توقفنا سابقا عند تزوير معنى العبادة الحقيقية وحصرها في آداء المناسك والفروض ، وإنكار مهمة العبودية (العبادة الحقيقية) وهي إعمار الأرض كخلفاء عليها بالعلم والعمل والكد والكدح ، واعتبار هذه المهمة غرضا جانبيا فرعيا لمجرد الاستمتاع بالحياة على الأرض ، وهو ما كان سببا مباشرا لما رأيناه قرونا وما نراه مثلا .. من تجار الدين وأصحاب الفرق والجماعات ، من اعتبار النساء مجرد متعة ونهمهم الشديد للمال والشهرة رغم أنهم يأمرون الناس بالزهد والتقشف ، وبالتالي كان سببا لغضب الله على المسلمين ، وأهانته لهم في الدنيا لعلهم يرجعون ، خاصة وأنهم هجروا أكثر من نصف كتاب الله للبشرية وهي آيات القرآن العظيم ، وأثبت الله هذا عليهم بقوله تعالى .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 ، وساق إليهم كل الأدلة من الدنيا مصداقا لقوله تعالى .. {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }النمل93 ، بل وجعلهم يعترفون بهذا مرارا كلما اكتشف العلماء في الغرب حقائق علمية يصرخون بأن لديهم في القرآن آيات تقول بهذا ، ولكنهم لا يعتبرون ولا يفيقون إلى هجرانهم القرآن العظيم ، وهكذا فعل البشر من قبلهم ، واتبعوا آباءهم معاندين لله وآياته رغم أن الله حذرهم من تكرار ما فعله الأولون .. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }البقرة170.
ولا شك أن المسلمين عندما لبسوا عباءات التأله على البشر لم يأتوا بجديد ، فهكذا هم البشر منذ آدم ، اعتادوا أن يكفرون ويفسقون كل من يختلف معهم ، ويقسمون الجنة والنار على من يشاءون ، وكأن الله وكلهم عنه في الدنيا ، رغم أن الله حذرهم وحرم عليهم ذلك التأله ، ولو أنهم قرأوا القرآن وفهموا آياته ما استجرأ بشر منهم أن يقول في حق بشر غيره ما يستبيحون ادعاءه وقوله ليل نهار ، لأن آيات القرآن تشرح خلق الإنسان تفصيلا ، وذكره كاملا من بدء الخليقة ومولده حتى يوم القيامة مصداق لقوله الله تعالى .. {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }الأنبياء10 ، فالله أنزل ذكر (قصص) البشر منذ بدء خلقهم وحتى يوم القيامة مرورا بكل مراحل حيواتهم في الدنيا ، ولكنهم تجاهلوا آيات الله وأغلقوا الفهم والتدبر فيها ، وابتدعو ضلالات وأساطير وجعلوها مقدسة ، بل وجعلوا مجرد الاقتراب أو مناقشتها بالعقل والمنطق يعد فسقا أو ربما كفرا يستوجب الموت عقابا ، فدخل المسلمون عصورا للظلام والجهل والضلال ، ومازال من يسمون أنفسهم رجال الدين في الديانات الثلاثة يمارسون بكل شراسة مهمة الحراسة على كل أساطير الضلال المقدس .
أول أساطير الضلال عرفتها يوم وقفت حائرا لسنوات طويلة ، أمام ما يدعونه من حياة وعذاب ونعيم القبور ، وثاني الأساطير كانت في حيرتي الشديدة في كيفية محاسبة الله لمن يولد كافرا أو مشركا أو ملحدا ، وهو لم يخير في شيء بداية من يوم مولده ولا نوعه ولا شكله ولا معطيات جسده ونفسه ولا والديه ولا ظروف حياته ولا دينه وأخيرا ولا في يوم وفاته ، وثالث هذه الأساطير .. كان نتيجة لقراءاتي الكثيرة في قصص غريبة وعجيبة لكثير من البشر الذين ادعوا أنهم جاءوا للدنيا من قبل في حيوات أخرى ، وتجاهل أهل الدين والعلم لهؤلاء كأنهم لا وجود لهم ، ورابع ما حيرني كثيرا كانت كثرة الاتهامات والعداء ما بين المسلمين والمسيحيين واليهود ، رغم أنهم هم أصحاب الرسالات السماوية الثلاثة على الأرض ، والاختلافات الجوهرية بين ركائز عقائدهم التي يدعونها منذ قرون طويلة ، وخامس ما حيرني هو كيفية محاسبة الله لمن كتب عليه الفقر والقهر في الدنيا ولم يعطى فرصة ليكون له الخيار ، وسادس ما حيرني عجر كل علماء الدين في العالم أن يقنعوا عقلي الضعيف بإجابات عن أسئلة بعينها مثل { هل الإنسان مخير أم مسير ؟؟ ، وما هي الأمانة التي تحملها ابن آدم ؟؟ ، وسابع ما حيرني هي مسألة كفالة الأرزاق وقدورها وعدالة الله في توزيعها ، ولكن الأعجب والأغرب من كل هذا … أنني وجدت حلوله التفصيلية مبينة ومشروحة في أيات القرآن العظيم الذي هجرناه وادعينا أنها متشابهات .
وبداية الفهم جاءت عندما توقفت عند حقيقة خلق الإنسان وما هو تركيبه وكيف يموت ، وماذا يبقى منه بعد موته ، وأين يذهب ما تبقى منه ، وكيف أسأل بشرا والخالق العظيم لم يبخل علينا بهذا بل شرحه تفصيلا في قرآنه العظيم ، ومن سواه أعلم منه سبحانه وتعالى .. {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14 ، فكل منا مجرد نفس وهو ما يوضحه سبحانه بقوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }النساء1 ، فكل نفس منا من أصل واحد مهما اختلفت أشكال أجسادنا وطباعنا وعاداتنا وبيئاتنا ، ولذلك يقول سبحانه .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، وهنا يضع الله الحدود للنفوس فيقول أننا بدأنا كنفس واحدة وسنعود إلى نفس واحدة متكاملة يوما ما ، وعندما يشاء الله أن تحيا هذه النفس على الأرض فإنه سبحانه يمنحها جسدا حيا (فيه روح) ، والجسد مادته من تراب الأرض ، والروح سر الله للإحياء مثل (الكهرباء) ، ولا علاقة لمخلوق بها ، وهو ما أعلنه سبحانه بقوله .. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، فلا حديث ولا علاقة لنا بالروح ، فهي موجودة في كل جسد حي بداية من الفطريات والبكتريا ومرورا بالنبات والحشرات والحيوانات وكل مخلوقات الله الحية ، الروح في كل منهم مماثلة لما في جسد الإنسان وخروجها يميت هذه الأجساد .
أما العلاقة بين النفس (أصل الإنسان) والجسد فهي علاقة مماثلة لعلاقة سائق السيارة بسيارته ، فجسدك هو السيارة التي تركبها ، فهو المطية التي تركب داخلها لتسوقها من داخلها ، وتمارس بها حركة الحياة ، ولا تستطيع أن تظل راكبا جسدك (سيارتك) باستمرار ، بل أنت مضطر لترك السيارة (الجسد) ليعيد صيانة ما أتلفته بسوء استخدامك له ، فلابد أن تترك الجسد يوميا ، وهو ما نسمية (النوم) ، وهو في حقيقته مغادرة النفس للجسد الذي تستخدمه لتعطيه الفرصة ليصلح ما فسد بسبب الاستخدام وسوء الاستخدام ، فيقول سبحانه شارحا ذلك بقوله تعالى .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، وهنا قرار من الخالق أن نومك مثل موتك تماما ، ففي كلاهما تغادر الجسد ، ولكنك في الموت لا تستطيع العودة له مرة أخرى ، وفي الحالتين يتوفى الله النفس ، والتوفي معناه التواجد في مستوى حياة مختلف له قوانين مختلفة تماما ، تختلف عن قوانين التعامل مع الأحياء ، ولكن متى دخلت الروح للجسد ، ومتى دخلت النفس ، وكيف يكون وصف اكتمال الخلق للإنسان .
يبدأ خلق الإنسان من التراب ، والخلق هنا ليس للنفس ، ولكن للجسد (المطية) التي سوف تدخلها وتستخدمها النفس ، فالوالدين يأكلان الطعام كله من نتاج طين الأرض نباتا أو حيوانا أو طيور أو أسماك ، فكلها تحيا على نتاج طين الأرض .. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ }المؤمنون12 ، بل حدد الله بداية الخلق من الطين .. {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ }السجدة7 ، وتبدأ عملية الخلق في الجهاز التناسلي للذكر فيتكون (حيوانا منويا) حيا (فيه روح) ، انتقلت له من الروح الموجودة بالجسد الأصلي ، ويتكون بالجهاز التناسلي للأنثى (بويضة) حية وقد انتقلت له الروح من الجسد الأصلي ، وليس هذا في الإنسان فقط ، ولكنه ناموس عام على كل مخلوقات الأرض ، فإذا التقى الحيوان المنوي بالبويضة واخترقها تفاعلا سويا وبدأت عملية الانقسام والنمو تبعا لمخطط متكامل متطور ، يبدأ بخلايا بسيطة تنقسم وتتضاعف ، ثم تتحول لخلايا معقدة ومختلفة تشكل خلايا الأجهزة المختلفة وخلايا الأعصاب والعظام ، وسرعان ما يتطور المخلوق الجديد عبر مراحل يسميها الله أطوارا .. {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً }نوح14، لاختلاف كل طور في تكوينه وشكله عن الطور الذي سبقه ، حتى يصل في نهاية الشهر الرابع للحمل إلى جسد إنسان كامل ، ويصبح جاهزا لاستقبال مستأجره (النفس) ، ثم … ببداية الشهر الخامس للحمل يبدأ المخلوق مرحلة خلق جديدة مختلفة عن كل المراحل السابقة ، وهو ما يقوله سبحانه .. {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، وهو ما تقوله الأم بأن جنينها قد تحرك ، وهو ما يقوله علماء الأجنة بأن الجنين انتقل من مراحل خلق ساكنة منتظمة إلى مرحلة خلق إرادية ، فأصبح للجنين إرادة ولمخه مجالات مغناطيسية جديدة ومرتبطة بحركاته ، والحقيقة أن الله قد (أنشأ) النفس (أصل الإنسان) في الجسد الجديد بعد اكتمال أطوار خلقه ، وهي عملية معجزة تتعرف فيها النفس على الجسد للمرة الأولى ، فعند هذه اللحظة فقط قد أصبح الجنين إنسانا .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
