنسين ، ولكننا ما زلنا نمارس نفس الأخطاء ، والكل يدعي أن أبناءه قد نالوا أفضل تربية وتعليما ، رغم أن الغالبية لا تحصل على شهاداتها إلا بدروس (الخيبة) الخصوصية ، حتى اعتبر الأبناء أن التعليم شيء إجباري من أجل تحقيق رغبات والديه ، ورغم هذا لا تكف “الماميز” على صفحات التواصل عن مهاجمة الدولة لو حاولت الإصلاح ، ولا تمل “الماميز” من اعتابر أبناءها أطفالا بلا قدرات أو وعي ، حتى لو كانوا شبابا تجاوزوا سن الصبا واقتحموا سن الرجولة منذ سنوات ، ففسد الشباب وانحرف نفسيا وجسديا وأخلاقيا ، ونحن مصرون على الكذب وتصديق أكاذيب و”نحنحة” نفوسنا ..

الكل أصبح يعلم تماما أن النقاب لا علاقة له بالدين ، وأنه عادة يهودية لاعتقادهم أن المرأة نجسة ، ولا يصح أن تنجس الرجال في الطرقات ، وقد انتقل النقاب من اليهود للمسلمين في الجزيرة العربية ، ومنها لباقي المسلمين على يد الوهابية اللعينة ، وكثير منا يعلم أن النقاب كان يسمى قبل الإسلام بـ “نقاب العار” ، لأن النساء كن يستخدمنه في الخروج للخلاء (لعدم وجود دورات مياه بالبيوت) ، أو للتبضع (حمل المرأة من رجل غير زوجها) والذي حرمه الإسلام ، والكل يعلم أن رسول الله منع النقاب في الحج ، وأنه أمر بكشف الوجه ، لأنه ما كرم الله به بني آدم ليعرف بعضهم بعضا ، ولكن المصرون على النقاب يصدقون بهتان و(شرك) تجار الدين بقولهم {إذا كان الله قد أمر بتغطية الأرجل ، فنحن نرى أن تغطية الوجه أولى من تغطية الأرجل} ، ولكن كثير من النساء اللاتي يرتدينه تأخذهن العزة بالإثم ، حتى لا يقولوا أنها كانت مخدوعة ، رغم علم الجميع بخطورة النقاب النفسية والمجتمعية على المرأة ، لأن النفس البشرية سوف تستحل كثيرا من المحرمات كوسيلة للتنفيس عن حركانها من حق فطري ، ولذلك تجد المنقبات أعلى النساء صوتا وأكثرهن جرأة في الطرقات ، كما أنه وسيلة لتفشي الفواحش تحت ستره ، وهو ما نعلمه جيدا ، ورغم أن كثيرا من دعاة تجار الدين قد اعتذر عن تلك الفتاوى ومنها النقاب بحجة انزلاقه من أجل المال والشهرة ، ولكننا ما زال لدينا من تأخذه العزة بالإثم ، فيدعي أنه من الدين زورا وبهتانا .

ولا أحد يجهل التأثير الخطير للفن في وسائل الإعلام والفضائيات على أخلاقيات أبناءنا ، بدليل أننا انتبهنا لتأثير أغاني المهرجانات المنتشرة حاليا وكيف حولت كثيرا من شبابنا لبلطجية وبعضهم لمجرمين ، كما أننا لا ننكر الأثر السيء لمسلسلات الدراما المليئة بالحب والغرام والخيانة والفجور على نفوس الشباب والصبية ، ولكننا لا نمانع ولا نمنع ولا نعترض ، رغم أن بعض المسلسلات والأعمال تحدد سن معين للمشاهدة ، ولكننا غالبا لا نهتم ، والنتيجة نحصدها على صفحات التواصل الاجتماعي ، في مشاكل نفسية وقناعات فاسدة عن الحب والغرام واهتمام البنات بصورهن الموقوتة في مختلف المواقف والأوضاع والأحداث ، وسقوط الصبية والشباب ضحية الملابس وقصات الشعر والتصرفات تقليدا لبيكا زأورتيجا وشاكوش ، الذين ينشرون عادات الشواذ في الغرب وأوروبا ، في ظل صمت أو تغافل من الوالدين ربما للجهل وربما تسييرا للأمور في البيوت التي تديرها أمهات لا علاقة لهن بالفكر والثقافة والتعليم والدين ، رغم أن كثيرا منهن خريجي الجامعات ، وهو من أخطر ألوان الكذب على أنفسنا .

أخيرا .. لابد أن نعلم أن البشر في الدنيا نوعين لا ثالث لهما ، النوع الأكبر وهم القطيع ، وهم يقلدون ويتبعون غيرهم (يفعلون مثل ما يفعل الناس) ، والنوع الثاني هم القادة بطبيعة نفوسهم ، فهم لا يقبلون ولا يفعلون إلا ما يفهمونه ويستحسنون فعله وهؤلاء مطورون لحياتهم ولحياة القطعان من حولهم ، ومن المقبول أن يكون الإنسان في زمرة القطيع في بعض الأشياء الجميلة المقبولة والأساسية للحياة كالتعليم وبر الوالدين وصلة الرحم والزواج والإنجاب وتربية الأبناء ، ولكن ليس مقبولا أن يكون ابن آدم في زمرة القطيع في فكره وثقافته ومعتقداته ، لأنها تتحكم في أساليب تنفيذه وتعامله مع حركة حياته ، ولذلك لابد أن يختلي الإنسان بنفسه ، ويعيد ترتيب أفكاره ومفاهيمه ، ويناقش مع نفسه الصواب من الخطأ ، ويضع لنفسه الخطوات التي تعيد تصحيح أخطائه ، وليس هذا شيئا مستحيلا ، ولكنه يحتاج شجاعة مواجهة النفس وتقويمها ، وتلك دوما هي أخلاقيات الرسل والأنبياء والصالحين والقادة المصلحين ، ولابد لنا أن لا نمل ونحاول مرارا وتكرار ، ونضحي بقليل مما نظن أنه متعة أو فائدة ، حتى لا ندفع ثمن غفلتنا كبيرا في الدنيا ، وعظيما أليما عند لقاء الله ، والله غالب على أمره .. ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

إنه زمن الدجال .. يا سادة (4) …. بقلم : جمال عمر

استكمالا لمسلسل زمن الدجال على أرض الواقع ، يشهد الشرق الأوسط حاليا ، واحدة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *