استعرضنا من قبل تزوير مفهوم الدين الشامل وتحويله من قناعات نفسية تتحكم في أسلوب ممارسة الإنسان لحركة حياته إلى مجرد "مظاهر ومناسك" لكسب الحسنات بالتقرب لله ، ومنه تم تزوير مفهوم العبادة عن مفهومها الحقيقي والذي هو "أداء مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها وهي إعمار الأرض كخلفاء لله عليها بالعلم والعمل" ، وحصرها زورا وبهتانا في مناسك (الصلاة والصيام والزكاة والحج وكر الله) ، والتي هي ليست بالعبادات أصلا ولكنها مناسك فرضها الله لتحافظ على استقامة الإنسان في أداء العبادة الحقيقية (إعمار الأرض) .
ثم توقفنا عند أخطر وأبرز صفة فطرية ميز الله بها البشر عن غيرهم من المخلوقات ، وهي صفة (الإبداع) أو التي نعرفها بـ "الرغبة الفطرية للإتيان بالجديد" ، والتي تظهر في رغبة كل إنسان أن يأتي بجديد لم يفعله غيره ، وعلمنا أن الله منح الإنسان تلك الهبة .. لتعينه على تنفيذ مهمة عبوديته (العبادة) وهي "إعمار الأرض كخليفة لله عليها" ، ورأينا كيف أن روعة "الهبة" وأهميتها قد جعلت من سوء استخدامها أهم أسباب فشل الإنسان وفساده على الأرض ، وكان أسوأ استخدام لها في تزوير المفاهيم الأساسية للحياة والواردة في الكتب السماوية وآخرها القرآن الكريم .
ثم استعرضنا كيف سقط البشر في الفهم الخاطيء لمفهوم الأمانة ، والتي ذكرها سبحانه في قوله تعالى .. {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }الأحزاب72 ، وعرفنا أن الأمانة هي .. "حرية الاختيار" في تنفيذ مهمة العبودية ، فالإنسان قد تحمل مسئولية أن يكون له القدرة على يختار بين "أن يفعل أو لا يفعل" ، فأصبح مؤتمنا على تنفيذ مهمته بإرادته الحرة ، وهو ما يعني أنه مؤتمن على كل نواياه وحركاته وسكناته في حركة حياته ،وسوف يسئل عنها ويحاسب عليها ، وبذلك يكون الإنسان قد ظلم نفسه بتحمله ثقل الأمانة ، وجاهلا بقدرته على تحملها .
وعرفنا أن الإنسان "مخير" فقط في نواياه ، و "مسير" في كل ما يحدث في الدنيا ، فهو يملك فقط صياغة وتحديد نواياه ولكنه لا يملك أن ينفذ منها شيئا ، حتى "أقواله وحركاته وسكناته" لا يملك الاختيار في فعلها ، إلا لو كانت قد قدرها الله وكتبها له أو عليه كما يقول سبحانه .. {.. إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }الطلاق3 ، بل ويقول سبحانه .. { .. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 ، ورأينا كيف حسم الله هذه القضية بقوله .. {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }النحل1، حيث اعتبر سبحانه ظنك أنك قادر على فعل شيء دون مشيئة الله شركا به ، ثم فسر هذا في سورة السجدة بقوله تعالى .. {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 ، فكل ما يحدث قد تم تدبيره وحسمه قبل وقت حدوثه بخمسمائة سنة (وهو زمن نزول الأمر من لحظة صدوره حتى يحدث على الأرض)، ولذلك يقول له سبحانه .. {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ، إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً } الكهف 23- 24 ، ولذلك فالإنسان مسئول عن نوايا نفسه ، وهي التي يحاسبه الله عليها ، فللنفس ما "كسبته" حلالا منها ، ومحسوب عليها كل ما "اكتسبته" حراما وليس لها حق فيه ، فيقول سبحانه .. { .. لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ .. } .
واليوم نتوقف قليلا عند الادعاء المزمن لكل البشر بالخصوصية والأهمية ، فكل منا يظن أنه أفضل من غيره ، ودعونا نتذكر سويا أنه فطرة طفولة النفس البشرية ، فطفلك دوما يريد أن يستمتع بكونه المميز بين إخوته وأقرانه ، ولكن من الغباء وفساد التربية أن لا يقوم الوالدين هذه النزعة الأنانية في نفوس الصغار ، فتتفاقم النزعة في النفوس وتتحول لصورة مجتمعية عبر التاريخ البشري ، فترى اليهود يقولون "نحن شعب الله المختار ، وأحباءه وخاصته ، ثم يتمادون في ضلالهم فيدعون أن كل البشر عدا اليهود هم حيوانات خلقها الله على شكل البشر "اليهود" ليكونوا خداما لهم ، وبالتالي فأموال كل البشر وأعراضهم ودماءهم وأراضيهم هي ملكا لليهود "البشر" وحدهم ، وتبعهم المسيحيون (النصارى) وادعوا كذلك أنهم وحدهم أبناء الله وعياله وأحباؤه ، وهم وحدهم أصحاب الجنة ، ومن لا يؤمن بما يؤمنون به فهو من الهالكين في النار حتى قال الله فيهم .. {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }البقرة111 ، ثم تبعهم المسلمون وادعوا كذبا أنهم وحدهم أولياء الله وأحباؤه ، وأنهم وحدهم أهل الجنة والشفاعة ، ولن يدخل الجنة إلا من قال "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ، رغم أن الله حذرهم بقوله تعالى .. {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }البقرة113 ، وادعى المسلمون أنهم سيدخلون الجنة مهما فعلوا وكفاهم أنهم يقولون "لا إله إلا الله" ، رغم أن الله كذبهم وحذرهم في قرآنهم بقوله تعالى .. {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ، بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }البقرة81 ، 82 ، ومثلهم كثير من الديانات حتى الملحدون يظنون أنهم أهل الذكاء والفهم وغيرهم من أصحاب الأديان والملل أغبياء وأسرى للأوهام .
ويقول سبحانه في آخر دستور له "القرآن الكريم" .. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13 ، وهنا نرى أن كل البشر عند الله سواسية ، فكلهم خلقه وعبيده وعياله ، ويحبهم جميعا ويغار عليهم جميعا ، المسلم والمسيحي واليهودي والملحد والمشرك ، لأنهم جميعا لم يخير أحدهم (يكون له اختيار) في والديه ولا أهله ولا المجتمع ولا الدين الذي يدين به أهله المولود بينهم ، ولكنها حكمة الله ومشيئته ، فسبحانه قد شاء أن يكون البشر مختلفين ، ، وأنه سبحانه سيحاسب كل منهم على قدر ما آتاه من علم ورزق ومعطيات حياة ، وطلب منهم شيئا واحدا ، أن يتنافسوا في الخيرات ، ولا يتصارعوا بسبب الاختلاف ، وأنه سبحانه سوف يحكم في اختلافهم يوم القيامة ، فقال لهم جميعا .. { .. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48 ، بل إن الله وعد كل منهم أن يمنحه في حياته ما يدرك منه معنى التوحيد لله بقوله تعالى .. {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }النمل93 .
ومنح الله الإنسان حق الاختيار "أن يؤمن أو يكفر" بقوله تعالى .. {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ .. }الكهف29 ، بل إن الله قد سماهم جميعا عباده المؤمن والكافر والمشرك والملحد والصابئ ، جميعهم عباده فيقول للكفرة والمشركين .. {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }الأعراف194، لأن معنى العبودية هي أن الإنسان يؤدي مهمة العبودية وهي الإعمار حتى وهو كافر بالله ، لأن الإعمار للأرض رغبة فطرية للنفوس البشرية كما خلقها الله ، ويرزقهم جميعا دون تفرقة وكافرهم مثل مؤمنهم .. {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً }الإسراء30 ، حتى عند الحساب وثبوت كفرهم يقول فيهم رب العزة .. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ }الفرقان17، بل يأسف على كفرهم بقوله تعالى .. {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون }يس30 ، ثم يحسم المر بقوله .. {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ .. }الزمر7 ، فكل الخلق هم عباده حتى ولو كفروا به ، وهو لا يرضى لهم الكفر وإن ترك لهم الحرية في الإيمان بما يشاءون ولا يحاسبهم عليه في الدنيا .
ولكنه سبحانه حرم عليهم شيئا واحدا في الدنيا ، حيث لا يقبل الله فيه فوضى الاختيار وهو إعمار الأرض ، لأنها المهمة التي خلق الله من أجلها الإنسان من فئة العمار فهي مهمة العبودية التي منحت المؤمين والكافرين سواء لقب "عباد الله" ، ولذلك نجد لا عجب أن الله يعاقب المفسد بالخزي في حياته في الدنيا وثم في الآخرة بعذاب عظيم وهو قوله تعالى .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، ولكنه لا يعاقب الكافر الذي يعمر الأرض إلا في الآخرة وهو قوله تعالى .. {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً }الكهف29 ، لأن إفساد الدنيا يعتبره سبحانه إعلانا للحرب على الله ، وإعمارها هو تنفيذا لمراد الله من خلقه الإنسان ، ولذلك .. فمن يتقن إعمار الأرض يجعله الله سيدا عليها حتى ولو كان كافرا أو ملحدا ، لأن الكفر قد يتحول في لحظة إلى إيمان لو صدق الإنسان مع نفسه عندما تصادفه آيات الله في حياته .
نهاية .. نحن جميعا بشر ، جعلنا الله سواسية عنده وأمامه ، ويحبنا جميعا ويغار علينا جميعا ، وسمانا جميعا (عباده) لأن مهمة عبوديتنا جميعا هي إعمار الأرض ، ونحن فيها سواسية ، ولذلك لا يقبل الله ظلم بشر لبشر مطلقا تحت أي سبب خاصة لو كانت الحجة هي الكفر والإيمان ، التي تركها الله لإرادة الإنسان ، وجعل حسابها فقط في الآخرة وليس في الدنيا ، بل وجعل حسابها حقا أصيلا لله وحده ، فهو علام الغيوب ويعلم ما في القلوب ، بل وجعل ابن آدم حرا أن يؤمن أو يكفر في الدنيا كما يشاء ، لأنه سبحانه لا يقبل إيمانا من بشر رغم أنفه مطلقا ، ولا يقبل الله من ابن آدم في الدنيا سوى اتقان إعمار الأرض بالعمل الصالح ما دام حيا ، بل إنه سبحانه جعل من أول قوانينه في ناموس الحياة على الأرض ، أنه سبحانه يمنح نصره وتأييده فقط لمن كان يحب الخير لغيره من البشر مثلما يحبه لنفسه وأهله ، بغض النظر عن انتمائه أو دينه أو شكله أو ظروف حياته ، وهو ما نراه حقيقة واقعة عبر تاريخ البشر القصير ، فالله ينصر ويرفع ذكرى من لا يميز بين البشر إلا بإتقانهم أعمالهم في إعمار الدنيا ، ولا يسمح أن يتدخل أحد في قلوب البشر وما يؤمنون به ، والأمثلة كثيرة ومتكررة عبر حضارات متعاقبة في شتى بقاع الأرض .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
