توقفنا سابقا عند لحظة الولادة لهذا المخلوق الجديد القديم ، فهو (كنفس) قادم منذ شهور قليلة (خمسة شهور على الأقل) من جسد آخر كان له فيه ومعه معطيات مختلفة باختبارات مختلفة ، واليوم يبدأ مرحلة راحة من الاختبارات والتقييم يتم فيها إعداده مرة أخرى خلال سنوات الطفولة للاختبار الجديد بالمعطيات الجديدة ، فهو ربما كان في المرة السابقة في جسد أنثى مسلمة وغنية وجميلة ولكنه هذه المرة ربما قد جاء في جسد ذكر هندوسي وفي عائلة فقيرة ، فمعطيات هذه المرة مختلفة فقط لأن أسئلة الاختبار في كل مرة لابد وأن تختلف عن غيرها ، وهذا لا يمنع من تكرار بعض الاختبارات التي فشلت النفس فيها في المرات السابقة ، فابن آدم يدخل الدنيا فقط ليختبر مرات ومرات متتالية وليس مرة واحدة كما يتخيل البعض ، أو كما انتشر بين البشر إمعانا في دفعهم لليأس والفساد المؤدي للشرك بالله أو الكفر بقيومية الله مثل إبليس ، وهو قسم إبليس لرب العالمين بقوله .. {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82 .
والعجيب أن المسلمين تحديدا هم أكثر البشر إصرارا أن الإنسان يحيا مرة واحدة ، رغم أن الله في كتابه العزيز والخاتم إليهم يشير ويصرح ويؤكد بآيات عديدة أن ابن آدم سوف يدخل الدنيا مرات ومرات مثل تأكيده في خمسة آيات على إعادة تكرار الخلق والتي أشهرها قوله تعالى .. {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }الروم11 ، ثم يذكر سبحانه السبب المباشر لعملية الإعادة للخلق في قوله تعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، فالسبب المباشر لعملية الإعادة هو تحري العدل (القسط) بين البشر وللبشر ، وهو شيء منطقي فلو خلقك الله أنثى فقيرة مطحونة ، وهي المرة الوحيدة التي عشتها في الدنيا ، فسوف يكون لك عند الله حجة من قسوة معطياته عليك في حياتك لمرة وحيدة ، وهو ما لن يكون مطلقا ، لأن الله يقول في حديثه القدسي {حتى يأتيني وليس له عليي حجة} .
ثم يؤكد سبحانه على عملية الإعادة وتكرار الحياة للنفوس في سلسلة متتابعة إلى يوم القايمة بقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، فخلائف الأرض ليست جمعا مباشر لمسمى "خليفة" والتي جمعها (خلفاء) ، والتي يقولها سبحانه أيضا في قوله تعالى .. {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }النمل62 ، فالخلفاء تكون للتحديد كأن يستخلف الله قوما آخرين من بعد قوم نوح ، ولكن الخلائف فيها معان التكرار والتبديل والفردية لكل إنسان مستقلا بنفسه ، ثم يؤكد سبحانه أن الاستخلاف مع وجود الاختلافات في الدرجات سببها الرئيسي وهو (ليبلوكم فيما آتاكم) ليختبركم في معطياتكم ، ولذلك فحياة البشر على الأرض هي اختبارات متتالية ومتصلة ، وفي كل شيء سواءا كان حسنا وجيدا أو سيئا ومرهقا ، فالحقيقة أن كل المعطيات هي محل الاختبار خاصة الجيدة والمفرحة منها قبل السيئة والمتعبة ، فكثرة المال ليست حبا ولا تكريما بل هي أشد أنواع الابتلاء والاختبار ، لأنك سوف تحاسب حتى عن النقير والفتيل والقطمير ، ولذلك يقول سبحانه .. {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }البلد4 ، والكبد هو المعاناة في اختبارات متواصلة منذ ولادته وحتى لحظة وفاته ، والتي لا يملك لها شيء .
وماذا يملك ابن آدم من خيارات ؟؟ ، أو لنقل بوضوح .. هل الإنسان مسير أم مخير ؟؟ ، وهل هو حقا مسير في أشياء ومخير في أشياء آخرى كما يقول بعض علماء السلف ونقل عنهم علماء الخلف ، أم هو يستطيع أن يكون مخيرا في كل شيء ، أم هو مسير في كل شيء ولا اختيار له كما يقول بعض السلف أيضا ، وهنا نتوقف قليلا عن بعض الآيات الكريمة التي تتوافق مع الواقع والحقيقة ، وأول الآيات التي تقول أن الإنسان لا يملك شيئا قوله سبحانه تعالى .. {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }النحل1 ، والمعنى الصريح هنا أن أمر الله قد صدر وتحقق ولا محالة ، ومن يؤمن بغير هذا أو يصدق بأن مخلوقا له الإرادة أو القدرة مع الله ، فهو من المشركين بالله ، ثم قوله تعالى .. { .. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 ، وكذلك قوله تعالى .. { .. إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }الطلاق3 ، فالله بالغ أمره & وغالب على أمره ، فلن يكون لمخلوق قدرة ولا إرادة مع أمر الله في دنياه ، فكل ما يحدث في كونه بمشيئته وحده .
ثم يحسم الله هذه الجدلية تماما بآية في سورة السجدة بقوله تعالى .. {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 ، فالله يدبر أمور خلقه على الأرض كاملة ، ثم تبدأ رحلة تنفيذه من اللوح المحفوظ نزولا إلى الدنيا حيا (صوتا وصورة بأبعاده كاملة) تحمله ملائكة التبليغ قبل بدء حدوثه بـ (500) خمسمائة سنة طبقا لحسابات الزمن على الأرض ، ثم تبدأ رحلة الإبلاغ عن تمام حدوثه صعودا (يعرج إليه) حيث تحمله الملائكة حيا (صوتا وصورة وبأبعاده كاملة) حتى يصل إلى اللوح المحفوظ في (500) خمسمائة سنة أخرى ، لتكتمل رحلة الأمر (دأئرة الأمر) مستغرقة ألف سنة أرضية ، ولذلك يعرف معظم البشر مؤمنين أو كافرين ما نسميه بالرؤية الصادقة ، حيث يشاء الله أن تلتقي النفس في رحلة نومها بحدث هابط سوف يحدث مستقبلا فتراه كاملا ، وربما تنساه أو تذكره ، ولكنها تفاجيء بحدوثه أمامها تفصيلا بعد أيام أو شهور وربما سنوات ، وتلك رحمة من الله يجهز بها عباده (خلقه) لاستقبال الأحداث .
وهنا تنفجر أسئلة بعينها أهمها ، إذا كان الله قد كتب علينا كل ما سوف يحدث .. فعلى ماذا يحاسبنا سبحانه وتعالى ؟؟ ، ويبدو أننا نقرأ القرآن ولا نفهمه ، فسبحانه وتعالى يقول .. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38 ، بمعنى أن النفوس مرهونة بما تكسبه ، ولكننا نعرف أن النفوس لا تملك الفعل مطلقا لأنها لا تملك إلا النوايا ، وهو ما يؤكده رسول الله بقوله .. { إنما الأعمال بالنيات ، ولكل امريء ما نوى} ، ولم يقل ما عمل أو فعل ، لأن الأفعال جميعها محددة مسبقا ومن قبل أن يولد الإنسان تحديدا بخمسمائة سنة مطروح منها عمرك لحظة وقوع الحدث ، فمثلا كلماتي هذه .. هل أقولها لوجه الله ؟؟ أم أريد بها شهرة ؟؟ ، أو منتظرا أجر الكلام مالا ؟؟ ، أم هي لسبب آخر تماما ، ولكل سبب منهم في نيتي أجر مختلف عند الله ، ولكني مرغما سوف أكتبه ليقرأه فلان تحديدا في اللحظة التي حددها الله ، ومن رحمة الله أن من اعتاد النوايا الطيبة أن يجري الله على يديه الخير ، ومن اعتاد النوايا السيئة أن يجري على يديه الشر ، وهذا لا يمنع أن تنتوي خيرا فيأتيك شرا ، والعكس صحيح ، وذلك ليذكرك سبحانه أن الأمر بيديه وحده ولا شريك له في ملكه حتى في نفسك .
وهل معنى ذلك أننا مجرد عرائس تحركها خيوط المكتوب بيد الله ، نعم نحن كذلك ، ولا نملك من الدنيا إلا نوايانا ، فنحن جئنا للدنيا لنختبر في نوايانا فقط ، فمن أحسن نواياه أحسن الله له أقواله وأفعاله وأثره في الدنيا ، ومن أساء نواياه فضحه الله بسوء الأعمال على يديه ، وكما يقول سبحانه .. {لعلكم ترجعون} ، في أشهر آياته .. {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الروم41 ، فالله لا يجري كل نوايا البشر الفاسدة ، ولكنه سبحانه يجري بعضا منها فقط ليريهم سوء نواياهم ، وهو قوله تعالى .. {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ }المؤمنون71 ، وهنا يؤكد سبحانه أن ذكر البشر (قصصهم) الماضية والحاضرة والقادمة في المستقبل حتى يوم القيامة مذكورة تفصيلا في كتابه العزيز الذي آتاهم إياه ليتعلموا ويفقهوا ويعقلوا ، ولكنهم عن آيات الله معرضون .. {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ }الأنبياء42 ، ورغم ما يسوقه الله من آيات كونية إلا أنهم ما زالوا معرضون .. {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }يوسف105، بل ويظن معظم البشر أنهم يتحكمون في الدنيا ، فيمكرون بغيرهم من البشر ويتآمرون عليهم ، ظنا منهم أنهم أصحاب إرادة ويستطيعون فعل ما يخططونه ، ولك الحقيقة المجردة تقول بأن ابن آدم مخير فقط في نواياه ، ولكنه مسير في كل ما يحدث في حياته ومن حوله من الأقوال والأفعال ، فهو لا يملك من أمره شيئا مطلقا ، إلا نواياه وما يخفي صدره ، كيف هذا وأين الإرادة والقدرات ؟؟ ،
كل هذه حقائق رائعة ، فلكنا يملك قرار نفسه ، وإصراره على تنفيذ ما قرره ، ولكن لن يحدث إلا لو كان الله قد شاء بحدوثه وكتبه ، والحقيقة الدقيقة والكبرى التي نغفل عنها ، أن كل ظروف وأحوال الحياة حولنا وداخلنا هي الأسباب والدلائل التي ترسم لنا فكرنا وقناعاتنا وبالتالي نوايانا ، فالله شكل لك كل ما يؤدي بك لاختيار قرار بعينه ، فلو كنت شخصا طيبا هنيا رضيا فسوف يدفعك سبحانه لتختار تحديدا كا كتبه الله لك ، فتسعد بتحقيقه ، ولو كنت شخصا خبيثا شريرا فسوف يدفعك سبحانه لتختار أشياء لم يكتبها الله ، لتتعذب بعدم تحقيقها وتشقى بمخالفة المكتوب وما يحدث لك .. لكل ما تريده ، ولا يمنع أن يحدث العكس لتذكير البشر بأن القرار والأمر كله بيد الله وحده ولا شريك له ، وليس هذا غريبا ولا عجيبا بل على العكس هذا المفهوم يحل كثيرا من مشاكل الإنسان مع حركة حياته ودنياه وما قضاه ربه عليه .
فأولى بالإنسان أن لا تكون الدنيا هي همه الوحيد وهي التي تفرحه وتحزنه بأحداثها ومكاسبها ، ولذلك يقول رب العزة .. {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }الحديد23 ، وذلك لعدة أسباب أولها .. أن كل ما حدث وما سوف يحدث هو مكتوب أن يحدث ولا حيلة لمخلوق فيه ولا يستطيع مخلوق أن يغيره أو يمنعه ، ثانيا .. كل خلق الله وعلى رأسها الإنسان جاء للدنيا فقط ليتم اختباره وليس ليكافئه الله أو لأنه يستحق ما سوف يأتيه في الدنيا ، وبالتالي فكل ما يأتيك في الدنيا أنت محاسب عليه وكلما ازداد ما يأتيك ازداد ثقل حسابك عليه ، ثالثا .. أن لكل نفس مع الله شأن مختلف عن غيرها ، فنفوس يصلحها الفقر وأخرى يصلح حالها الغنى ورغد العيش ، ونفوس يصلحها الجمال والقوة ، ونفوس أخرى لا يصلحها إلا الضعف والقبح ، فالله يرزق ويؤتي كل نفس على قدر ما يصلحها من كل شيء .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
