وقفة مع النفس والحياة(1) …. بقلم : جمال عمر


أن تحيا فهو ليس قرارك الشخصي ولا تملك فيه حق الاختيار ، فأنت قد جئت للدنيا بقرار إلهي كتب لك عمرا بدايته ولادتك والتي سبقها قرار إلهي أيضا بالتقاء رجل بامرأة ليتكون جنينك في بطنها حتى تحين لحظة ولادتك ، لتبدأ رحلة أنت لست صاحب القرار فيها ، حتى لو تخيلت عمرك كله وبعد اكتمال رشدك أنك تملك قرارات حياتك ، فالحقيقة المجردة أن ظروف ومعطيات حياتك بما فيها طريقة تكوين فكرك وعقلك ومشاعرك وآمالك التي تفرض عليك اتخاذ قرارات بعينها هي مجرد معطيات خارجة عن إرادتك ، حتى شهواتك النفسية ورغباتك ترتكز دوما على مؤثرات خارجية توجهها بما يتناسب مع معطيات الحياة من حولك ، فأنت بحساب البشر البعيد كلية عن مشيئة الله لا تملك من قرار نفسك شيئا ، ولكنك بالفطرة تسعد بخداع نفسك أنك صاحب القرار والكلمة في حياتك وأحيانا في حياة الآخرين .

كثير منا قد يسأل نفسه يوما ما .. لماذا جاء للدنيا وما هو الهدف من حياته ؟؟ ، ولكنه غالبا ما ينسى السؤال قبل أن يجد له إجابة ، فماكينة الحياة سوف تبتلعه بأفكاره وأسئلته وتنسيه ربما اسمه وما حوله ، خاصة في زخم عصرنا الحالي ، حيث نواجه كما ضخما من المعلومات مه سرعة تدفق عالية للأحداث من مختلف بقاع الأرض وهذا الزخم كفيل بأن يفقد أي إنسان أية قدرة على استيعاب أو فهم أو تفسير معان ما يدور حوله ، أو كما يتبادر لذهني دوما "الواحد ما بيلحقش يستطعم" ، فتخطفنا دوامة الحياة لندور بلا قدرة على التوقف أو الاعتراض ، ولا يشعر بهذا كثيرا إلا المعاصرين ، وهم من ولدوا في زمن هاديء قبل سبعينات القرن الماضي ، حيث كانت سرعة تداول المعلومات تساوي صفرا كبيرا مما نعانيه اليوم ، فمثلا .. كان من الأفضل أن تسافر من القاهرة إلى بلدك في الدلتا أو حتى في الصعيد عشرة ساعات بالقطار لتطمئن على ذويك بدلا من الانتظار في سنترال التليفونات لتطلب رقما لتليفون في بيتكم مثلا أو في دوار العمدة ، حيث كان تليفون القرص الدوار هو قمة التكنولوجيا وفي بيوت علية القوم ، وقد يأتيك الرد على الرقم المطلوب بعد خمسة أو عشرة ساعات ، ثم لا تسمع شيئا من سماعة التليفون العظيمة بسوادها ووزنها المعتبر ، إلا صرخات وبعض خروشة أو ضعضة وطقطقة وحروف متناثرة ، وهو ما يتطلب أن تكون عبقريا في حل معان الحروف المتقاطعة لتتصيد فهم جملة مفيدة من محدثك ، وغالبا ما يخبرك عامل السنترال أن الخط به أعطال قد تستمر أسبوع أو شهر ، فترسل تلغرافا ربما لا يصل ، فتستسلم لإرسال خطاب سوف يصل في خلال أسبوع وربما شهر أو قد لا يصل مطلقا ، ورغم هذه المساويء التي كنا نعانيها ونشكوا منها ليل نهار إلا أننا لم نكن نعلم أنها عين الرحمة بنا كبشر ، لا نملك سوى طاقات محدودة في استيعاب وفهم والتعامل مع ما يدور حولنا .

ولكننا اليوم .. ودون أن ندري .. وجدنا أنفسنا في زمن تستطيع فيه أن تكلم أخاك أو ولدك في أمريكا أو الخليج (فيديو كول) ، فتراه ويراك ، بل وتشاركه بعضا من حركة حياته ومناسباته عبر تطبيقات تكنولوجية متسارعة التقدم ، وهو ما يجعلك ترى أحداث شوارع نيويورك لحظة حدوثها ، وهو ما نصفه بأن العالم قد أصبح "قرية صغيرة" ، وهذا شيء جميل يتوافق مع فضول الإنسان للمعرفة ومواكبة غيره من البشر والأحداث في العالم ، ولكن هذا رغم إبهاره واستحواذه على الاهتمام المغلف بالتشويق يعد من أخطر معطيات الحياة على النفس البشرية ، لسبب واحد وبسيط ، وهو أن هذا التراكم السريع للمعلومات والأحداث يسبب الارتباك النفسي المزمن والذي تفقد معه القدرة على التمييز والتدبر واتخاذ القرار الصحيح في أي شيء على الإطلاق ، لأن هذه السرعة والكثافة العالية للمعلومات تجعلك ضعيف التركيز سطحي الاهتمام وعشوائي الانتباه ، وبالتالي ضعيف الفهم لأي حدث ، فلا وقت لديك لاستيعاب ما يحدث وفهم معانيه ومدى حاجتك له ، وتأثيره عليك وعلى مستقبل حياتك ، فأصبح الإنسان المعاصر (مسلوب الإرادة) مدفوعا بمعطيات الحياة وتسارع وتيرتها ، لا يعرف هل يسابق نفسه أم يسابق الزمن لمواكبة تدفقات أحداث حياته وما حولها ، ولو أدرك الإنسان الحقيقة لتبين له أن الغالبية العظمى مما يشغل الإنسان ويخطف نفسه يمكن الاستغناء عنه بمكاسب أكثر مما يتخيلها الإنسان .

حقا .. كما يقول العلماء أننا نستخدم أقل من 10% من قدرات عقولنا ، ولكن كم وسرعة المعلومات بتنوعاتها تحدث في العقول المستقبلة ارتباك ينتهي بالذهول والاستسلام لمجريات الأحداث ، ولا نتوقف إلا عند مواجهتنا لحدث كبير وغالبا ما يكون مرعبا أو مذهلا أو مؤلما ، وساعتها فقط ربما نتوقف قليلا بما يسمح لنا استيعاب المشاعر والأحاسيس ، وسرعان ما نتجاوزها لنعود للهث والجري بالعقول والنفوس والأجساد في دوائر عجلة الحياة ، فنهمل ما يسقط من ذاكرتنا سهوا أو عمدا سواءا لعدم إدراكه أو لعدم وجود الوقت للتعامل معه ، ولذلك نادرا ما تجد اليوم من يعرف كيف يحب أو يعشق أو يعبر عن مشاعره بصدق ، أو يتعامل بحنان مع أقرب الناس له ، فماتت مشاعر وأحاسيس كثيرة بين البشر ، خاصة بين أفراد العائلة الواحدة والتي غالبا ما تراها اليوم ربما يجمعها مكان واحد للاسترخاء في أجازة أو يوم عيد أو على شاطيء البحر ، ولكنك سوف يفجعك أن الغالبية العظمى منهم محشورا بعيناه ورأسه بين شاشة محموله أو التابلت ، ولا يدري شيئا مما حوله ، بل وصل الحال أن بعض الأزواج احترفوا الحديث وهم على أريكة واحدة في بيت واحد عبر "الواتس أب" ، وهو ما يمثل قمة العته النفسي والاجتماعي بل والأخلاقي ، لأنك بهذا تستهين كثيرا بنعمة التواجد والتواصل الملموس المحسوس مع شريك حياتك أو أسرتك .

والكارثة لو أضفت سوء استخدامنا للتكنولوجيا بداية من أطفالك الذين اعتادوا على التابلت والمحمول وممارسة اللعاب بها لساعات طويلة ، وينتقلون منها لبرامج الفضائيات ، أو للبديل التلقائي باللعب العنيف وتقليد كوارث الألعاب ودراما الفضائيات ، فقط لتستريح الأم من روشة ودوشة الأبناء ، ولن تعرف حجم الكارثة إلا بعدما يشب الأطفال ويصلوا لسن المراهقة ، فتتفاجأ بمخلوقات غريبة أنانية ضيقة الأفق تيتميز بالغباء النفسي والاجتماعي والبرود وعدم الإحساس والقدرة على الفهم أو التعامل مع من حولهم ، والكارثة أن هذه النوعية دوما ما تكون ضعيفة الاستيعاب تحتاج لمدرس خصوصي في جميع سنوات دراستها ، كسولة لا تصحو من نومها إلا "بالجزمة" ، ولا يستيقظ في الأجازة قبل آذان العصر ، ولا ينام إلا بعد شروق الشمس ، وبعض الوالدين سعيد ويشكو لغيره من هذا ، وكأنه يتباهى أنه يربي في بيته مخلوقات معتوهة لا خير فيها ، ضحية غباء سوء استخدام وفوضى التكنولوجيا .

ولا شك أن من أبرز علامات هذه النوعيات من الأبناء والبنات هو انعدام الإحساس والتقدير ، فالأبناء اعتادوا من صغرهم أن يجلسوا بحرية لدرجة الوقاحة والتجاهل لسلوكيات الأدب والاحترام في وجود الوالدين أو الأكبر أو الضيوف والغرباء في البيت ، فماما ترى منذ ولادتهم أن الأبناء "واخدين راحتهم في البيت" ، مثل هذه النوعيات سوف تفجع والديها بسقطات فشلها ومشاكلها المتوالية ، ونحن نتعجب كيف نشأ ولماذا أصبح هكذا ؟؟ ، ونتناسى أن استسلامنا لسوء الأدب الغربي في التربية ، والذي استباح أن ينادي الأبناء للوالدين باسمائهم المجردة ، وبالتالي فلا عبي ولا حرام أن تعتاد البنت الشابة أن تذاكر أو تشاهد التليفزيون ممدة كيفما تريد وبأية ملابس أمام أي أحد ، هو ما كان نتاجه تلك المسوخ الآدمية الغبية المتنطعة والتي تحسبها أبناءك ، ولو سلم الله واستطعت بكل ما تملك من مال وجهد وعويل ودم ودموع أن تمنحأمثاله شهادة جامعية ، ثم وظيفة تعبت كثيرا لتحصل له عليها ، فلن يستمر كثيرا قبل أن يستقيل بحجة أنها مش طموحه أو مديره غبي لا يفهمه أو لكثير من الأسباب التي سوف تبهرك وتصيبك بالضغط والسكر وربما الجلطة سريعا ، فإذا أستكملت واجبك فزوجته وهذا سيحدث لا محالة فقد عودته أن تتحمل عنه مسئولياته ، فقد أضفت عاهة جديدة للمجتمع ، لأنه فاشل من البداية في تحمل مسئولية نفسه ، فكيف سيتحمل مسئولية غيره ، فتساهم بزواجه في زيادة المشاكل والقضايا الشخصية والاجتماعية بعاهة جديدة أضفتها أنت منذ سنوات طويلة مضت ، فقط باستسلامك لدوامة عجلة الحياة .

كل هذا سيحدث … نعم وأكثر من هذا ، فأنت ودون أن تدري أصبحت ترى ولدك الشاب مرتديا بنطالا ساقطا ولا تجرؤ على منعه أو نصحه رغم علمك أن هذا البطال قد تم حظره في الأماكن العامة في أوروبا لأنه تقليد للشواذ المغتصبين في سجون أوروبا وأمريكا ، وكذلك اعتدت أن ترى ابنتك وزوجتك وأختك ترتدي بنطالا ضيقا يفصل كل مفاتن أنوثتها كأنها عارية تماما ، ولا تجرؤ أو تستحي من الله أو يتحرك في نفسك لمحة رجولة أو نخوة أو مروءة لتمنع هذا الفحش والعهر النفسي ، بل تباركه بصمتك وربما ابديت إعجابك استكمالا للفساد الأخلاقي والمجتمعي والديني ، ثم بعد كل هذا الفساد في تربية البنات والأولاد نتساءل .. لماذا أصبحت معدلات الطلاق للأزواج الشباب تزيد عن 75% في العام الأول ، ولماذا أصبح من المعتاد سماع قصص الخيانات الزوجية والعلاقات المحرمة ، ولماذ ارتفع سن الزواج لما يقرب الأربعين ، ولماذا تفشت الجرائم الاجتماعية وظاهرة الأم المعيلة والأم العزباء ، والأب الهارب من أسرته أو الأم الهاربة من زوجها أو القاتلة لأطفالها ، في مختلف المستويات الاجتماعية والأدبية دون تفرقة ، ولن نتورط في واجبات الدولة والإعلام والمؤسسات ومصاعب الحياة وصعبانيات الدراما المنطقية ، فالأمر أولا وأخيرا يتوقف عندك ، فأنت صاحب المشكلة وأنت صاحب القرار مع نفسك ، ولا أحد غيرك سوف يشاركك نجاحاتك أوجرائمك مع نفسك وأهل بيتك ولن يبارك أو يلعن الله سواك ، وفي النهاية لن يشاركك احد معاناتك وسقطات نفسك ومآسيها.

وبالتالي فلن يصلح حالك مخلوقا سواك ، ولن يحك جلدك مثل ظفرك ، لأنك الخصم والحكم والجاني والقاضي ، وإن لم تستطع إجادة لعب الدورين معا ، فلا تضع أملك كثيرا فيما هو قادم من حياتك ، فما تزرعه اليوم تحصده غدا ، ولكن قبل أن تعرف ما عليك فعله ، لابد وأن تدرك وتفهم جيدا ، ما هي وظيفتك في الحياة ، أو ما نسميها الاستراتيجية البشرية ، فلست خروفا نهاية استراتيجية حياته أن يذبح في عيد الأضحى ، أو أحد ذكور النحل في موسم التزواج تقتله الملكة لو استطاع الفوز بتلقيحها ، ولست عنترة ابن شداد تحيا عمرك من أجل الفوز بعبلة ، ولست نبيا مهمتك تبليغ رسالة ، ولا امبراطورا مهمته حكم البلاد والعباد ، ولا أنت ذلك التافه التائه المتخبط في جدران دروب حياته بلا هدف تدفعه جموع البشر في طريقها أينما يذهبون ، وهو لا يدري لماذا ، فتأكل وتشرب وتحيا مستمتعا فتمارس تنفيذ رغبات وشهوات قد استطاعتك ، وتؤدي بعض واجبات أنت مرغم عليها مثل غيرك دون أن تعرف ماذا ولماذا ، بل يجب أن يعرف كل إنسان ما هيى الاستاتيجية البشرية التي جاء للدنيا لتنفيذها ، وبالتالي فما هي مهمته الحقيقية التي يجب عليه تنفيذها ، وكيف يعد نفسه لبدء تنفيذها ، وكيف يتقن تنفيذ مهمته ، بوعي وحكمة حتى لا يكتشف يوما عاش حالما بالسراب ولم يجن من حياته سوى الخراب .

من أجل هذا سوف نتوقف قليلا عند بعض أهم محطات الاستراتيجية في الحياة الدنيا من مختلف المناظير البشرية ثم نعود للمنظور الإلهي الحقيقي لحياة البشر ، وهو بالقطع ليس هذا الذي يدعيه تجار الدين وجهابذة الفرق والجماعات ، ولا حتى ما يشيعه رجال الدين أو من نسميهم كهنة الأديان ، ولا ما يروج له كهنة الماسونية في العالم ، فالموضوع رغم أنه يبدو معقدا إلا أنه أبسط من كل هذا وحلوله الحاكمة أبسط مما يتصور الإنسان وتستلزم منه أولا أن يعرف ماذا ولماذا ، ثم ما الخطوات البسيطة التي يمكن اتباعها في ممارسة الحياة لتصل بالإنسان لتحقيق أهدافه الجميلة والعظيمة في إطار الاستراتيجية الرئيسية للحياة على وجه الأرض ، فناطحات السحاب والأهرامات قد بنيت طوبة بعد طوبة ، ولكنها جميعا تبنى بمنطق واحد "أين وكيف ومتى" تضع كل طوبة فوق الأخرى ليكتمل البناء المنشود والرائع للحياة .. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا بإذن الله .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *