استعرضنا من قبل أحوال النفس والتي هي أصل الإنسان ، وتوقفنا عند حقيقة أن الجسد الحي لا يمثل سوى (مطية) تحتلها النفس وتسوقها ، فهي وسيلة تعامل النفس مع حركة الحياة ، وتعرفنا على عملية دخول النفس للجسد للمرة الأولى بعد اكتمال تكوين الجسد بنهاية الشهر الرابع للحمل ، وكذلك عرفنا أن النفس لا تستقر في جسد أبدا بل تغادره يوميا ، حتى يعيد الجسد صيانة وإصلاح ما فسد نتيجة استخدام النفس للجسد ، فهي تغادر الجسد للنوم يوميا ، ثم تغادره للمرة الأخيرة للموت بعد انتهاء الأجل المحدد ، وعندها يسترد الخالق العظيم الروح (سر إحياء الجسد) ، فيموت الجسد (يتحلل ويعود ترابا) ، فتفقد النفس مطيتها ووسيلة تعاملها مع الحياة (الجسد الحي) ، ويكون هذا التوفي إيذانا بانتهاء رحلة اختبار للنفس بمعطيات محددة (نوع – جسد – بيئة – دين – معطيات حياة … ) ، واستعدادا لبدء رحلة اختبار جديدة بنشئة جديدة بمعطيات مختلفة ، هذا لو كانت النفس لم تحقق الامتياز في رحلتها المنتهية ، ويكون الامتياز ببذل النفس لوجه الله بأي صورة من التي حددها سبحانه في كتابه العزيز (دستور الحياة) .

فإذا حققت النفس الامتياز في أحد رحلاتها ، فهي تكون قد أنهت رحلات اختباراتها بامتياز ، وهي الحالة التي يسمي سبحانه أصحابها بـ (السابقون) ، لأنهم يسبقون بقية البشر في إنهاء رحلات الاختبار ، ثم يصفهم سبحانه بـ (المقربين) ، ويكون جزاءهم أن يعيدهم للحياة في الصورة التي يتمنونها ، ويظلوا يرزقون ويتمتعون بها حتى يوم القيامة ، وبالتالي اكتشفنا ضلالة أكذوبة حياة القبور ونعيمها وعذابها ، والتي ابتدعها البشر منذ آلاف السنين ، وكرر المسلمون نسخها وجعلوها من أساس الإيمان والدين ، رغم أن الله أنزل عشرات الآيات التي تكذب هذه الضلالة ، بوصف ما سوف يفعله الله بالنفس بعد الموت ، ولم يشر للقبور أو يلمح مطلقا ، بل لم يذكر سبحانه سوى أن الكافرين ، وهم من رسبوا في رحلة اختباراتهم بامتياز ، يكون عقابهم أن لا يمنحهم الله الحياة في الدنيا سواءا للاختبار مرة أخرى ، أو للتمتع مثل المقربين ، حتى إذا جاءت القيامة فيوقظهم سبحانه وتعالى (بمنحهم جسدا) ليحاسبوا ، فيقولون .. {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }يس52.

وعرفنا أن النفس بالنسبة للجسد تماثل تماما سائق السيارة ، فأنت الذي تقود سيارتك لتصل بها إلى أي مكان ، ولكنك عندما تترك السيارة ، تظل السيارة ساكنة لا تتحرك إلا بوجودك وإرادتك ، كذلك الجسد الحي فهو بدون (النفس) ، لا يتحرك من مكانه مثل ، ما يكون عليه الجسد خلال النوم ، وكذلك أنت كقائد للسيارة تكون دوما سببا في تلفها ، وكذلك أنت (النفس) من يتلف جسده بسوء استخدامه له ، وأنت أيضا من يسرع من شفاء جسده ، وكذلك الإنسان (النفس) المسئول عن تدمير الجسد عندما يحزن أو يغضب ويصيبه الإحباط ، فالنفس كقائد السيارة تماما ، هي المسئولة عن صحة الجسد أو تدميره ، وهو ما يوضح أسباب فشل أطباء النفس الذريع في منح الشفاء للمرضى النفسيين ، لأنهم يخلطون في علاجهم ما بين النفس والجسد ، ولا يدركون أن النفس فقط هي المريضة ، وأثر مرضها يظهر في اعتلال الجسد ، تماما مثلما تقود سيارتك وأنت مخمور فتختل قيادتك لها ، لا تستطيع السيطرة على السيارة ، وتقرر علاج هذه المشكلة لدى الميكانيكي أو بتغيير نوع البنزين أو الإطارات أو الزيت .

ولا شك أن كل منا يستطيع الإحساس بالفرق بين حالة وصحة جسده عندما يكون مسرورا وسعيدا ، وحالة جسده وسرعة تدهور صحته عندما يكون حزينا ومحبطا خاصة لو طالت فترة الاحباط وتحولت لاكتئاب ، ولذلك يهتم كثير من الأطباء بحالة المريض النفسية عند بدء علاجه ، لأن النفس هي المحرك وصاحبة الأمر على هذا الجسد ، وهو ما تبينوه مؤخرا بعد اكتشاف أن الحالة النفسية يصاحبها إفراز هرمونات معينة في الجسد ، وبكميات وسرعة تدفق معينة تبعا للحالة وشدتها ، فمثلا هرمون الأدرينالين يفرز في الجسد في حالات (الخوف – الهلع – الصدمة – الفرح – الغضب … ) ، ولكن تختلف الكمية ومعدل تدفقها في الجسد من حالة لأخرى .

ولعل من أغرب ما تم اكتشافه مؤخرا ، أن هناك فارق كبير من هرمونات المتعة (أندروفين – دوبامين) ، وبين هرمونات السعادة (السيروتونين – أكوسيتوسين) ، والتي كانت جميعها تسمى بهرمونات المتعة والسعادة لعقود طويلة ، فاكتشفوا أن هرمونات المتعة يفرزها الجسم عندما ينال الإنسان شهوة أو رغبة يتمناها ، وهي حالة (الأخذ) فقط ، واكتشفوا هرمونات المتعة تسبب الإدمان ، لو أدمن الإنسان تحقيق كل شهواته ورغباته ، وهو ما يسبب تدمير الجسد بزيادة الإدمان ، وهو ما نرتكبه في حق أطفالنا عندما نلبي كل رغباتهم ، ولا يصنع الاتزان في الجسد ، إلا بإفراز الجسد لهرمونات السعادة ، والتي يفرزها الجسم فقط في حالة (العطاء وآداء الواجبات) ، أي عندما تؤدي ما عليك أو تعطي أو تمنح أو تساعد غيرك ، خاصة لو كانت بلا مقابل ولا تنتظر لها ردا ، مثل الصدقات ومساعدة الضعيف وخدمة وإسعاد أولادك وزوجتك وأهلك أو جيرانك وزملاءك ، ويحصل ابن آدم على هرمونات السعادة بكثافات عالية في حالة إفرازها مع هرمونات المتعة ، فتصنع اتزانا في الجسم ، تولد الشعور بالرضا والراحة والسعادة ، وأوضح صور ذلك ما يكون بين الزوجين فقط ، عندما يحرص كل منهما على إسعاد الآخر وينجح في عمل أو فعل يتمتع فيه كلاهما ، مثل اللقاء الجنسي ، وهو ما لا يتحقق مطلقا إلا مع الأزواج ، ولذلك يكون المتزوجون دوما أكثر صحة واستقرارا وسعادة في حياتهم .

فالنفس تتحكم في الجسد كهروكيميائيا ، بمعنى أن النفس تسيطر على الجسد من مركز قيادة الجسد (المخ) ، وتستخدمه لترسل إشارات كهربية عبر شبكة الأعصاب ، فتتحكم بها في جميع الأعضاء وعلى رأسها مجموعة الغدد الصماء ، والتي تفرز هرمونات التحكم في الجسم ، ولذلك فأي اختلاف في حجم وسرعة قدور هذه الإشارات الكهرومغناطيسية من النفس ، يكون نتيجتها اختلاف في آداء الجسد كيميائيا وميكانيكيا ، وهو ما يمكن ملاحظته عندما يشتعل حريقا في مستشفى أو دار للمسنين ، فلا عجب أن تجد المرضى والمسنين يهرولون هربا من الموت أسرع من أي شاب ، لأن (النفس) عندما شعرت بالخطر أصدرت إشاراتها المكثفة والسريعة ، التي حفزت الغدد على إفراز كميات كبيرة من الهرمونات وعلى رأسها الأدرينالين وبمعدل فائق السرعة فانفجر الأدرينالين في جسده ، فمنحته طاقة غير مسبوقة في عضلاته وأعضاء جسده المختلفة .

فالنفس هي الأصل وصاحبة الأمر ، ولكن الجسد في حد ذاته يعد إعجازا ربانيا عظيما ، فهذا الجسد يمثل منظومة متكاملة في أروع صورها ، فهو مكون من مجموعة من الأجهزة المتكاملة ، والتي تتأثر ببعضها البعض ، بل ولكل عضو شبكته العصبية ، ولكل عضو شبكته الطاقية (شبكة الطاقة الخاصة به) ، فهذا الجسد له القدرة على علاج نفسه وصيانه خلاياه وأجهزته ومكوناته ذاتيا ، وهو مايتم يوميا عند النوم (بعد مغادرة النفس) ، ولكن هذا الجسد مرتبط ويتأثر بالكون من حوله ، ولذلك يمر الجسد بدورات زمنية متكررة ما بين الضعف و القوة ، تماما مثل أي جسد على الأرض ، ولكن الإعجاز في أن ابن آدم يمر بدورات ثلاثة مختلفة ومتباينة ، وهي دورات الإيقاع الحيوي أو ما يسمونه بـ (البيورزم) ، والتي رصدها الإنسان منذ آلاف السنين في حضارات قديمة ، وبدأ الاهتمام بها منذ عقود قريبة ، ووهذه الدورات متداخلة ومتقاطعة ، فكل دورة لها عدد أيام محدد ، فمثلا الدورة الجسدية للإنسان مدتها (23 يوما) ، وفي قمة هذه الدورة يكون جسد ابن آدم في قمة قدرته الصحية وقادرا على مقاومة أي مرض ، ولكن في قاعها بعد مرور نصف المدة يكون جسد الإنسان في أضعف حالاته ، والدورة العقلية ومدتها (33) يوم ، والدورة العاطفية ومدتها (28) يوم ، وتتباين هذه الدورات ، وتتقاطع الدورات ولكنها لا تلتقي في القمة أو القاع إلا نادرا ، ولا يصل الإنسان لالتقاء الدورات الثلاثة في القاع إلا يوم وفاته ، وترتبط هذه الدورات بساعة ويوم دخول الإنسان للدنيا ، ولذلك لا يتفق أي جسدين مطلقا في دوراتهما ، ولكن يمر كل إنسان بهذه الدورات الثلاث ، ويكون في قمة أي دورة خلال يوم معين ثم يبدأ في النزول حتى يصل لأضعف حالاته وهو في قاع الدورة .

وذلك ما حاول الإنسان رصده وتتبع آثاره واستخدامه للاستفادة من أقصى طاقات الإنسان ، فنجد الدول المتقدمة وعلى رأسهم اليابان وكذلك أجهزة المخابرات القوية يراقبون موظفيهم ، ويرسمون لهم الدورات الحيوية المؤثرة عليهم ، ولا يسمحون للبعض بالقيام بالأعمال الهامة في أيام محددة في الشهر ، ويلاحظ عند رصد هذه الدورات أن الدورة النفسية والتي مدتها (28) يوما ، هي الدورة المتعلقة بالنفس ، وهي ما يسمونها بالعاطفية ، بينما دورة الجسد (23) ، ولذلك لا تكون أيام الدورة الشهرية لدى النساء منتظمة ومريحة إلا لو كان قاع الدورتين النفسية والجسدية متوافقتان مع بعضهما ، ولذلك تختلف شدة وآلام الدورة الشهرية عند النساء بالتقدم في العمر ، وكذلك بالحمل والولادة ، ولاشك أن الأحداث الكبيرة المؤثرة تغير من بداية ونهاية الدورات الثلاثة ، وبالتالي تغير الإيقاع الحيوي للإنسان ، ويستخدم اليابانيون هذه الدورات مع لاعبي المنتخبات في البطولات والدورات الأوليمبية ، فيحققون أفضل النتائج المبهرة .

وتعد الدورة النفسية هي أكثر الدورات تغيرا واختلافا وتباينا ، لأن ابن آدم تتغير حالته النفسية أحيانا بكلمة ، وغالبا استجابة لأحداث الحياة من حوله ، ولأن النفس هي صاحبة القرار على الجسد ، فإن الدورة النفسية تعد من أخطر المؤثرات على حياة وحالة الإنسان الصحية والعقلية ، وبالتالي قد تتقارب دورات بعض الناس النفسية ولكنها لا تتطابق مطلقا بين البشر ، وذلك لأنها ترتبط بقدرات وطبيعة كل نفس ، وأسلوب تربيتها ، وبالتالي كيفية تأثرها بأحداث الحياة ، بل وربما بأحداث تتعرض لها النفس تواجدها خارج الجسد سواء وهي مستيقظة أو كالعادة أثناء نومها في حلتها اليومية والمتكررة خارج الجسد .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر

الله يطول بعمرك و تنور افكار قرارك بجميل ماتفكر و تكتب جزاك الله خير الجزاء و بارك فيك و في عملك و عمرك