هرتلات مواطن .. في زمن التيك توك …. بقلم : جمال عمر

بعيدا عن أحداث العالم وأخبار الصراعات الدموية في مختلف بقاع العالم ، من غزة لباب المندب وبوادر استسلام إسرائيل بشروط حماس ، إلى مدعكة الميليشيات في السودان وإفلاس أثيوبيا ، ومنها إلى أوكرانيا وأزربيجان وصربيا بولندا ومنها إلى تايوان وبحر اليابان ، ونهاية بغليان أمريكا الداخلي ، واقتراب انفجارالشعوب الأوروبية ، ونفاذ مدفعية بريطانيا وأوروبا ، والرعب الغربي من اجتياح روسي قريب ، لابد أن نتوقف قليلا وننظر للداخل المصري وهو ما يعنينا بالدرجة الأولى ، خاصة وأننا نعاني من أزمة اقتصادية حقيقية متعددة الأسباب ومتشعبة ، رغم أن حلولها بسيطة ، ولكن الشعوب كعادتها رافضة دوما تحمل المسئولية ، فلا تريد أن تغير من نفسها ، خاصة في ظل إعلام العولمة الخطير الذي خطف العقول ودمر النفوس ، وأصابها في مقتل ، فغير قيم البشر وزور مفاهيمهم وحولهم لهوام مستهلكة بلا عقل ، باحثة ومهرولة خلف أية متع ورفاهيات بعد أن أصبحت الكماليات التافهة أساسيات حياة لا يقبلون نقاش فيها .

 

ولا شك أن البطون التي تعودت أن تشبع ، لا تقبل بخلاف ذلك مطلقا ، رغم أن (الشبع) في حد ذاته هو السبب الرئيسي لكل أمراض الإنسان الخطيرة والقاتلة ، وهكذا يقول العلم الحديث ما قاله القرآن العظيم منذ (1400) سنة وأكد عليه خاتم الرسل (عليه الصلاة والسلام) ، ولكن كيف تقنعني اليوم بترك الطعام قبل أن أشبع ، وأنا قد عودتني أمي ومن بعدها زوجتي أن ألتهم ما تقدمه من الطعام ، ولا أتوقف إلا عندما أشعر بالتخمة قبل الشبع ، وإلا فإن توقفي سوف يعني اعتراضي على صانعة الطعام وجودته وربما أبعد من ذلك إلى غضب وشجار وخصام لا داع للوصول إيه ، والكارثة أن عادة الشبع نفسها تتحول سريعا إلى متعة نفسية ووسيلة لتفريغ طاقات جميع أشكال الانفعالات م حزن وفرح وخوف وغضب وغيرها ، وهنا تكمن الخطورة لأن ذلك يعني صعوبة التخلص منها .

ونظرة سريعة على تكاليف تفشي هذه العادة المادية والنفسية ، فأولا وطبقا لاحصائيات يابانية وغربية مشتركة في إطار مؤسسات الأمم المتحدة ، وجدوا أن الشعوب التي تتفشى فيها هذه العادة تستهلك ضعف احتياجاتها من الغذاء ، وتهدر ما يساوي ضعف احتياجاتها الفعلية ، مما يعني استهلاك ثلاثة أضعاف الاحتياجات الفعلية ، فلو كانت الدولة تستهلك ما قيمته 75 مليار دولار سنويا على الغذاء ، فهي لا تحتاج فعليا سوى لـ 25 مليار فقط ، وتهدر ضعف احتياجاتها لتفشي عادة الشبع ، وليس هذا فقط ، ولكن الشبع يعني تزايد الأمراض الخطيرة ، نتيجة إرهاق أجهزة الجسم بأضعاف قدراتها لهضم وتخزين الطعام ، وأبسط هذه الأمراض وأقلها هو (السمنة) ، وأخطرها ارتفاع نسب السكتة القلبية والدماغية بخلاف كثير من أمراض الفشل الكلوي والكبدي وأمراض الجهاز الهضمي والتنفسي ، وناهينا عن ضعف وخمول الدماغ وانخفاض الذكاء وكثيرا من أمراض الجهاز العصبي ، وهو ما ينقلنا إلى تكلفة صحية تعادل تكلفة الغذاء مرة أخرى في مختلف الاتجاهات الصحية والتعليمية والمواصلات ، ليصل المهدر من ميزانية الدولة إلى أربعة أضعاف تكلفة الغذاء ، دون الدخول في تكلفة الهرولة والسقوط ضحية سموم أطعمة الدليفري ومستهلكات إعلانات وسائل الإعلام والتواصل المهلكة .

وننتقل إلى عادة أخرى أصبحت متوغلة في النفوس ولا نستحي منها ، وهي الجشع ، والتي لا نستثني منها أحدا مطلقا ، فالتاجر لا يستطيع أن يكون جشعا يمتص دم المواطن ، إلا لو كان المواطن نفسه جشعا ، وكيف لا يكون جشعا وهو لديه الاستعداد لإرضاء شهوته للشراء بأي ثمن ، وكذلك مستعدا لدفع الرشوة في أي وقت ، سواء للحصول على حقه أو خطف فرصة من حق غيره ، لدرجة أن الواسطة أصبح لها قوانين شفوية معروفة في كثير من المؤسسات والمصالح وحتى في مؤسسات الدولة السيادية ، وجرائم الوزارات والقضاة خير دليل ، فخطف الفرص بأي ثمن أصبح احترافا يمارسه كل من يقدر عليه دون حياء ، حتى الموظف الغلبان لا يملك القدرة ولكنه يمارس الهروب من واجبات وظيفته كحق مشروع ، ويستحل مرتبه الحرام ، وربما يفتح أدارج مكتبه وجيبه لأية رشوة عندما تحين له الفرصة المناسبة ، فالكل تقريبا أصبح مشاركا أو أسيرا للجشع ، والكل يشكو ، والكل يلعن الحكومة فقط ، وكأن من مهام الحكومة تربية المواطن وحمايته من نفسه وجشعه .

ومن الملفت للنظر أن الغالبية من المصريين لا يصدقون أن العالم يمر بأزمة اقتصادية طاحنة ومفتعلة ، وأن شعوب أوروبا المرفهة أصبحت لا تجد كثيرا من الأساسيات ، لدرجة أن أسعار الليمون ثم البصل والسكر قد أصبحت مطلبا شعبيا يناقشه مجلس النواب ، وسرعان ما تقع منذ أيام أكبر شبكة للمرتشين في وزارة التموين والتي وصلت لنواب ومساعدي الوزير ، فهل موظفي الوزارات جاءوا من كوكب آخر وليسوا من الشعب نفسه ، وحدث ولا حرج عن مفتشي التموين في كل حي ومنطقة ، وهم أصحاب الإتاوات المعلومة والثابتة ولا أحد يشكو أو يعترض ، ولا تخبر أحدا عن جهاز حماية المستهلك الغارق في سباته العميق ، ولا يحرك ساكنا ، فهو لا يتحرك ولا يملك سلطة على أحد (كما يدعون) ، وناهيك عما سوف تعانيه من ضياع وقتك وجهدك ومالك لو تجرأت على الشكوى للشرطة ثم النيابة وهلم جر ، لتكتشف أن سكوتك أفضل بكثير .

وما أفجعني حقيقة ، هو كم الجهل الفكري والثقافي الذي يتمتع به عامة الناس وخاصتهم مثل رجال الدولة وأصحاب القرار ، فمثلا .. الجميع مقتنع بأننا لابد أن نوقف معدلات الزيادة السكانية ، كحل للأزمة الاقتصادية ، وللأسف يبدو أن الجميع يعاني من اجهل بكل معنى الكلمة بناموس الله في خلقه ، الذي نعرف أنه .. لا يملك بشرا أو مخلوقا أن يتحكم فيمن سوف يولد أو يموت ، ولا يملك بشرا أن ينجب ما يريد ، وهو ما أكد عليه خالق البشر سبحانه في كل الرسالات السماوية ، حتى المسلمون في بلادنا قرروا أن يكذبوا آيات ربهم ، ويصدقون قادة الماسونية المنزعجين بشدة من تزايد معدلات الإنجاب في بلادنا ، في مقابل الانقراض المتصاعد في بلادهم ، وكأن قادتنا يعلنون بوضوح أنهم فاشلون في استغلال طاقات البشر لدينا ، ولم يجدوا حلا سوى أن يقضوا على أهم أركان وعناصر التنمية والتقدم في العصور القادمة وهو (العامل البشري) ، ونفترض جدلا أن هذه المسألة قد جعلها الله بأيدي البشر (وهو ما لم ولن يحدث) فبحسبة صغيرة .. نحتاج على الأقل إلى جيلين متتاليين (60سنة) لإقناع المواطنين بالحد من الإنجاب ، وهو ضعف الفترة الزمنية اللازمة لانحلال الأزمة الاقتصادية ذاتيا ، وسنكون حينها في حاجة لرفع معدلات الإنجاب لمواكبة التطور والتقدم ، وسوف نضطر لفتح أبواب الهجرة إلينا ، لاستقدام شعوب أخرى لتعيننا على التنمية والاستمرار ، كما تفعل اليوم جميع دول أوروبا .

ثم ننتقل لمسألة تتكرر معنا دوما ، وهي غرقنا الفكري والثقافي في مستنقع الشعارات الزائفة ، مثل حقوقنا في الديموقراطية ؟ ، وحقوق التعبير والتظاهر والاشتراك في الحياة السياسية ، وهنا تكتشف حجم الجهل المدقع لدى مختلف الأجيال ، فالكل لا يقرأ وثقافاتنا تليفزيونية وتيك توكية ويوتيوبية وعبر التواصل الاجتماعي ، ورغم أن الشبكة العنكبوتية مليئة بحقائق وعلوم ومعلومات لمن يريد أن يتعلم ، إلا أننا نهوى ثقافة التيك أواي ، وليتنا نعلم أن الديموقراطية هي أحد شعارات بروتوكولات حكماء صهيون ، وهي شعار زائف ، تم نشره في العالم بهدف واحد خبيث ، وهو تدمير الدول وتفكيك وحدة الشعوب بتفجير الصراعات على الحكم ، ولم تلتفت شعوبنا الطيبة (بتخلف) ، أن الديموقراطية لا محل لها في كل الدول التي تنشرها وتنادي بها ، فدونالد ترامب مثلا أعلن بنفسه منذ أنه رئيس أمريكا رقم 45 وذلك قبل ترشحه بأكثر من (30) ثلاثين عاما ، والعائلة المالكة البريطانية من أصول يهودية ألمانية وتحكم بريطانيا منذ قرنين من الزمان ، وملوك دول أوروبا المعروفة هي من سلالة واحدة ، ومعهم ساسة وقادة أوروبا من العرق الأنجلو ساكسوني ، لدرجة أم (ميريكل) حكمت ألمانيا 24 سنة ، وحكمت الاتحاد الأوروبي 20 سنة ، وكل هذه الدول الغارقة في الحريات والديموقراطية يحكمها اليوم اليسار الماسوني دعاة الشذوذ والانحراف في العالم .

وبالطبع لابد أن تعلوا الأصوات برفض حكم العسكر في مصر ، في أحدث شعار ماسوني صهيوني لتدمير الدول الغبية ، خاصة وأن الجيش المصري كان وما زال هو العقبة الوحيدة في مخطط تدمير مصر وتحويلها لأشلاء مثل العراق وسوريا ولبنان وليبيا والسودان والصومال ، ثانيا .. أن الشعب المصري جاهل بطبعه ولا يقرأ ولا يعرف أن 98% من حكام العالم عسكريين ، وأن الأكاديميات الوحيدة في العالم التي تدرس علوم إدارة الدول هي سبعة أكاديميات فقط في العالم ، وهي أكاديميات عسكرية تحتل أكاديمية ناصر العسكرية العليا ، المرتبة الثالثة بينهم ، ولابد لأي مرشح للرئاسة في العالم أن يحصل على زمالة كلية الحرب العليا أو كلية الدفاع الوطني بأكاديمية عسكرية من الأكاديميات السبعة ، وجميع أمراء العالم هم طلاب للأكاديمية وضباط عاملين ، ولكن الشعوب بطبعها غبية ولا تعلم ولا تريد أن تعلم ، وتساق الشعوب حاليا بجيوش من العملاء والخونة واللجان الأليكترونية على وسائل التواصل الاجتماعي ، وكل ذلك على أمل أن الشعب المصري يشتعل يوما وينزلون للشوارع ليدمروا ما فشلت قوى الماسونية فيه ، ويخربون ما فشل الربيع العبري في تخريبه .

والخلاصة أن مشاكلنا الحقيقية هي في انحدار وتدني مستويات الفكر والثقافة والأخلاق ، وذلك هو المفهوم الحقيقي للدين ، فالدين هو مفاهيمك الشخصية التي تتصرف تبعا لها في حركة حياتك ، وهذا تحديدا مفهوم الدين في آيات كتاب الله العزيز ، فإذا كانت هذه المفاهيم مختلة ومنحرفة ومليئة بالجشع والجهل والشهوات ، فأنت صاحب دين منحرف ، ولا علاقة للدين بفروض ومناسك الخضوع والتقرب إلى الله التي تجيدها وتدعي كذبا أن دينك ، لأن الحقيقة ببساطة ، إذا لم تكن هذه الفروض والمناسك تقوم وتصلح مفاهيمك وسلوكياتك ، فقد وقعت في النفاق لأنك تعلن الخضوع لله ، ولكنك تخالفه وتطيع أهواءك وشهواتك وفتن الدنيا وشياطينها في حركة حياتك التي منحها لك خالقك ، وأنت تدعي كذبا قربك منه ، وعلى المستوى الإنساني كما يريد البعض ، كفانا أننا ننبهر ببلاد الغرب وهم ليسوا مسلمين ولكن لديهم في أخلاقهم كثيرا من الإسلام ، والذي لا ننتمي له إلا ظاهريا بفروض ومناسك لا عائد منها على حركة حياتنا ، وسامحوني لو كنت قاسيا بحروفي ولكنها الحقيقة المؤلمة ، والتي ما أوصلنا إليها إلا فشل رجال الدين في الوصول لعقول وقلوب العامة ، ومواكبة سرعة تطور الفكر والثقافة في العالم ، بعد أن أغلقوا أبواب الفهم والتدبر في آيات الله ، واكتفوا بأن يكونوا نقلة تفاسير ومفاهيم علماء ماتوا منذ قرون طويلة ، فدفنوا ثلاثة آلاف آية من العلوم البحتة في القرآن العظيم .

أخيرأ .. هناك سؤال سمعته يقول .. من سوف تنتخب لرئاسة مصر خلال السنوات القادمة ؟ ، وللأسف هذا السؤال مطروح ويسأله نوعان من البشر ، الأول جاهل ومغيب وأحواله أقرب لخروف زرايبي في قطيع الأغنام في زريبة وهدان الجحش ، والنوع الثاني عميل خائن يتمنى سقوط مصر وخرابها مثل نشطاء السبوبة وتجار الدين و(إخوان المسلمين) الذين مقتنعون أنهم لابد من تدمير مصر كسوريا والعراق ، ثم إعادة بناءها من جديد ، وهي فكرة ماسونية بامتياز ، وكأن الدول العربية التي دمروها استطاعت النهوض ثانية بعد عشرات السنين ، ولست عاشقا للسلطة ، ولكني منحازا بشدة لحجم ما تم إنجازه وما هو منتظر إنجازه ، فهذا الرجل الذي أحترمه يصنع مستقبل أمة ، لم تره مصر منذ قرون ، وفي جميع المجالات ، وكفانا فيه أنه شديد الالتزام والأمانة والخوف من خالقه ، ولذلك لا يعنيه كثيرا ما يقوله الشعب عنه ، ولكن يعنيه فقط ما يرضي الله عنه ، حتى ولو أغضب منه كل البشر ، وكفى أن يشعر كل مصري أن لديه رئيسا قويا وحازما وله ثقله السياسي والعسكري الكبير ، وكفاه أن صنع لأول مرة في تاريخ مصر جيشا يحتل المركز الثامن عالميا ، وهو ما يردع كل من تسول له نفسه أن يمس مصر بسوء ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *