نفسك .. كما لم تعرفها (5) .. ؟؟ … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
30 ديسمبر، 2022
اراء ومقالات, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
483 زيارة

لا شك أن علوم النفس المنتشرة في العالم والتي تدرس في الجامعات ، ويمنح في علومها كبرى الشهادات العلمية ، قد جانبها الصواب تماما ، خاصة بعد أن أصبح فشلها الذريع واضحا ومثبتا في علاج المرضى النفسيين خاصة عبر العقود الأخيرة ، وهو ما أدى لظهور علوم جديدة وتخصصات مبتكرة للتعامل مع النفس البشرية ، مثل علوم (الكوتشينج) أو ما يقلبونه بـ (Life Coaching) أو التوجيه (التدريب الحياتي) ، والذي أثبت نجاحا كبيرا مقارنة بالطب النفسي ، والذي سيطر طويلا على علاج المرضى دون تحقيق النتائج النظرية المرجوة منه ، بل إنه ساهم في تدهور معظم الحالات التي تعرض لها ، واكتسب سمعة سيئة في جميع دول العالم ، ولا يتم اللجوء إليه إلا في حالات الخطر على حياة المريض أو المخالطين له ، كوسيلة للتخلص من شروره وخطورته ، وبرغم أن العلوم الحيثة قد تعاملت مع النفس ككائن مستقل بعيدا عن الجسد ، إلا أن هذه العلوم بفروعها ما زالت تستخدم نفس نظريات علم النفسي المشبوهة ، ولذلك أصبح من الضروري مراجعة مصداقية نظريات علوم النفس كاملة ، بداية من الأساسيات التي بني عليها وتطور مفاهيمها عبر الزمن .

ولا شك أن الخطأ الرئيسي الكارثي الذي ارتكبه البشر منذ بداية علم النفس الحديث ، وكان سببا رئيسا في فشل علوم علوم النفس ، هو أن علوم النفس كاملة قد بنيت على أساس فرضيات خاطئة مخالفة لحقيقة تركيب الإنسان ، والذي ذكره وفصله الخالق العظيم في قرآنه الكريم ، حيث بني البشر علوم النفس كاملة على فرضية الخلط ما بين النفس والجسد الحي ، فاعتبروا أن المخ والجهاز العصبي للإنسان هو صاحب القرار والتحكم في الإنسان ، وجهلوا أن الجهاز العصبي كاملا وعلى رأسه المخ ليسوا إلا غرفة قيادة متطورة التكوين والإمكانيات (الأليكترونية – الكيميائية – الميكانيكية) ، ولكنها في النهاية لا تملك القدرات الإرادية (فهي ليست صاحبة القرار) ، وتجاهلوا أن النفس (صاحبة الإرادة) وهي (أصل الإنسان) ، هي مخلوق مختلف أكثر قدرة ورقيا وتطورا ، فالنفس هي المسئولة عن إدارة واستخدام الجسد بالكامل من خلال غرفة القيادة (المخ + القلب) باستخدام شبكة الأعصاب الهائلة ، فجاء التوصيف النفسي مختلا ومبنيا على خيالات وظنون ناتج عن مراقبة المختلين نفسيا ، لدرجة أنهم يخلطون ما بين المختلين نفسيا (عقليا) ، والمختلين عصبيا ، بل إن تعريف العقل نفسه جاء مختلا وفاقدا لحقيقته .

وكان هذا الخلط الكارثي سببا مباشرا في تشويه باقي المفاهيم الفرعية مثل مفاهيم العقل والوعي والذاكرة والذكاء والانفعالات ، كنتيجة مباشرة للخطأ القاتل بالخلط ما بين النفس كقائدة ومسيطرة على الجسد ، وبين الجسد كمطية (وسيلة) تحتله النفس وتستخدمه لممارسة حركة الحياة ، وهو ما أدى للوقوع في ضلالات تحديد أنواع وأحوال النفس وأمراضها وطرق العلاج ، فرأينا أطباء النفس يستخدمون المخدرات والمثبطات الدوائية للأعصاب والناقلات العصبية فضلا عن جلسات التعذيب الكهربائي على جسد المريض كوسيلة للسيطرة على نفسه ، وهم لا يعلمون أنهم بذلك يخسرون (نفس) المريض للأبد ، بتحفيزها على العداء والتحدي ، مما يفاقم من المرض النفسي ، حتى تضطر النفس لكراهية الحياة ومن فيها ، وهو ما يدفع النفس المتحكمة في الجسد لتدمير الجسد ، بداية من غرفة قيادة الجسد وهو المخ وشبكته العصبية ، ومرورا بأجهزة الجسد المختلفة ، ونهاية بالاستسلام وقبول الحياة أشبه بالأموات حتى الموت .

وكان خطأ الإنسان الأكبر ومنذ زمن بعيد ، أنه (أفتى بغير علم) في حقيقة النفس ، وتجاهل بحماقة وتعنت حقيقة خلق الله للنفس ، والتي ذكرها سبحانه في أكثر من 400 آية في كتابه العزيز منذ أكثر من أربعة عشرة قرنا من الزمان ، ولا ملامة على غير المسلمين في تعنتهم وجحودهم لعلوم القرآن ، تعصبا لدياناتهم ورفضا لحقائق العلم في كتاب المسلمين ، خوفا من تفشي الإسلام بينهم ، ولكن ما هو عذر للمسلمين في جهلهم وتجاهلهم لكل العلوم البحتة التي أنزل الله حقائقها كاملة في كتابه الكريم ، ولذلك كانت جريمة المسلمين في حق البشرية هي الأعظم عبر تاريخهم ، عندما أغلقوا أبواب الفهم والتدبر في كتاب الله عمدا ومع سبق الإصرار والتعنت ، وما زالوا مصرين على تلك الحماقة الكبرى ، لدرجة أنك لن تقول حرفا عن آية في كتاب الله ، إلا وبادرك كثير من علماؤنا أو حتى العامة بالسؤال عن (سندك) ، ومن قال بهذا من الأولين ، وهو لا يدري أنه بذلك يسبك ويسب نفسه ، ويؤكد لك أنه كإنسان ، وأنك أيضا معه وكذلك كل المسلمين الأحياء لا عقل لهم ولا يفهمون ، وكأن الفهم قد مات مع الأولين .

ولا شك أن الإنسان بطبيعته لا يحب ولا يقبل التغيير ويقاومه , لذلك نجد كثير من المجددين وأصحاب الفكر من العلماء قد ماتوا في السجون ، ولذلك لا نعجب كثيرا عندما نرى العامة وكثير ممن يلقبون بــ (رجال الدين) لا يستحون أن يعلنوا أن الفهم والتدبر لآيات الله مقصور على العلماء الأوائل ، وكفاهم زور وبهتان استشهادهم دوما بقول الله تعالى .. (أسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ، لأنهم يستغلون جهل العامة بأسباب نزول هذه الآية الواضحة من سياق الآية ، والتي أنزلها سبحانه وتعالى مرتين في كتابه العزيز ، وبنفس الكلمات والحروف في سورتي النحل والأنبياء بقوله تعالى .. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43وقد ذكر الله سبب النزول في سياق الآيتين ، حيث أنزلها سبحانه وتعالى كرد مباشر على من يدعون أن رسل الله لابد أن يكونوا ملائكة ، فرد الله عليهم بأن يسألوا أهل التاريخ والقصص وليس العلماء ولا رجال الدين ، ولكن المزورين استخدموها زورا وبهتانا ، وادعوا أن أهل الذكر هم أهل العلم والفهم والدين ، ولا يملك سواهم الحق في التحدث عن آيات الله ، ولكن فقط بمفاهيم الأقدمين ، فنجد جميع رجال الدين ومن لقبوا أنفسهم بـ (أهل الذكر) يتبرأون من (جريمة) الفهم والتدبر لآيات القرآن العظيم ، هروبا من المسئولية ، ويلجأون للسند من العلماء الأوائل ، فقط لأنهم ورثوا الجهل دون تعقل أو محاولة الفهم ، لدرجة أنهم أصبحوا يتباهون أنهم نقلة علم .

ولنبدأ باختصار رحلة النفس في خطوات مرحلية كما علمنا سبحانه وتعالى ، فماذا يقول الخالق العظيم للبشر عن خلقه النفس ؟؟ .. يقول سبحانه وتعالى .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، فخلق النفس قد تم بعملية (إنشاء) ، والإنشاء كما نعرفه من آيات الله يتم إما بإدخال موجود في موجود آخر فينتج مخلوقا له صفات خاصة مختلفة وجديدة ، أو بأخراج شيء من شيء (اقتطاع) ، وهنا نفهم أن (كل نفس حية اليوم) قد تعرضت لعمليتان متتاليتين من الإنشاء ، الأولى (إنشاء) باقتطاع كل نفس من نفس واحدة أساسية ، فصارت كل نفس وحدة متكاملة قائمة بذاتها وهو المستقر ، والذي لابد سنعود إليه يوما ، ثم كانت عملية الاقتطاع التالية ، باقتطاع (شطر) النفس شطرين ناقصين ، فيمثل كل شطر منهما زوجا (مكملا) للآخر ، من أجل خلق نصفين يتوق كل منهما للعودة والتكامل مع الآخر ، وهي الحالة التي خلقها سبحانه من أجل حكمة الحياة وتنفيذ مهمة الاستخلاف وإعمار الأرض ، وتلك الحالة هي المستودع (التواجد المؤقت) ، وتلك الحالة هي التي سوف تنتهي بانتهاء المهمة ، لتعود النفس للمستقر كنفس كاملة ، ، وهو ما نفهمه من مقارنة ثلاث آيات ببعضها ، الأولى قوله تعالى .. {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا .. }الزمر6 ، والثانية .. {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }لقمان28 ، والثالثة قوله تعالى في وصف أحداث يوم القيامة .. {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }التكوير7 .

ففي الآية الأولى {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا .. } ، يقرر سبحانه أنه بعد إنشاء النفوس من النفس الواحدة ، جاءت كل نفس وحدة متكاملة ، تحمل مواصفات النفس الأصل التي تم إنشاءها منها ووصلت لحالة (المستقر) ، ولكن سبحانه شاء أن تنفذ هذه النفوس مهمة إعمار الأرض ، وتكون مستخلفة عليها ، وهو ما لا يتم إلا لو تعاونت هذه النفوس في صور حركة الحياة ، ولكي تتعاون النفوس لابد وأن تكون لديها الدافع الفطري للتعاون ، وهو ما لن يحدث إلا لو كانت كل نفس لديها حاجة فطرية للتكامل مع غيرها ، ولذلك أنشاء سبحانه (اقتطع) من كل نفس متكاملة نفس فرعية (شطر النفس لنصفين) ، فنتج عن ذلك نفوس ناقصة تحتاج للتكامل ، وتلك حكمة الحياة الدنيا ، لتكون كل نفس في حاجة للتكامل ، فتسعى له وتتكامل مع نفس أخرى (تصلح أن تكون مكملا لها) ، ثم صور سبحانه وتعالى كل نفس (ناقصة) في صورتين متكاملتين جسديا (ذكر – أنثى) ، وجعل سبحانه التكامل بينهما جسديا من أصول الفطرة النفسية ، فإذا تكاملت نفوس الذكر والأنثى جسديا ، نتج عنهما أجيال جديدة ، فيحبونها ويربونها ، فيستمر الاستخلاف على الأرض ، وتلك هي حكمة الحياة على الأرض لكل مخلوقات الله وليس ابن آدم فقط ، فالتقاء الذكر بالأنثى تتجدد به الحياة ، وتثمر عن أجيال جديدة ، فتكون حكمة الحياة الدنيا الأساسة ، ما بين (الضعف والاحتياج) ، وهو ضعف النقص ، واحتياج التكامل .

وفي الآية الثانية .. {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }لقمان28 ، يقرر سبحانه أن بداية الخلق كانت كل نفس وحدة واحدة متكاملة ، ثم يؤكد أن البعث للنفوس ليوم القيامة سوف يكون كذلك وحدة واحدة متكاملة مثل بدء الخلق ، بمعنى أن كل نفس ستعود كاملة وتلتئم مع نصفها بعد انتهاء الدنيا ، لانتهاء الغرض من انقسامها بانتهاء رحلة الاستخلاف والحياة على الأرض ، وبالتالي لا عجب أن يؤكد سبحانه على هذه الحقيقة في وصفه أحداث يوم القيامة بقوله تعالى .. {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }التكوير7 ، فكل نفس سيتم تزويجها (يوم القيامة) بنصفها الذي كان قد اقتطع منها ، فتعود كل نفس وحدة متكاملة مرة أخرى ، وهو ما يفسر لماذا يقرر سبحانه جميع ألوان النعيم في الجنة لنوع واحد ، ولا وجود لنعيم منفصل للذكر وحده أو منفصل للأنثى وحدها ، وبذلك يتضح مدى جهل البشر وضلالاتهم عندما فهموا أن حور العين للذكور فقط ، واحتاروا ماذا يقولون للأنثى ، فادعوا أن النساء سيكون منهم حور العين ، وهو بهتان وادعاء باطل ، فكل نعيم اللآخرة سيكون للنفس الكاملة ، حيث لا ذكر ولا أنثى .

وقد أوضح الله هذا المفهوم (لا ذكر ولا أنثى يوم القيامة) في آيات عديدة منها قوله تعالى .. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 ، فبمجرد النفج في الصور .. إيذانا ببداية يوم القيامة ، فسوف تتزاوج كل النفوس ، فتعود كل نفس لحالة المستقر “وحدة متكاملة” .. {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }التكوير7 ، وحينها بالطبع لا وجود لذكر أو أنثى ، وبالتالي لا وجود لأب أو أم ولا وجود لأعمام وعمات وأخوال .. فسوف تنعدم الأنساب بتلاشي حالة الذكر والأنثى ، ولهذا يقول سبحانه .. (فلا أنساب بينهم) ، وبمجرد اختفاء الأنساب ، فقد فقدت النفوس السبب الذي قد يتساءلون عنه ، فلا تسأل نفس عن أقاربها ولا أنسابها ، فقد عاد كل شيء لأصله واختفت حالة الوهم النسبية التي كانت موجودة لأغرض الحياة في الدنيا ، وهو الاختبار والاستخلاف وإعمار الأرض ، فنحن في الحياة في حالة استثنائية (مسببة) سوف تزول بنهاية الحياة ووصولنا ليوم القيامة .

ولا شك أن أول ما يختلف في تصوير النفس يوم القيامة هو نوعية الجسد الذي سوف يمنحه الله لكل نفس ، فالنشأة حينها .. لا يصح أن تكون مثل نشئات الدنيا بصور (ذكر وأنثى) ، فلا عودة لهذه الأجساد التي كنا نحيا بها في نشأتنا الدنيوية لانتهاء السبب (الاستخلاف بالإعمار) ، وبالتالي لابد وأن تتبدل النشأة التي نعرفها ، إلى نشأة تتناسب مع النفس الكاملة (لا ذكر ولا أنثى) ، وهنا يسميها سبحانه بالنشأة الآخرة (الأخيرة) ، والتي يقول عنها سبحانه وتعالى .. { .. ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، فالنشأة الآخرة (الأخيرة) هي تصوير النفوس بعد تكاملها ، وفي أجساد مختلفة تتناسب مع الظرف والحال الجديدين .

ولا عجب في ذلك ، فذلك خلق الله وتطوره الذي أخبرنا عنه سبحانه بقوله تعالى .. {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }الأنبياء10 ، وذلك معناه أن كتاب الله فيه ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا حتى النهاية ، ولا عجب أيضا فكتاب الله جاء مفصلا ، تفسر الآيات بعضها بعضا ، وقال عنه سبحانه .. {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ }هود1 ، فآيات كتاب الله محكمة ومفصلة ، وتضع حدود كل ما خلق الله لابن آدم بداية من نفسه ، حتى أن الله لم يترك شيئا خلقه في كونه إلا وذكره في كتابه فقال عنه .. { .. مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ .. }الأنعام38 ، فهو كتاب علم ، فيه كل العلوم التي شاء الله أن يتعلمها ابن آدم لينفذ بها مهمته التي خلقه من أجلها ، وهو يعلم ما يصلح شأنه ، ويعينه على مهمته ، ولذلك فأول ما يجب أن يفهمه ابن آدم هو نفسه ، وما هي أحوالها وأمراضها وعلاجاتها ، وكيف يتعامل معها ، ويصحح انحرافاتها ويتحكم في فجورها ويصل لتقواها ، وكيف يزكيها ويكسب رضا ومحبة خالقه وبارئه ، فيفوز براحة الدنيا ونعيم الآخرة ، لأنه لا يملك سواه المجأ والملاذ ، فهو يسير من ولادة إلى موت ، ويترك خلفه كل ما يدعي أنه يملكه ، بل إنه لا يملك لنفسه شيئا ولا نفعا ولا ضرا ، فكل ما في حياة ابن آدم هو تنفيذ دقيق لمشيئة الله فيه وبه وعليه .

أخيرا .. لابد أن نعرف كيف يقرر الإنسان أن يفعل أو لا يفعل ، ومن يتخذ القرار ، وكيف ضللنا علماؤنا عندما خلطوا ما بين المخ كآلة معجزة وبين النفس ، وما هي الحقيقة في تقسيمات علماء النفس للعقل الواعي والباطن ، والنفس العليا والدنيا ، وهل كل هذه خيالات بشر لا علاقة لها بحقيقة خلق الله للنفوس والأجساد ، وما هي أنواع الرؤى والأحلام ، ولماذا يجب أن نكون حذرين في رواية أحلامنا ، وما الفرق بين مواصفات النفس وأحوال النفس ، وما هي قدراتها الحقيقية وكيف نستطيع استخدامها بمهارة ، ولماذا تعمد أهل الشر إخفاء هذه العلوم عن البشر ، ولذلك وجب أن نتوقف عند آيات النفس كثيرا لعل الله يهدينا لفهم معانيها وكشف أسرارها ، علها تهدينا لإجابة كثير من التساؤلات التي تهاجم نفوسنا ، والله يهدي لنوره من يشاء ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …
جمال عمر