رمضان .. بين الفهم والتدبر (2) …. بقلم : جمال عمر


استعرضنا سابقا .. الفارق الكبير بين الكتاب .. والفرقان .. والقرآن العظيم ، وعرفنا أن الله قد شاء إنزال كتابه كاملا (الفرقان + القرآن العظيم) بعد اكتمال رشد البشر ، وأصبح الميراث التاريخي لنفوسهم يتحمل حدود وتكاليف الله كاملة ، وعرفنا أن البشر كعادتهم قد انحرفوا وضلوا وأضلوا أنفسهم ، بادعاء أن الكتاب هو القرآن وهو الفرقان ، ثم ركزوا على الفرقان (آيات الفروض والحدود والمعاملات) ، وادعوا كذبا أنها الدين وأنها العلم الشرعي المقدس ، وهجروا القرآن العظيم (آيات العلوم البحتة والخلق) واعتبروها متشابهات ، رغم أنها تمثل أكثر من نصف الكتاب ، فكانوا أشد من إبليس كفرا بقيومية الله عليهم ، لظنهم أنهم أكثر علما بدين الله من آيات الله ، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ }الأنعام21 ، أو لنقل أن أقلهم جرما .. هم من أشركوا بنفوسهم وأهواءهم مع الله .. {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }الجاثية23 ، وللأسف أن هؤلاء ليسوا قلة ولكنهم كثير ممن أغلقوا عقولهم وقلوبهم وأنكروا آيات الله وتجاهلوها .. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً }الكهف57 ، واكتفوا بل وعظموا واعتزوا بما نقلوه عن آباءهم واجدادهم من ضلال وبهتان في دين الله ، {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ }الشعراء74 .

ورغم أن الله يسوق لهم الآيات تباعا ليستقيموا وليعودا للحق ، كما حذرهم في كتابه .. {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }النمل93 ، إلا أنهم كما يبدو غشيتهم الحماقة وظنوا أنهم لو أغلقوا عيونهم وقلوبهم وتجاهلوا آيات الله ، فلن يكتشف أحد جرمهم ، وكأن الله لا يراهم ولا يعلم مكرهم ، حتى من يلقبون برجال الدين ، لا يرون الدين إلا فيما ورثوه من أنصاف علوم فصدق فيهم جميعا نبوءة الله وقوله الحق .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 ، وليس هذا بجديد فالبشر هم البشر منذ آدم وحتى اليوم حيث احترفوا إساءة استخدام أهم وأبرز هبات الله الفطرية لهم وهي هبة الإبداع التي منحهم الله إياها لتعينهم على إعمار الأرض ، وكان أول إساءة استخدام لها ، بتزوير مفاهيم الدين عبر تاريخهم منذ آدم ، فاختفت أوراق إدريس ، واختفت مزامير وزابور داوود ، واختفت التوراة ومن وراءها الإنجيل ، وألفوا توراة وتلمود يوافق أهواءهم ، ثم ألفوا أناجيل تجاوز عددها المئات ، والتي أعدمها وزير قسطنطين الرابع اليهودي (حيرام) وأخرج لهم أربعة أناجيل طمست حقائق الإنجيل كاملة ، وهي التي ما زالت نصوصها العبثية المزورة مسيطرة حتى الآن .

أما عن القرآن .. فقد حفظه سبحانه وتعالى من التزوير وتحدى سبحانه البشر أن يستطيعوا تزوير حرف منه ، بقوله تعالى .. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9 ، فلم تجد شياطين الإنس والجن وسيلة سوى تزوير مفاهيمه الأساسية كاملة ، وحتى لا يفتضح تزويرهم أغلقوا أبواب الفهم والعقل والتدبر في جميع آيات القرآن العظيم (آيات الخلق والعلوم البحتة) ، وأعلنوا أنها متشابهات ومن يقتربون منها فهم في قلوبهم زيغ  كما يقول سبحانه … {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ }آل عمران7 ، واعتبروا محاولة فهمها زندقة وفسق تستحق السجن والتعذيب ، فمات علماء كثيرون في السجون كالخوازمي والفارابي وابن الهيثم وابن رشد وابن سيناء وغيرهم كثيرون ، وتسلل علماء اليهود إلى أروقة الحكم والعلم وهم الذين أسلموا بهدف واحد وهو تدمير مفاهيم الدين ، والحقيقة أنهم ما فعلوا شيئا كبيرا ملحوظا ، ولكنهم وضعوا السم في العسل ، فأخرجوا للمسلمين كتبا تدعي زورا .. أن العبادة هي في أداء المناسك والفروض ، فأشاعوا أن (الصلاة والصيام والزكاة والحج وذكر الله) هي العبادات ، وهكذا قسموا كتبهم وعلومهم وما زال هذا الفكر مسيطرا ويدرس بتقسيماته وضلال الادعاء داخل أروقة الأزهر وخارجها .

وليس عجيبا أنك لو سألت أي عالم دين ولو كان شيخ الأزهر ما هي العبادات ، فسيقول لك أنها (المناسك والفروض) ، وعندها لابد أن تسأله ، إذا كانت العبادات هي (الصلاة والصيام والحج والزكاة وذكر الله) ، ومن يؤديها فهو عابد لله لأنه يؤدي العبادات ، فلماذا يسمي الله الكافرين بلقب (عبادي) في كثير من آياته مثل قوله تعالى .. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ }الفرقان17 ، ولماذا يسميها الله مناسك بقوله تعالى .. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ }الحج67 ، وقوله تعالى .. {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }البقرة128، ولن يجيبك أحد بخلاف التسويف والتأتأة ، لأنهم لم يعتادوا تشغيل عقولهم ، فهم نقلة علم وقد أغلقوا عقولهم وقلوبهم واعتبروا ما توارثوه من علوم مبتورة هو قمة العلم في دين الله ، وتجاهلوا أن الله يلومهم أكثر من سبعين مرة في كتابه العزيز بقوله تعالى .. (أفلا يعقلون) ، (أفلا تعقلون) ، وأخيرا بقول شديد الوضوح والبلاغة ..  {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }محمد24 ، وإليهم نسوق الأدلة التالية …

العبودية لله مثل أي شيء خلقه الله في الدنيا ، يتكون من ركنان أساسيان ، الأول وهو الأهم هو مهمة العبودية التي خلق الله ابن آدم من أجلها ، والركن الثاني وهو مراسم العبودية ، والمراسم هي مناسك العبودية والخضوع لله ، والغرض من فرض هذه المناسك هو الحفاظ على استقامة ابن آدم في آدائه للمهمة التي خلقه الله من أجلها ، والله يقول .. {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }الذاريات56 ، ومن يؤدي مهمة العبودية فهو عابد (فاعل للعبودية) ، وجمع العابد هو (عباد) ، ومهمة العبودية التي خلق الله ابن آدم من أجلها هي إعمار الأرض كخلفاء عليها ، وقالها سبحانه قبل خلق آدم .. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً .. }البقرة30 ، ثم أوضح للبشر مهمة الخليفة بقوله تعالى .. { .. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ }هود61 ، (استعمركم) أي كلفكم بمهمة إعماره الأرض ، وهي المهمة التي كرم الله بني آدم من أجلها ، بل هي المهمة التي جعلها الله فطرة في نفوس كل بني آدم ، ومن أجل جلال هذه المهمة سخر الله الملائكة لبني آدم (تسجد لهم – تدعو لهم – تستغفر لهم – تحفظهم من أمر الله) ، ولذلك فرض الله أشد عقوبة على الإطلاق لمن يتعمد الإفساد في الأرض ، بل اعتبر الإفساد بمثابة "إعلان الحرب على الله" ، وهو ما ذكره في آية الحرابة .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، بل وجعل سبحانه العقوبة مزدوجة في الدنيا والآخرة ، وأمر عباده بتنفيذها وجوبا ، وهو ما لم يفرضه حتى في الشرك أو الكفر أو أية جريمة أخرى .

أما عن المناسك كما سماها سبحانه ، فقد فرضها الله لتحافظ على استقامة ابن آدم في آدائه مهمة العبودية الحقيقية التي خلقه الله من أجلها وهي (العبادة الحقيقية) ، وذكر سبحانه وتعالى ذلك تفصيلا في ذكر كل منسك منهم ، فقال في الصلاة وفي ذكر الله .. { … إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }العنكبوت45 ، وقال في الصيام … {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183 ، والزكاة والصدقات .. {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا .. }التوبة103 ، وقال في الحج قال سبحانه .. {وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ .. }البقرة203 ، بل ولم يفرض الله على بشر أن ينفذ عقوبة لمن يترك المناسك أو حتى من ينكرها ويكفر مثل من يفسد في الأرض ، لأن مسألة الكفر والإيمان لها تقديرات وحسابات أخرى سنذكرها لاحقا بالتفصيل .

وهكذا تحول المسلمون الذين كانوا علماء عاملين سادوا الدنيا بالعلم والكد والكدح في أقل من مائة عام إلى دراويش مضللين ، أهملوا العلم وتركوا إتقان إعمار الدنيا ، وادعوا كذبا مثل من سبقهم أنهم أولياء الله وأحباؤه ، والله منهم براء ، وركزوا على تفاسير آيات الفرقان (الفروض والحدود والمعاملات) فاختلفوا فيها وانقسموا إلى ثلاثة فرق رئيسية هي (الصوفية – الشيعية – السنية) ، والتي انقسمت من داخل كل فرقة لجماعات وفرق حتى تعدت السبعين فرقة وجماعة ، يكفر بعضها بعضا ويقتل بعضها بعضا وباسم الدين ، وما زال الجميع مصرا على تصديق أكبر تزوير تاريخي بأن العبادة في المناسك ، ومصرا على هجر أكثر من 50% من كتاب الله ، وهي الآيات التي أنزلها الله لتضع حدود كل العلوم البحتة لتعين ابن آدم على إعمار الأرض ، وتفرغ المسلمون ليكونوا أربابا يكفرون هؤلاء ويفسقون آخرين ويدعون أنهم أهل الله وخاصته وأصحاب الجنة ومن يملكون مفتاحها ، ولو أنهم درسوا آيات الخلق وعلومه في القرآن العظيم لعلموا حجم الجهل المهول الذي يتحدثون به وهو ما سوف نتناوله لاحقا ..

                                                                                                         جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *