من أنت .. ولماذا .. وإلى أين ؟؟؟ (7) … بقلم : جمال عمر


استعرضنا من قبل تزوير مفهوم الدين الشامل وتحويله من قناعات نفسية تتحكم في أسلوب ممارسة الإنسان لحركة حياته إلى مجرد "مظاهر ومناسك" لكسب الحسنات بالتقرب لله ، ومنه تم تزوير مفهوم العبادة عن مفهومها الحقيقي والذي هو "أداء مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها وهي إعمار الأرض كخلفاء لله عليها بالعلم والعمل" ، وحصرها زورا وبهتانا في مناسك (الصلاة والصيام والزكاة والحج وكر الله) ، وعرفنا أن ذلك قد تم تكراره عمدا مع اليهودية والمسيحية وأخيرا مع المسلمين ، الذين سقطوا بعدما سادوا الدنيا بالعلوم البحتة ، وهانوا على الله فأهانهم في الدنيا عندما هجروا القرآن ، وتجاهلوا ما يقرب من 45% من آياته والتي تضع القواعد الأساسية لكل العلوم البحتة واعتبروها متشابهات ، واهتموا فقط بأقل من 3% من آيات القرآن وهي آيات "الفروض والحدود والمعاملات" أو ما يسمى بالفقه ، وبالغوا في تقديسه فأسموه العلم الشرعي ، وألفوا فيه ملايين الكتب ، فاختلفوا فيه وانقسموا لأكثر من سبعين فرقة وجماعة ، تكفر وتقتل بعضها بعضا .

 ثم توقفنا عند أخطر وأبرز صفة فطرية ميز الله بها البشر عن غيرهم من المخلوقات ، وهي صفة (الإبداع) أو التي نعرفها بـ "الرغبة الفطرية للإتيان بالجديد" ، والتي تظهر في رغبة كل إنسان أن يأتي بجديد لم يفعله غيره وعلمنا أن الله منح الإنسان تلك الهبة .. لتعينه على تنفيذ مهمة عبوديته وهي "إعمار الأرض كخليفة لله عليها" ، ورأينا كيف أن روعة "الهبة" وأهميتها قد جعلت من سوء استخدامها هو أهم أسباب فشل الإنسان وفساده على الأرض ، وكان أسوأ استخدام لها في تزوير المفاهيم الأساسية للحياة والواردة في الكتب السماوية وآخرها القرآن الكريم .

ثم استعرضنا كيف سقط البشر في الفهم الخاطيء لمفهوم الأمانة ، والتي ذكرها سبحانه في قوله تعالى .. {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }الأحزاب72 ، وعرفنا أن الأمانة هي "حرية الاختيار" في تنفيذ مهمة العبودية ، فالإنسان قد تحمل مسئولية أن يكون له القدرة على يختار بين "أن يفعل أو لا يفعل" ، فأصبح مؤتمنا على تنفيذ مهمته بإرادته الحرة ، وهو ما يعني أن نواياه وحركاته وسكناته في كل حركة حياته قد أصبحت أمانات سوف يسئل عنها ويحاسب عليها ، وبذلك يكون الإنسان قد ظلم نفسه بتحميلها ثقل الأمانة ، وجاهلا بقدرته على تحملها .

واليوم نتوقف عند سؤال قد حير كثير من البشر والعلماء ، وهو "هل الإنسان مخير أم مسير .. ؟؟" ، وهذا السؤال تحديدا لم يجد من يجيب عليه من قبل إجابة شافية وافية ، وذلك أنهم قيدوا فكرهم ومفاهيمهم بحدود ضلالات مقدسة يرفضون التنازل عنها ، وكانت أفضل الإجابات وأقربها مراضاة للغالبية العظمى "أن الإنسان مخير في أشياء ومسير في أشياء أخرى" ، ولكي نكون منصفين عند التعرض لهذا السؤال ، يجب أن نعرف حقيقة تكوين الإنسان ومهمته في الدنيا وكيفية أدائها ، وكيف يحاسبه ربه ومتى وكيف يكون التعامل معه في حياته وبعد انتهاء أجله في الدنيا .

تعرضنا من قبل لحقيقة خلق الإنسان وعرفنا أن الإنسان مجرد "نفس" ، يمنحها الله وسيلة تعامل مع الحياة على الأرض وهي الجسد الحي (مادة + روح) ، وعرفنا أن الإنسان كنفس لا علاقة له بالجسد الحي "الموجودة فيه الروح" إلا كعلاقة استخدام لفترة حياته ، والتي عندما تنتهي يسترد الله سر الإحياء "الروح" ، ويعود الجسد لأصله كتراب من الأرض ، فأنا وأنت وكل البشر في حقيقتها مجرد نفوس ، وهكذا يتعامل الله مع النفوس "قبل وأثناء وبعد" حياتها على الأرض ، وفي اختصار عملية التقييم والحساب للإنسان يقول سبحانه .. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38 ، فيقول رسوله الكريم .. "إنما الأعمال بالنيات ، ولكل أمريء ما نوى" ، ولم يقل ما فعل (قولا أو عملا) فأنت محاسب على نواياك وليس على أفعالك (أقوالك وأعمالك) ، لسببين ، أولهما أن أساس فعلك هو نيتك التي تتولد من دوافعك وقناعاتك ، وثانيهما .. أنك لا تملك حقيقة سوى النوايا ، وجميع الأفعال والأقوال هي قدر مكتوب لك وعليك ، وسوف تعيشه لتحاسب على نواياك فيه وهو مختصر مفيد في الإجابة على هذه القضية .

"فالإنسان مخير في نواياه" فقط ، ولكنه مسير في كل حركة حياته وما فعله وما سوف يفعله ويقوله ويتعرض له ، بداية من والديه ويوم مولده وشكله ونوعه وتركيبه وخصوصيات وطبيعة جسده وبيئته ودينه وظروف حياته ونهاية بلحظة ومكان موته ، كلها أمور قدرها الله لتعيشها ، ولا حيلة لك ولا إرادة لك فيها ، ولكن .. من رحمة الله .. أنك لو كنت صاحب نوايا طيبة ، فسوف يجري الله على يديك الخير ، ولو كنت صاحب نوايا سيئة فسيجري الله على يديك الشر ، وهذا لا يمنع أنك قد تنتوي خيرا في مرة أو بعض المرات فينقلب شرا ، أو العكس ، وذلك فقط ليذكرك الله أنك لست صاحب المشيئة والإرادة ، وهذا ما تجده في قول الله تعالى .. {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }النحل1 ، فالفعل "آتى" فعل ماض ، يعنيه رب العزة ، فكل ما يحدث في الدنيا هو بالنسبة لتقدير الله فيه هو ماضس قد صدر به الأمر فلا معنى لاستعجاله ، ثم كالعادة يشرح الله هذه الآية في موضع وسورة أخرى هي سورة السجدة بقوله .. {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 ، وهنا يوضح سبحانه أن كل ما يحدث على الأرض ، يدبره الله بتفاصيله قبل حدوثه على الأرض بخمسمائة سنة ، فتحمله الملائكة نزولا ، حتى يحدث على الأرض في لحظته المقدرة ، ثم يعاد تبليغ تمام حدوثه عروجا في السماء في خمسمائة سنة أخرى ، فيكون زمن تدبير الأمر كاملا مهما صغر هو ألف سنة مما نعد على الأرض .

ولذلك يحذرنا الله بقوله تعالى .. {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ، إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً }الكهف23 ، 24 ، ثم يؤكد علينا بقوله تعالى .. {… إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }الطلاق3 ، وقوله تعالى .. { .. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 ، ثم يذكر الله الإنسان بتفرده سبحانه ببداية ونهاية الحياة وكل ما بينهما بقوله تعالى .. {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }غافر68 ، فأنت في الدنيا مسير في كل أفعالك وأقوالك ولا خيار ولا حيلة لك فيها مهما فكرت ودبرت وخططت ، ولذلك لست محاسب عليها .

ولأنك لا تملك سوى النية ، فلو أصلحتها لكان خيرا لك ، وعندما تسيئها وتضمر الشر فقد أسأت إلى نفسك ، فالإنسان محاسب على نواياه سواء أظهرها أو أخفاها ولذلك يقول سبحانه .. {… وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة284 ، وبالتالي لا حجة لبشر أن يدعي أنه لا ذنب له فيما يفعله لأنه مكتوب عليه ، لأن ما تفعله هو عادة ترجمة لبعض نواياك حسنة أو سيئة ، ونلاحظ ذلك أكثر عندما يضمر أيا منا أمرا شرا أو سيئا ويفشل في تنفيذه مرات ومرات ، وقد لا يحدث ، فيستشعر أن الله يمنعه ، وتلك حقيقة فالله يمنع معظم شرور النفوس من الحدوث ، ولذلك يوضح الله أن الفساد على الأرض هو نتاج "بعض فساد النفوس وليس كله" ، لأن الله لا يسمح لكل نوايا النفوس السيئة أن تحدث ، وهو ما يقوله سبحانه .. {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الروم41 ، فالفساد ظهر بما كسبت أيدي الناس ، والأيادي هنا ليست محاسبة ، ولكن النفوس هي المحاسبة ، كما أن الله جعل ظهور الفساد ليذيق الناس "بعض سيئات أفعال نفوسهم" وليس كلها ، ولو سمح الله بتنفيذ كل نوايا النفوس لفسدت الدنيا ، وهو ما لم ولن يسمح به الله ، وهو ما نجده في قوله تعالى .. {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ }المؤمنون71 ، بل يقول سبحانه أنه قدم للإنسان ذكره كاملا في قرآنه ولكن الإنسان يعرض عنه ويتجاهله .

نهاية .. فالإنسان "مخير" في نواياه ، و "مسير" في كل ما يحدث في الدنيا ، فهو يملك فقط صياغة وتحديد نواياه ولكنه لا يملك أن ينفذ منها شيئا ، حتى "أقواله وحركاته وسكناته" لا يملك الاختيار في فعلها ، إلا لو كانت قد قدرها الله وكتبها له أو عليه ، ولذلك فالإنسان مسئول عن نوايا نفسه ، وهي التي يحاسبه الله عليها ، فللنفس ما "كسبته" حلالا منها ، ومحسوب عليها كل ما "اكتسبته" حراما وليس لها حق فيه ، فيقول سبحانه .. { .. لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ .. } ، ولذلك فمن روعة رحمة الله بعباده ، أنك لو نويت نية حسنة ولم يقدر الله حدوثها ، فإنه يكتبها لك حسنة ، ولو نويت شرا ولم يقدر الله حدوثه فسيكتبها الله لك حسنة أيضا ، أما النية الحسنة لو قدرها الله وحدثت فيكتبها لك بعشر حسنات ، والنية السيئة لو قدر الله حدوثها فسيكتبها عليك سيئة واحدة ، وهو ما نسميه حساب الـ (11/1) ، بمعنى أن الله منحاز لك بنسبة (11 : 1) ، رحمة بك وبضعفك وجهلك .

وأخيرا .. يعلمنا سبحانه وتعالى .. أجمل ما ندعوه به في خواتيم سورة البقرة  .. بقوله سبحانه .. { .. رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ … وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا .. } ، ولا ننسى دوما أن الله الذي لا يكلف النفوس إلا ما هو في استطاعتها "وسعها" ، فهو أيضا لا يكلف "أي نفس" ولا يحاسبها إلا قدر "ما آتاهها" من معطيات فيقول سبحانه .. { .. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا .. }الطلاق7 ، ولذلك لو قدر الله أن تولد النفس مسلمة فسوف يحاسبها على كل حرف في قرآنه ، ولو خلقها في بيئة غير مسلمة .. فهو لن يحاسبها إلا على قدر "ما آتاها" ، وتلك قمة العدل وهو ما سوف نتعرض له لاحقا ، لنصحح ضلالات ادعاء كل من المسلمين واليهود والمسيحيين (النصارى) أنهم وحدهم أصحاب الجنة ، وذلك قبل أن نستعرض أفعال الإبداع لله ، والتي تحكم حركة حياة النفوس قبل وأثناء وبعد حياتها على الأرض لنجيب على السؤال الأهم ونزيل به ضلالات مفاهيم البشر حول حقيقة … ( أين تذهب النفس بعد الموت ؟؟) وهو ما سوف نستعرضه تباعا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *