احذروا … فقر النفوس …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
27 يوليو، 2023
اراء ومقالات, المقالات والرأي, متنوعات
658 زيارة

عجبا لابن آدم .. مهما أوتي من زخم الدنيا وعبلها لا يشبع ، ولا تمتليء عيناه إلا بالتراب ، ورغم التقدم التكنولوجي والعلمي لبني آدم خاصة في السنوات القليلة الماضية ، إلا أن تقدمه قد زاد من انشغاله بالدنيا وألهته المتع عن قيم الله وحكمته من الخلق ، ففقد قدرته على الفهم لحقائق الحياة وأركانها ومصيره فيها ، فمنذ سنوات قليلة كان عامة الناس لا يألكون اللحم إلا في المواسم ، والبعض شهريا وآخرين مرة وحيدة في الأسبوع ، والأغنياء لا يأكلونها إلا مرتين أو ثلاثة ، ولكن اليوم العامة يصرخون لأنهم لا يأكلونها إلا مرة واحدة أسبوعيا ، مع وجود بعض الفقراء لا يأكلونها إلا في المواسم أيضا ، ولكن العامة أصابهم الجشع والنهم والهرولة خلف متع البطن والفرج ، وربما لهم عذرهم فإعلانات المنتجات مليئة بالدعوات للتسيب والغرام والعلاقات المحرمة ، وبرامج الطبخ قد أصبحت أكثر من أن تحصى على الفضائيات وفيديوهات التوك شو ، مما أصاب عامة الناس بالفجعة والتشتت ، إضافة للهلع الاستهلاكي الذي تنشره وسائل الإعلام والتواصل عن السلع البراقة ، وفوائدها الخرافية التي تخطف العقول وتعمي القلوب والأبصار .

ورغم أن الإنسان هو الإنسان ، وما زال التزواج بين الذكر والأنثى بلا رتوش ، هو وسيلة البقاء على الأرض ، وما زالت الأنثى تحمل وتلد وترضع وتربي ، وما زال الإنسان ينام ويستيقظ ويمرض ويشفى ، وما زال الإنسان يستطيع الحياة بأقل القليل ، ولكن أيضاوما زال ابن آدم يثبت كل يوم صدق بلاغ ربه (لو بسط الله له الرزق لعباده لبغوا في الأرض) ، وتحول لمفجوع مسعور لا يكتفي ، ولا تشبع عيناه ولا نفسه من شيء ، فهذه فنانة مشهورة ، كانت فقيرة ومعدمة تعمل بيديها لتوفر قوت يومها ، وكانت صحتها ممتازة وجميلة ، ودخلت عالم الفن من أحد أبوابها الجانبية ، واغتنت واشتهرت فانطلقت تنهم من متع الدنيا بلا حساب ، فتدهورت صحتها رغم غناها ، وفقدت راحة البال التي لازمت فقرها ، واليوم تقول بلسانها أنه ذاقت كل متع الدنيا ، ولكنها خسرت أغلى ما كانت تتمتع به وهي فقيرة وهما الصحة وراحة البال .

فابن آدم دوما يتغافل عن حقيقة كونية ، وهي ميزان العدل في الحياة الدنيا ، فلا شيء بلا ثمن ، وأولها .. أن الغنى والثراء والرفاهية دائما ما يكون ثمنها باهظا ، بحرمان من أساسيات جوهرية ، أهمها الصحة الجسدية واهدوء النفسي والرضا ، لأن خالقه الأعظم قد أوجده من أجل السعي لإعمار الأرض ، وبالتالي خلق له نفسا لا تنضج ولا تشتد ولا تستوي إلا بالسعي والكد وتحمل مصاعب الحياة ، وكذلك جسده لا يشتد ولا يصبح قويا إلا بالكدح وتحمل الشدائد واقتحام المصاعب ، ورغم ذلك يتغافل ابن آدم عن حقيقة أن (الرفاهية تقتله حرفيا) ، فيسعى دوما لمزيد من الراحة والرفاهية ، رغم تأكده يوما بعد يوم أن رفاهيته تأكل من صحته وسعادته وراحة باله .

والعجيب أن ابن آدم كلما ازداد ثراءا ، يزداد بخلا وشحا على غيره ، فمثلا فلو كنت تملك جنيهات قليلة وسألك أحد أن تساعده ، فسوف تعطيه ربما أكثر من نصف ما تملك ، ولكن لو كان في جيبك آلاف الجنيهات ، فهل ستطعي السائل نصفهم أو حتى ربعهم ، أم ستدخل المسألة في حسابات أخرى ، وهو ما يظهر بخلك وشح نفسك ، وهو ما يقوله خالق البشر ، ﴿ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أضْغَانَكُمْ﴾ محمد37 ، ولذلك يقول سبحانه .. { .. وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } الحشر9 ، بل إننا بميزان الكون حولنا ربما لا ندري بأن من يبخل فسوف يحيق به بخله سواءا كان هذا بحسابات الأرزاق المكفولة ، فمنطق الله تعالى .. { رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } سبأ 39 ، أو بحسابات الماديات وتحقيق العدل العلمي البحت في موازين الحياة الفوتونية التي تتحكم في أدق تفاصيل حياتنا ، حتى الأفكار والنوايا والظنون والخيالات ، لدرجة أنك تحدد بتصرفاتك ونواياك أسلوب تعامل الكون معك فوتونيا ، فلو كنت مستبشرا مبتسما متفائلا تنتظر الخير والسعادة ، فقد فتحت محطات استقبال السعادة لديك ، والعكس صحيح ، لدرجة أن من اعتاد الادعاء بأن المستقبل أسود ، لن يرى إلا السواد في حياته ، وكذلك لو أنفقت بسخاء كان الكون معك سخيا ، ولو بخلت فسيكون الكون معك بخيلا ، ولذلك يقول خالق الكون سبحانه .. { .. وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ .. }محمد 38 .

والبخل أنواع وألوان وأشكال في النفوس ، فهناك البخيل عامة في كل ما يفعله للآخرين أو حتى لنفسه ، وهذا أخطر الأنواع ، فمثله سيكون بخيلا بالمال وبخيلا بالكلمة وبخيلا بالمشاعر والتفاعل والهمة ، فهو هلوع سيطر إبليس على نفسه واستهواه بخله ، فيراه وعيا وحكمة وذكاء ، ومثله يحتاج لعلاج نفسي طويل ، وهناك بخيل بالمال كنتيجة لتجربة فقر أثرت في نفسه سلبيا ، وهناك بخيل العلاقات الاجتماعية كنتيجة لتربية جافة أو حادة ، وكلها أمراض نفسية تحتاج للعلاج بالإقناع والتجربة والصبر من صاحبها ومن يتولى علاجه ، ونادرا ما ينفع العلاج بالنصائح والتعليمات إن لم يكن الإنسان نفسه يعلم أنه مريض بالبخل ويرغب في العلاج ، ولن تقبل النفس العلاج من البخل إلا إذا ارتقت مستويات علمه وإدراكه لحقيقة ناموس الله في خلقه ، وأسباب خلق الله له ، ومصير رحلة اختباره على الأرض ، ثم يقينه في الله وثقته في قيومية الله عليه .

أخيرا .. لا نملك إلا أن نوصي شبابنا أن يصبحوا مسئولين عن تربية أبناءهم ، فالأجيال لا تتعلم بالكلام والتعليمات والأوامر ، ولكنها تتعلم بما يحفر في نفوسها مما تراه من تصرفات وسلوكيات والديهم وهم أطفالا ، فمن الصعب أن تقنع إنسانا بالغا أن يكون كريما سخيا ، وهو قد تربى على يد والدين بخلاء ، تماما مثلما لا تستطيع أن تقنع لصا بأن هناك أناس شرفاء ، أو فاسدا بأن هناك أتقياء ، ولذلك يجب أن يربي كل منا نفسه تدريجيا ، فيعود نفسه أولا .. أن يكون مبتسما في وجه غيره ، ومستبشرا خيرا فيما عند الله فالله عند ظن عبده به ، وثانيا .. أن يجبر نفسه على الصدق وألا يكذب مطلقا مهما كان السبب ، وبالتالي فسوف يعلم نفسه ألا يفعل ما سوف يضطر أن يكذب بشأنه ، فالكذب سيد الآثام والخطايا ، وثالثا .. أن يخلص كل منا ضميره ونواياه لله ، فلا ينتوي بل لا يسمح لخياله أن يتصور فعل شيء حرمه الله ، وليحذر كل منا فالله يعلم ما نفوسنا .. { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } غافر19 ، ويحاسبنا الله به فيقول سبحانه .. { .. وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } البقرة284 ، ورابعا .. ألا ييأس من رحمة الله وغفرانه وعفوه ، وليستغفر كلما أذنب مهما كان ذنبه ، فأكبر الذنوب أن يرى ابن آدم أن ذنبه أكبر من رحمة الله ، ويكفى ابن آدم أن الله تعالى وعد بألا يعذب مستغفرين (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) ، وخامسا .. كن للناس كما تحب أن يكونون لك ، فكلنا خلقه وعياله ، وعاملهم بما تحب أن يعاملك الله به ، وسادسا .. كن واثقا أن رزق الله لا ينفذ ، وهو بيده سبحانه وحده ، ولن يأتيك إلا ما قدره الله لك ، وأخيرا فلنتذكر دوما أن حياتنا اليوم هي أحد رحلات الاختبار المتتالية ، ورحلتنا القادمة سوق تتوقف على نتائج رحلتنا الحالية ، ولا يلومن ابن آدم إلا نفسه ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …
جمال عمر