لا شك أن ما يحدث على الساحة الدولية والإقليمية قد يسبب كثير من الحيرة وفقدان الاتجاه ، خاصة لمن يرون الأشياء والأحداث بمنظور اللونين الأبيض والأسود فقط ، وذلك ليس لأن السياسة الدولية مليئة بمختلف الألوان المتدرجة بين الأبيض والأسود فقط ، ولكن لأن السياسة الدولية تتدرج في مستويات من حيث مصداقيتها ، وفي كل مستوى هناك درجات متفاوتة من الألوان المتداخلة ، لسبب واحد بسيط وهو أن السياسة يمارسها البشر بكل متناقضات معتقداتهم وقناعاتهم النفسية والمجتمعية المتابينة بشدة سواء على المستويىن الاستراتيجي أو التكتيكي اليومي أو فيما بينهما .
وكما قلنا من قبل أن هناك دوما ثلاثة مستويات من السياسة الدولية ، الأول والأدنى منها هو ما ترتع فيه كل دول العالم خاصة في مجال المعلن منها ، وفي هذا المستوى تعد معظم الأحداث سواء في تفاصيلها أو أهدافها مخادعة أو محيرة للجميع ، ولابد من التريث كثيرا قبل الانفعال حولها أو معها ، فما نعلمه هو فقط ما تريد قوى بعينها مسيطرة على مجريات الأمور أن يعلمه غيرها ، وأفشل الدول من تصدق وتحاول جعل ردود أفعالها مبنية على مصداقية الأحداث والأخبار المعلنة في هذا المستوى ، ولكن أكثر الدول احترافا من تستطيع أن تكون عنصرا فاعلا في صناعة الأحداث في هذا المستوى ، دون أن يؤثر ذلك على مصداقيتها واستراتيجتها على المدى القريب أو البعيد ولنا أن نسمي هذا المستوى بلغة العسكرية بـ "المستوى التكتيكي" .
أما المستوى الثاني أو ما نسميه المستوى (التعبوي) أو المتوسط ، فهو مستوى المصالح الاقتصادية والسياسية المعروفة للدول ، وهذا المستوى اكتسب قيمته منذ فجر التاريخ الإنساني ويخضع لأطماع البشر في الاستئثار بثروات العالم ، ومعظم النوايا فيه ظلت لقرون طويلة تحاول الأمم إخفاؤها تحت شعارات براقة وأهداف تبدو سامية ، مثلما دمرت أمريكا العراق طمعا في نفطه تحت شعار الديموقراطية ، وفي هذا المستوى تكثر المؤامرات والمناورات لإخفاء حقيقة النوايا والأهداف ، ويظل هذا المستوى متحكما في أكثر من 90% من أحداث العالم حتى يومنا هذا وبلا منازع ، ولا عجب لو فوجئنا بدولة كبرى تعلن صراحة عن مثل هذه النوايا ، (مثلما يعلن "ترامب" طمعه في نفط العرب) ، لأنها بإعلانها ذلك هي فقط تحاول إخفاء أهدافا استراتيجية أكثر خبثا وأهمية في المستوى الأعلى .
أما المستوى الأعلى للسياسة الدولية فهو مستوى الانتماءات والنوايا الحقيقية وهي المختفية والغير المعلنة مطلقا ، وتتعلق فقط بانتماءات ومعتقدات الفرق أو الأمم القاطعة والتي لا تستطيع أن تعلنها مثل إيمان "جماعة النورانيين" ورأس حربتها المسمومة "الماسونية" العليا باستراتيجية (المليار الذهبي) ، والتي من أجلها لابد من تصفية ستة مليار من البشر ليعيش المليار الباقي (الذي يستحق) مستمتعين بثروات الأرض وحدهم ، وهؤلاء يملكون أكثر من 75% من ثروات العالم ويسيطرون على 80% من إعلام العالم ، ولكنهم سياسيا لا يملكون مفاتيح القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية كلها وحدهم بل يشاركهم فيها الصين وروسيا وبعض الدول ، وإلآ لنفذوا عملية التصفية فورا ومنذ عقود مضت ، وفي هذا المستوى يستخدمون النزعات العرقية والدينية لتحقيق أهدافهم ، مثل اعتقاد اليهود الديني بأن باقي البشر (غير اليهود) هم حيوانات خلقهم الله على صورة البشر (اليهود) ليكونوا في خدمة اليهود ، وهؤلاء مستحل دماءهم وأعراضهم وأرضهم وما يملكون ، وكذلك اعتقاد كل المنتمين للفرق المساونية بمختلف طوائفها ونوعياتها بأنهم السادة على غيرهم من البشر ، مثل المنتمين لجماعة "الجماجم والعظام" التي تحكم بريطانيا ، وجماعة "البوهيميا" التي تحكم أمريكا منذ قرون ، وجماعة بيلدربيرج الأوربية ، ثم "أخوية المسيحية" في بعض الدول المسيحية الأوربية والآسيوية بل والإفريقية ، ثم أخيرا "أخوية المسلمين" أو ما نعرفهم بـ "الإخوان المسلمين" المنتشرة في كل الدول المسلمة ، ويضاف لهم بالطبع الجماعات الليبرالية والشيوعية ومختلف جماعات التحرير والثورة في مختلف دول العالم مثل السترات الصفراء في فرنسا ، والنازية في ألمانيا ، والألوية الحمراء في إيطاليا والجماعات الانفصالية في أسبانيا ، وغيرها من الجماعات والفرق المشكلة أو المدعومة بمعرفة قادة الماسونية من أجل السيطرة على الأمم والشعوب وتهيئتها لتنفيذ مخططات الاستراتيجية بالتصفية الكبرى القادمة .
وعلى أرض الواقع .. "مثلا" .. كلنا يعرف أن الخوميني وآيات الله قد تم احتضانهم ورعايتهم في فرنسا لأكثر من عشرين سنة ، لينقضوا على إيران ويصبغوها بالصبغة الشيعية الدينية التي تحمل الصبغة اليهودية منذ نشأتها ، وقليل منا من يعلم جيدا أن آيات الله جميعهم من أصول هندية ويدينون باليهودية كدين أصلي ، بل وتعد إسرائيل وإيران من أكبر الدول في مجال الاستثمارات المتبادلة في العالم ، وتلك أحد أسرار أن سرايا القدس الإيرانية لم تطلق طلقة واحدة ضد إسرائيل ، وبالتالي فكل ما يحدث من تحدي لأمريكا وصراع متباين هو فقاعات هواء لها أهدافها الخفية ، حتى ولو ضربت إيران أهدافا أمريكية ، أو ردت أمريكا فدمرت نصف إيران ، فكل هذا له أهداف ماسونية عليا في المنطقة ، وكذلك يفعل البلطجي الماسوني التركي قردوغان "يهودي الأصل" ، صهيوني الانتماء وماسوني الهوية ، حيث قد حددوا له وظيفة واحدة لا يستطيع الحياد عنها ، وهي شرذمة المنطقة وتفكيكها وصناعة الفوضى فيها وبتعليمات وأوامر محددة ودقيقة وموقوتة من قادة الماسونية ، وبتكلفة تدفعها قطر ، فتكون قمة نجاح الماسونية في تصفية العرب والمسلمين ، باستخدام المسلمين أنفسهم من مختلف الانتماءات لصناعة الحروب وتصفية بعضهم بعضا وبأموال قطرية عربية مسلمة ، ولا عجب أن يصرح "ترامب" بقوله بلا خجل وله كل الحق " أن العرب والمسلمين أغبياء ولا يستحقون ثرواتهم" ، ولا عجب أيضا لو علمنا أنه قد بدأ بالفعل تصفية تركيا وإيران مثل سوريا والعراق لتكونا مؤهلتين للهدم عندما تنتهي مهمة كل منهما المحددة أو يفشلوا فيها .
فلا مجال للتورط في تصديق ما يردون منا أن نصدقه من صراعات على السطح ، أو نصدق أن قردوغان قد قرر أن يكون الخليفة المزعوم ، ويطمع في بسط نفوذه على أي دولة ، فهو مجرد أحد أدوات الحرب والتصفية بالوكالة لدول المنطقة ، وينفذ التعليمات بالحرف الواحد ، وتستخدمه أمريكا أو "بلطجي الماسونية الأكبر" لحفظ حقها في الكعكة الليبية ، مثلما فعل مع الكعكة السورية ، و لابد من الاتفاقات الجانبية لتركيا مع القيصرية الروسية لتجنب تضارب المصالح ، فالكل يلعب لأهدافه الاستراتيجية وأحيانا بقايا الأحلام التاريخية ، وكل هذا على حساب الأغبياء والحمقى في الشرق الأوسط ، ولا شك أن المتابع الواعي سيكتشف أن مناطق الشرق الأوسط هي بؤرة الصراعات المصطنعة في العالم منذ فجر التاريخ ، ولو زاد تركيزنا أكثر سنكتشف أن هذه الصراعات تتزايد حول بؤرة الاهتمام العالمي في مصر على فترات متقاربة ، فمصر بلا منازع كانت وما تزال عبر التاريخ هي قلب العالم ، رغم وجود صراعات على الثروة في قلب إفريقيا ، ولكن حول مصر صورة الصراع تبدو أكثر حدة وأشرس دوافعا ، وهو ما تنبهت له الدولة منذ التخلص من ذراع الماسونية الخائن "إخوان المسلمين" ، وفي غضون سنوات قليلة قفزت القوة العسكرية المصرية قفزات كبيرة وعظيمة كان لابد منها ، والتي ظهرت أهميتها اليوم خاصة لمن كانوا معارضين أو مستهزئين ، فلولاها لاستبيحت مصر ومصالحها وحدودها وأمنها القومي .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
