من أنت .. ولماذا .. وإلى أين ؟؟؟ (5) …. بقلم : جمال عمر


توقفنا من قبل عند استعراض كيف تم تزوير مفاهيم الدين و العبادة .. ورأينا كيف تم اختزال مفهوم الدين الحقيقي الذي هو "قناعاتك ومعتقداتك الشخصية التي تحكم تصرفاتك في حركة حياتك" ، ولكن تم تزويره واختزاله في مظاهر وحركات ومناسك ، حتى تم إقناع معظم البشر أنه لا علاقة لخالقهم بشئون حياتهم ، فالدين مجرد شعائر وطقوس موسمية أو طارئة لمباركة أحداث كالميلاد والزواج والوفاة ، وغير هذه الشعائر هو سياسة واقتصاد وعادات وتقاليد وحركة حياة لا يجوز أن نسمح بتدخل الله فيها ، ومنه تم تزوير مفهوم العبادة والتي هي (أداء مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها وهي إعمار الأرض كخلفاء لله عليها )، فأصبحت العبادة بعد التزوير هي مجرد أداء لمناسك وفروض للتبرك واكتساب حسنات وابتغاء الحماية أحيانا ، فتحول البشر المتدينون (في كل الأديان والملل) لدروايش لا قيمة لهم في حركة الحياة إلا رموزا للطقوس والغيبيات فامتلأت المعتقدات البشرية بالأساطير والخيالات والخزعبلات ، حتى رأينا قضاة وعلماء ووزراء يقبلون أيادي بعض السفهاء المبجلين والمعتوهين والمتخلفين والنصابين على اعتبار أنهم أولياء ومباركين ومختارين من الله ، وهو ما نراه في المعابد والكنائس وبين أروقة الشيعة وفرق السنة والطرق الصوفية .

 

ورأينا كيف لاقى تزوير معان الدين والعبادة استحسان بل وعشق كهنة الأديان أو من يلقبون بـ "رجال الدين" ، ليكرر البشر إعلاء مكانة "الكهانة وكهنة الأديان" رغم أن حقيقة الأديان السماوية الثلاثة تنفي بل وتحرم وجود هؤلاء الكهنة ومن يرون أنهم وكلاء الله على أرضه ، وعرفنا كيف نشأت الفرق والجماعات وكيف تم تقسيم أتباع كل دين لأكثر من سبعين فرقة تبعا لأهواء الاختلافات بين أنواع وفئات الكهنة في كل دين عبر التاريخ ، ورأينا بين المسلمين كيف يعلنون التحدي لله في أغبى صوره ، فيتباهون بالانتماء للفرق والجماعات ، رغم علمهم أن هذا الانتماء هو شرك صريح بالله لا لبس فيه ، بصريح قول الله تعالى " في سورة الروم .. { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{31 ، 32} .

وتوقفنا عند أهم صفة فطرية ميز الله بها البشر عن غيرهم من المخلوقات ، وهي صفة (الإبداع) أو ما نعرفها بـ "الرغبة الفطرية للإتيان بالجديد" ، والتي تظهر في رغبة كل إنسان أن يأتي بجديد لم يفعله غيره في حركة الحياة ، وتلك الهبة .. منحها الله لبني آدم لتعينهم على تنفيذ مهمة الإعمار للأرض "كخلفاء لله عليها" ، وهي المهمة التي خلقنا الله  من أجلها ، ورأينا أنه رغم روعة "الهبة" وأهميتها ، إلا أن سوء استخدامها كان من أهم أسباب فشل الإنسان وفساده على الأرض ، ورأينا أن أسوأ استخدام لها تمثل في احتراف الإنسان تزوير دستور الله لخلقه مرارا وتكرارا بإخفاء التوارة ثم الإنجيل وتأليف بدائل فاسدة لهما ، ثم تزوير مفاهيم القرآن العظيم ، وإغلاق الطريق لمحاولة الفهم لحقائق الخلق والكون المفصلة فيه ، لدرجة أن المسلمين حصروا الهدف من القرآن في علوم الحدود والفروض والمعاملات (الفقه) رغم أن آياته لا تتعدى 3% من آيات القرآن كاملة وأقل من 5% من آيات العلوم البحتة التي تقترب من الـ (3000) آية ، بل وأسموا (الفقه) بـ العلم الشرعي (المقدس) ، ليعيدوا به إخراج مسرحيات أساطير سطوة الكهنوت المتكررة عبر التاريخ بثوب جديد تحت مسمى "رجال الدين" ، ورأينا منهم الإصرار على بقاء كل الضلالات والبهتان في تفاسير القرآن والتي قسمت المسلمين لأكثر من سبعين فرقة وجماعة يقتل بعضها بعضا ويكفر بعضها بعضا ، وكل هذا تحت زعم الحفاظ على تراث العلماء ، ولكنه في الحقيقة عشقا في الحفاظ على مكتسبات الكهنوت التاريخية الهائلة ، حتى ولو كانت على حساب تزوير مفاهيم دين الله الذي يدعون أنهم رجاله .

  

ولا شك أن سوء استخدام الإنسان لهبة "الإبداع" قد جاء كنتيجة مباشرة لسيطرة نوازع الضعف الفطرية في نفس الإنسان على نواياه وقراراته وبالتالي على أفعاله وأقواله وتطور أحواله في الدنيا ، حيث تعتبر نوازع الضعف الفطرية هي أهم المؤثرات التي تشكل الدوافع في نفس الإنسان لاتخاذ قراره ونواياه التي تتحكم في اتجاهات حركة حياته ، وتتعدد النوازع الفطرية في نفس الإنسان ، ويصل عددها لسبعة غرائز أساسية يتولد بها نوازع أخرى فرعية كنتائج لتضافر بعض النوازع معا ، فترى اختلافا متباينا وكبيرا بين البشر ، خاصة في مجالات الشر والفساد التي تظهر وتنتشر سريعا لعشق البشر الحديث عنها وتناقلها عبر التاريخ .

وتعد أبرز النوازع (الغرائز) الفطرية الأساسية في نفس الإنسان هي (البقاء – الاستحقاق – التفرد – الفجور – الخيرية – التكامل – الاستغناء) ، وهي غرائز سبعة تتوالد وتنمو في النفوس من تباينات الشعور الفطري بالضعف ، وتتناوب وتتزامن تأثيراتها في نوايا الإنسان وبالتالي في حركة حياته ، وتظهر وتتزايد تأثيراتها منذ اليوم الأول في حياة الإنسان وعلى مدى عمره ، فتكون سببا مباشرا في تشكيل شخصيته تبعا لمستوى ونتائج تهذيب نفسه بالتربية ، ثم يساهم مستوى التعليم وفهم العلم في ارتقاء النفس وقدراتها على مراقبة وحساب وتقويم نفسها ونوازعها ، ولكن تظل معالم هذه الغرائز السبعة متباينة الظهور تبعا للمواقف وظروف الحياة التي يتعرض لها الإنسان عبر حياته .

وأول هذه الغرائز هي غريزة "البقاء" والتي تظهر مبكرا في الأطفال ، فنراها في خشية "الفشل" ، سواء كان الفشل وقوعا أو عجزا عن تنفيذ رغباته مثل الوقوف والمشي والقفز وأكل ما يشتهيه وحب من حوله ، فيتحايل في سذاجة وبراءة لتجنب ما يخشاه أو الحصول على ما يريده بانفعالات تبدأ بالبكاء كانفعال فطري وحيد ، يتعلم بعده تباعا مهارات أخرى تزيد من قدرات تمكينه من البقاء كلما ازدادت سنوات عمره .

وثاني الغرائز .. هي غريزة "الاستحقاق" وهي غريزة تبدو ظاهرة ومسيطرة في سن الطفولة بلا أسباب ، فنجد الأطفال يرون أنهم يستحقون الحصول على ما يشتهون دون مقابل سوى أنها رغباتهم ، وهي الغريزة التي يجب أن تهذب في النفوس مبكرا ، حتى لا تصبح دافعا خطيرا لفساده مؤخرا في سنوات شبابه وتنامي قدراته ولباقي عمره.

وثالث الغرائز .. هي غريزة "التفرد" والتي نلاحظها في حرص الطفل على تشويه غيره لتجميل صورته ، فهو فطريا "يرى نفسه الأفضل لو كان نظيره أسوأ منه" ، فتسمع من الطفل مثلا قوله "أنا الله" ، وأخيه "يع" أو "كخة" ، وهي غريزة لابد من قتلها في النفوس مبكرا ، لأنها لو سمحنا ببقائها وتناميها في النفوس دون تقويمها وتضافرها مع "الخيرية"، فسوف تخلق شخصا مجرما يتعمد إفساد غيره وتدميره ليظل هو الأفضل .

ورابع الغرائز .. هي غريزة "الفجور" ، فالإنسان بفطرته يريد أن يفعل ما يشتهيه دون حدود أو مانع ، وهو ما أشار له القرآن الكريم بقوله تعالى .. {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }القيامة5 ، وهي غريزة خطيرة لو لم تقتل في النفس أو يحد من تأثيرها مبكرا ، فسوف تتحول إلى بغي واعتياد الغطرسة وموت للضمير ، وبالتالي لابد من تهذيبها ووضع الحدود لها مبكرا في مراحل الطفولة ، قبل أن يعتادها ويتحول لمجرم يهوى البغي على غيره .

وخامس الغرائز .. هي غريزة "الخيرية" ، وهي غريزة فطرية في النفس البشرية تبدأ بحب النفس الخير لنفسها أولا ثم غيرها ، وهذه الغريزة قال عنها الخالق العظيم .. {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ }العاديات8 ، فالإنسان بفطرته يحب الخير ، ولكن لابد من توجيه هذه الغريزة ليتساوي في النفس حب الخير للنفس وللغير ، وهو ما وجه له رسول المسلمين بقسمه .. (والله لا يؤمن .. والله لا يؤمن .. والله لا يؤمن .. من لا يحب لأخيه ما يحبه لنفسه) ، وهي ليست دعوة للحب ولا التعاطف بقدر ما هي دعوة للذكاء في التعامل مع الله ، لأن كل خلقه (مسلم أو كافر أو مسيحي أو يهويد أو ملحد) هم عبيده وخلقه ويحبهم سواسية ، ولكنه يحاسب كل منهم على قدر ما أعطاه من معطيات حياته ، ولذلك يقول سبحانه ، { .. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا .. }الطلاق7 ، وقوله تعالى .. { .. لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165، فلابد من تنمية هذه الغريزة  وتقويم اتجاهاتها مع غريزة التفرد في نفوس الأطفال لتكون عونا له على حياة طيبة كريمة هنيئة بين البشر .

ثم تأتي سادس الغرائز .. وهي غريزة "التكامل" وهي غريزة ضعف فطرية أصيلة تدفع الإنسان منذ يومه الأول للالتصاق بأمه ، في محاولة لاستكمال إحساسه الفطري بالنقص ، وهو نقصا فطريا تولد منذ أن شطر الله للنفس الكاملة لشطرين (ذكر وأنثى) ، وتراها واضحة في اجتذاب الطفل لأية طفلة ، ويستمر معه حتى نهاية عمره ، وبحسن استخدام هذه الغريزة تتحقق حكمة الاستخلاف وتتنامى باقي الغرائز كالبقاء في النفوس البشرية ، وبسوء استخدامها ينتشر الفساد الأخلاقي والمجتمعي بين البشر .

وأخيرا تأتي غريزة "الاستغناء" ، وهي غريزة فطرية عكسية قد تنمو في النفوس بدوافع من تفاعلات غرائز التفرد والبقاء والفجور ، كنتيجة لسوء التربية ، فتولد كبرا وغرورا ، وربما تأتي كنتيجة مباشرة للفشل في تحقيق غرائز أخرى كالتكامل ، فتلجأ النفس غالبا لمحاولات الاستغناء ، لفشلها في الحصول على ما تتمناه ، وقد تأتي كنتيجة للسقوط في الإحباط واليأس ، فتلجأ له النفس في محاولة لعلاج ضعفها بالتعالي على الاحتياج حتى ولو على حساب تعذيب نفسها بالحرمان مما لم تستطع الحصول عليه ، أو تضطر له النفس بعد عمر طويل في الحياة وفقد القدرة على مواصلة الكد والكدح لضعف القوة وربما العقل ، لأن ناموس الاستخلاف على الأرض قد وضعه الخالق العظيم مبنيا على حكمة الاحتياج بين المخلوقات .

ولأن الغرائز السبعة تتفاوت تفاعلاتها من شخص لآخر تبعا لمعطيات الله له من الشكل والجنس والصحة والقدرة العقلية والبيئة وظروف الحياة الزمانية والمكانية والعلم والعادات والتقاليد والدين .. وغيرها كثير من العوامل التي تختلف من شخص لآخر ، فلا تجد شخصا متطابق مع غيره مطلقا منذ بدء الخليقة وإلى يوم القيامة مهما تشابها في ظروف أو مواقف أو قناعات ومعتقدات ، ولذلك يحاسب الله كل نفس وحدها وعلى قدر ما آتاها من معطيات ، ولا يستوي حساب نفس مع غيرها مطلقا حتى لو فعلا نفس الفعل خيرا أو شرا .

وأخيرا .. لا شك أن تفاعلات غرائز الضعف السبعة في نفس الإنسان ، وتباين قدراته على التحكم فيها وتوجيهها لصالح حركة حياته على الأرض خلال فترة عمره المحددة "والتي لا يعلمها" ، هي ما تصنع معالم شخصيته ومواصفاتها التي يعرف بها بين الناس ، وتسجل عليه كتاريخ شخصي سوف يحاسب عليه لاحقا ، كما تقول الأديان السماوية ، أو هو "كما يقول القرآن" أنه تسجيل علمي دقيق كما سنعرف لاحقا من خلال تصحيح مفاهيم .. الأمانة .. والأرزاق .. والمقدور .. ومسير أم مخير .. وذلك قبل أن نجيب على السؤال الأهم والأبرز وهو .. "إلى أين بعد الموت ؟؟" .. لنصحح مفاهيم حركة حياة النفس أثناء التواجد في الدنيا وما قبلها وما بعدها .. وهو ما سوف نستعرضه في الحلقات القادمة  ..

جمال عمر

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *