مصر .. وصراع التوازنات الاستراتيجية … بقلم : جمال عمر


لا شك أن من يتابع ما يحدث على الساحة الدولية قد يصيبه الذهول كثيرا ، وهو ما حدث فعلا لمعظم المحللين والمتابعين مرارا وتكرارا ، حتى أصابتهم البلادة فلم يعودوا يتعجبون بل أصبحوا يتقبلون الأمور كما هي مع قليل من التكهنات التي يدركون أنها مقامرة بلا حسابات ، فلا أحد يعرف ماذا سيحدث غدا ، حتى أباطرة الماسونية والمتحكمون في اقتصاديات وإعلام وتسليح العالم فقدوا القدرة على التكهن بما سوف تصير إليه أمور العالم في الغد القريب أو حتى البعيد ، وأصبح ما يحدث في العلن وتتناقله وكالات الأنباء وأروقة السياسة الدولية على السطح لا يمثل سوى دخانا مقارنة بنيران حقائق الأمور تحت السطح ، رغم كثرة المعطيات والمؤشرات على أرض الواقع .

فعجبا .. مصر التي كانت على حافة التقسيم والحرب الأهلية ، تهب من سباتها وفي غضون سنوات قليلة تصبح دولة قوية ، بل وتتخطى قدراتها العسكرية إسرائيل (ايقونة الماسونية) لأول مرة منذ نشأتها ، بل وتقترب من الدول العظمى بخطوات ثابتة ، وتحقق معدل نمو اقتصادي متزايد حتى وصل إلى ثالث أعلى معدل نمو عالمي "5.6%" بعد الصين والهند ، وكل هذا رغم الحرب الشرسة التي تديرها بنجاح على مختلف الأصعدة ، ضد مثلث الماسونية (بريطانيا وأمريكا وإسرائيل) وأذنابهم (تركيا وقطر وإيران) والذين يتضافرون جميعا في حربهم الخفية (مخابراتيا – عسكريا – اقتصاديا – إعلاميا) ضد هذه الدولة العصية المسماة بمصر ، التي أفسدت مخطط التقسيم والتصفية لدول الشرق الأوسط م ولذلك فهم لا يتوانون عن صناعة ودعم وإدارة جميع فصائل وميليشيات الإرهاب في سيناء وعلى الاتجاهات الاستراتيجية لمصر شمالا وغربا وجنوبا ، بل وعلى مسرح الشرق الأوسط وداخل جميع الدول الأفريقية والعربية والمسلمة وكل من لمصر معه مصالح مشتركة.

فلم يعد من الأسرار أن أمريكا تستخدم قطر وإيران وتركيا في أدوار متباينة في مسرحية هزلية وخطيرة للسيطرة والإخضاع والاستنزاف والابتزاز لدول الشرق الأوسط ، وتقبع إسرائيل شبه ساكنة ظاهريا ، إلا من استعراض للقوة على لبنان وسوريا أحيانا ، ولكنها أبدا لا تجرؤ على الاقتراب من مصر علانية ، وكذلك أسيادها "بلطجية الماسونية" (أمريكا وبريطانيا) ، لا تجرؤ أيا منهما على معاداة مصر علانية ، بل هم أمام العالم من الداعمين والمؤيدين والمصفقين والساعين لكسب ود هذه الدولة التي فشلوا في إسقاطها وتقسيمها منذ سنوات قليلة ، وهذا سلوكا سياسيا ليس غريبا ، خاصة لو علمنا أن أوباما كان قد استأذن مجلس الأمن القومي الأمريكي أكثر من أربع مرات لضرب مصر عسكريا ، وتم رفض طلبه بشدة ، وفشلت جميع محاولات أمريكا وبريطانيا وألمانيا أو بمعنى أدق (قلب الناتو) في محاولات احتواء النظام المصري ، أو هز كيانه بمختلف قوى الإرهاب داخل سيناء ومن الحدود الغربية والجنوبية ، حتى وصلوا لمراحل اليأس التي دفعتهم اليوم أن يجربوا توريط تركيا في حرب مع مصر على الأرض الليبية ، وقد كان واضحا أن ثمن سكوت ترامب على صفقة الصواريخ الروسية (S-400) لتركيا ، أن تقوم تركيا بجر مصر للحرب على الساحة الليبية بأي وسيلة ، خاصة بعد فشلهم في جر مصر للحرب في سوريا ، ثم الحرب في اليمن ، فاندفعت تركيا بسفنها المحملة بالدواعش والأسلحة الثقيلة والطائرات بدون طيار ، بل وبطلعات جوية مستمرة ، ليس لهزيمة الجيش الليبي ولكن لتوريط مصر في حرب طويلة مستنزفة لقدرات مصر واقتصادها ، لعلها تكون الوسيلة الأنجح للسيطرة على هذا النظام المارق والمرهق لهم عبر السنوات القليلة الماضية .

ليست هذه أسرارا نذيعها أو نعلنها ، بل هي حقائق رددها السيسي مرارا ، فنحن نخوض حرب وجود ، ولكن مصر تدير حربها باحترافية غير مسبوقة ، أذهلت الجميع ، فهي دولة تخوض حروبا على مختلف الإتجاهات وفي جميع المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية ، وفي نفس الوقت .. هي أيضا تنظم بطولة الأمم الفريقية وتتصدى لأعدائها في الداخل من بقايا الأنظمة الفاسدة السابقة متعاونين مع ذئاب الماسونية من الإخوان والليبراليين واليساريين والعملاء والمأجورين ، فضلا عن حربها الضروس مع الفاسدين وبقاياهم السرطانات المزمنة التي خلفها النظام السابق سواء في الصحة أو التعليم أو مختلف مؤسسات الدولة ، ومع ذلك فلا يكاد يشعر المصريين كشعب إلا بالقليل النادر ولا يحرك لهم ساكن إلا عندما يسقط الشهداء وهو المشهد الذي تعودوا عليه ، حتى اعتدنا أن نسمع هرتلات الخراف الجبانة وهي تقول أن استشهادهم هو نهاية حتمية لوظائفهم وواجباتهم .

ولا عجب أن ينجح النظام المصري في صناعة قواعد وأسس قوية لدولة عظمى قادمة لا محالة ، في إطار استراتيجية وطنية قوية وواضحة الأهداف والوسائل وسريعة الخطى ، وهو ما تحاول قوى الماسونية تعطيله بأي وسيلة ممكنة ، ولكنها ما زالت لا تمتلك القدرة على تحقيق أهدافها القريبة أو البعيدة بوضوح ، بل ما زالت تجرب وتفشل ، وما زالت الحالة التي وصفتها هيلاري كلينتون في كتابها "خيارات صعبة" قائمة بل وازدادت تعقيدا عليهم، حيث وصفتها بانعدام القدرة على إيجاد وسيلة فعالة للتعامل مع النظام المصري لإخضاعه ، بل دفع ذلك أحد أقطاب الماسونية الأمريكية مثل هنري كيسنجر ، أن يستنكر هذا الضعف الأمريكي على مجابهة تنامي القوى المصرية ، ولا تملك إسرائيل وأمريكا اليوم إلا مقالات صحفية وتصريحات محللين ومراقبين ومؤرخين يحذرون من تضاعف القوى المصرية وخطورتها ليس على أمن إسرائيل ولكن على بقاء إسرائيل ، والغريب أن نفس الصحيفة الأمريكية "فيترانس توداي" التي تتبنى اليوم التحذيرات الشديدة من الجنرال المصري الملقب بالسيسي هي نفسها التي كتبت منذ سنوات مقالا لها عن مصر بعنوان "السيسي يهودي ومصر الآن تحت الاحتلال الصهيوني" ، في إطار الحملة الماسونية الفاشلة لتأليب المصريين على السيسي ، ولكن المصريين لا يتذكرون ولا يتابعون ، وهم مشغولون بأسعار الليمون واللحمة والبنزين والسولار ووسائل النقل ، وهو ما يعد من الآثار الجانبية المنطقية لتحقق الأمن والشعور بالأمان في مصر وهو الضروري واللازم لاستقرار واستكمال مسيرة التنمية.

وبعد استعراض الموقف بلا رتوش ، وبقليل من التحيز المنطقي والمطلوب لوطن ، لابد وأن نعي جيدا أن الصراع اليوم وبرغم أن معظمه تحت السطح ، ولم يملك أحد الشجاعة حتى الآن لإعلانه ، إلا أن الصراع قد دخل مراحل في منتهى الخطورة قد تدفعه فجأة وبلا مقدمات في اتجاهات عشوائية تغير خريطة العالم الجغرافية والتاريخية ، خاصة وأن هناك لاعبين لا يستهان بهم على الساحة الدولية لهم مصالح ولديهم مخاوف ومحاذير وخطوط حمراء موروثة من تجارب سابقة سيئة ، بداية من روسيا التي صدق "مجلس الدومة" الحاكم رسميا على اتفاقية شراكة استراتيجية مع مصر لأول مرة في تاريخ الدولتين ، وسبقه توقيع اتفاقيات الشراكات الاستراتيجية بين مصر وفرنسا ، وبين مصر والصين ، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لاتفاقيات شراكات استراتيجية جديدة مع دول أوربية وآسيوية أخرى يجري التمهيد لها ، وهو ما يرسم خريطة جديد لتوازنات القوى في العالم وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص ، خاصة بعد التصديق على مبادرة الحزام والطريق والتي تمثل مصر فيها ركنا أساسيا "جغرافيا واقتصاديا وسياسيا" .

فالصراع أصبح متعدد الأطراف وتمثل مصر فيه رمانة الميزان رغم أنف الرافضين والكارهين ، فمصر لا تعادي أحد ولا تسعى لصالح طرف على حساب آخر ، وتستعيد صدارتها وريادتها لإفريقيا بقوة وثبات ، وهي قد استعادت ريادتها للدول العربية كقلب لهذه الأمة ، وتمتلك من قوى الردع المختلفة ما يردع ويزعج المتربصين بها ، ويؤمن لها مستقبل التنمية المستدامة ، وهو ما ترصده مراكز الدراسات الاستراتيجية في العالم والتي تؤكد جميعها أن مصر تجيد لعبة الحفاظ على التوازن الاستراتيجي باحتراف ، ولذلك يتوقع المحللون أن تستطيع مصر " رغم شراسة الصراع الذي تتعرض له " أن تصبح دولة عظمى في غضون عقد أو عقدين من الزمان على أقصى تقدير.

وأخيرا .. لست أتعجب ولا أنكر على البعض تقديراتهم وحساباتهم المستقبلية ، التي تظهر صعوبة القادم لمصر ، ولكني أذكرهم فقط أننا بشر ، خلقنا الله لنعمر الأرض كخلفاء لله عليها ، وسبحانه وتعالى وعد من ينصره ويصون أمانة الله في خلقه أن ينصره ويمكنه في الدنيا "رغم أية عقبات أو مستحيلات" ، وهو ما رأيناه جميعا بعيوننا وتعجبت منه عقولنا فجدد معان الإيمان في قلوبنا ، فمصر شاء الله أن تبقى في رباط إلى يوم القيامة ، وهي البلد التي أسماها خالقها بـ "البلد الأمين وأقسم بها في قوله تعالى .. {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ، وَطُورِ سِينِين ، وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين} التين1، 2،3 ، وهو ما لابد وأن نتذكره دوما لنصلح به نفوسنا وأخلاقياتنا التي شابها الكثير من الفساد ، فمصر تستحق أن نكد ونسعى لنكون ممن يستحقها ، فمن نصرها نصره الله ومن مكر بها مكر الله به ، ومن جار عليها قسمه الله وأخزاه ، فأولى بأهلها أن ينصروها ويحسنوا إليها ، ولا ننسى شئنا أو أبينا .. {.. إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }الطلاق3

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *